سلّط "جيمس إم دورسي" المحلل السياسي، والباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في جامعة "نانيانج" التكنولوجية في سنغافورة الضوء على زيارة الرئيس الإندونيسي "جوكو ويدودو" التي جرت مؤخرا لدولة الإمارات.

وركز "دروسي" خلال تحليل مطول نشره موقع "أوراسيا ريفيو" على تعهد "ويدودو" بالعمل مع الإمارات، خلال الزيارة التي استمرت 3 أيام؛ لجذب استثمارات الدولة الخليجية لأكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، والترويج للإسلام المعتدل.

وذكر "دروسي" إن هذا التعهد يثير العديد من التساؤلات حول شكل الإسلام المعتدل وكيف يمكن تحقيقه على أكمل وجه؟، مضيفا أن التعهد يحتمل أيضا أن يضع في دائرة الضوء شريكا حكوميا جديدا لإبراز إندونيسيا كأيقونة للاعتدال الإسلامي.

كما يثير التعهد أيضا تساؤلاً حول ما إذا كان "ويدودو" سيهدد الميزة الفريدة لإندونيسيا في تنافسها مع الإمارات والسعودية وقطر وتركيا وإيران حول من سيحدد الإسلام المعتدل في القرن الحادي والعشرين مقابل التمويل والاستثمار.

ووقعت إندونيسيا والإمارات سلسلة من الاتفاقيات بمليارات الدولارات منذ 2019؛ من بينها مشروع غاز البترول المسال، واستثمارات إماراتية ضخمة في صندوق الثروة السيادي في إندونيسيا، وشراء أبوظبي لأكبر شركة إنترنت في إندونيسيا، بجانب اتفاقات لكي تستكشف الإمارات الاستثمار في البنية التحتية للموانئ هناك.

كما استكشف البلدان تعاونًا دفاعيًا أوثق، ومناقشة تعاون محتمل في تصنيع الطائرات بدون طيار والأسلحة والذخائر، والتعاون في الفضاء والتدريب المتبادل في عمليات مكافحة الإرهاب، والدعم الإندونيسي المحتمل للأمن الإماراتي. والمشاركة في منطقة الساحل بأفريقيا.

تعاون الاعتدال الديني

وقال "ويدودو" خلال زيارته للدولة الخليجية، حسبما نقلت وكالة الإنباء الإماراتية الرسمية: "علاقتنا مع الإمارات ليست فقط مثل علاقة الأصدقاء؛ بل نحن مثل الإخوة".

وأضاف: "أرى أن الاعتدال الديني والتنوع في الإمارات يحظى بالاحترام على نطاق واسع. وهذا هو مجال التعاون الذي نود استكشافه أكثر؛ لأننا نتشارك التقارب في رؤية وشخصيات الإسلام المعتدل الذي ينشر التسامح".

وعلّق "دورسي" بأن حديث "ويدودو" عن العمل مع الإمارات في القضايا الدينية يثير تساؤلات حول العلاقة بين سعيه إلى القوة الناعمة الدينية وبحثه عن الاستثمار الأجنبي.

ونقل "دورسي" عن "أميم لطفي"، الباحث في معهد الشرق الأوسط بجامعة سنغافورة الوطنية، تحذيره من أن استثمارات دول الخليج تنطوي على "مخاطر... قد تكون مرتبطة بالنفوذ السياسي".

وأشار "لطفي" إلى أن دولًا مثل الإمارات تسعى إلى توسيع نفوذها في البلدان ذات الأغلبية المسلمة في آسيا لتعزيز مساعيها لقيادة العالم الإسلامي.

وذكر "دورسي" أن الرئيس الإندونيسي لم يوضح ما الذي سيترتب على التعاون الديني مع الإمارات، لكن التقارير الإخبارية الإندونيسية وقت زيارة الأمير "محمد بن زايد"، قبل سنوات، أشارت إلى أنها ستشمل تبادل الخبرات في حفظ القرآن وترجمته ونشره.

يضاف لذلك تعزيز المناقشات بين العلماء والسياسيين والأكاديميين حول طرق تعزيز الاعتدال الديني والتعاون في تطوير برامج التعليم الرقمي للمدارس أو المعاهد الدينية.

واعتبر "دورسي" إن حرص الرئيس الإندونيسي على التعاون مع الإمارات في القضايا الدينية أمر لافت، بالنظر إلى أن حكومته قد أسندت بشكل فعال جهود القوة الناعمة الدينية في إندونيسيا إلى جمعية "نهضة العلماء"، وهي أكبر حركة مجتمع مدني إسلامي في العالم.

وأشار إلى أن اختيار الرئيس الإندونيسي رجل الدين "معروف أمين"، العضو البارز بالجمعية، في منصب نائب الرئيس، كما تضمنت تعيناته الأخيرة للسفراء الإندونيسيين في عواصم العالم الرئيسية العديد من الأشخاص المرتبطين بالجمعية.

تداخل معقد

وقال "دورسي" إنه "فيما يرقى إلى حد معركة روح الإسلام لتشكيل العقيدة بين دول الشرق الأوسط وآسيا، تؤكد نهضة العلماء على مفاهيم اعتدال ديني تتناقض بشكل صارخ مع تلك التي تتبناها الإمارات".

وتدعو "نهضة العلماء" إلى ديمقراطية متعددة الأديان وتعددية، واحتضان كامل وغير مشروط للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإصلاح الفقه الإسلامي.

من جانبها، حررت الإمارات الأعراف الاجتماعية بما في ذلك التعايش غير الزوجي وتعاطي الكحول والتسامح الديني، لكنها ترفض الديمقراطية كشكل من أشكال الحكم وتعترف فقط بأجزاء من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وبدلاً من ذلك، تنشر تفسيرًا للعقيدة يتطلب طاعة مطلقة للحاكم.

علاوة على ذلك، يعترف دستور البلاد بالإسلام باعتباره دين الدولة والشريعة كمصدر إلهام قانوني رئيسي. في الوقت نفسه، تبتعد الإمارات، على عكس "نهضة العلماء"، عن السعي إلى ترسيخ إصلاحاتها في القانون الديني والفقه.

ووفق "دروسي" فإن تداخل علاقات الرئيس الإندونيسي مع "نهضة العلماء" والإمارات، عندما يتعلق الأمر بالدين والقوة الدينية الناعمة، قد يكون معقدًا بسبب انتقاد التزام "ويدودو" بالمبادئ الديمقراطية.

وفي وقت سابق، قالت مجلة "إيكونوميست" إن الرئيس الإندونيسي لديه سجل من الاعتداءات متعددة الجوانب على الديمقراطية، مشيرة إلى خطواته لقمع الأصوات المعارضة، بما في ذلك التأكيد على سلطة حل منظمات المجتمع المدني لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وتوجيه التهم الجنائية ضد منتقديه على الإنترنت، وحجب المواقع الإلكترونية.

وذكرت المجلة أن الرئيس الإندونيسي أحاط نفسه بمجموعة من الجنرالات ويعتمد أكثر من أي وقت مضى على القوات المسلحة للمساعدة في تنفيذ السياسة المحلية، مثل زيادة إنتاج الأرز.

وأورد "دورسي" تعليقا في هذا الصدد للباحث الإندونيسي "ألكسندر آر أريفانتو"، اعتبر فيه أن "نهضة العلماء يجب أن تفكر في خطوات لدعم التزامها بهذه القيم الإسلامية والديمقراطية المعتدلة، بغض النظر عما إذا كانت تفضيلاتها السياسية تتماشى مع تلك القيم".

المصدر | أوراسيا ريفيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد