الأحد 21 نوفمبر 2021 06:40 م

هل تخلى أردوغان عن الليرة؟

قفز سعر الدولار إلى أكثر من 11 ليرة تركية يوم الخميس إثر قرار خفض سعر الفائدة.

تركيا اختارت نماذج اليابان والصين وغيرها من الدول التي تسعى لإضعاف عملتها عمداً بهدف زيادة صادراتها بمعدلات عالية.

قرر البنك المركزي التركي السير عكس التيار وخفض سعر الفائدة على الليرة رغم زيادة التضخم والمضاربات المحمومة على العملة.

أردوغان يدرك أن تهاوي الليرة يؤثر عليه شعبيا، خاصة أنه مقبل على انتخابات رئاسية في منتصف 2023، وأن المواطن يئن من زيادة الأسعار وتكلفة المعيشة

هل تهاوي الليرة متعمد من الحكومة لزيادة الموارد الدولارية وزيادة قدرة تركيا على سداد التزاماتها الخارجية من ديون وواردات طاقة وتغطية عجز الميزان التجاري؟

كيف تبرر الحكومة التركية التهاوي المستمر في قيمة الليرة؟ هل ستخرج بسيناريو "مؤامرة كونية" ضد عملتها كما حدث سابقا أو أن البلاد تخوض حرباً اقتصادية؟

 أم تعترف أن هذا التهاوي له مبررات موضوعية واقتصادية منها تدخل مؤسسة الرئاسة في إدارة السياسة النقدية وتأثير كورونا على مؤشرات الاقتصاد خاصة السياحة.

*     *     *

من المؤكد أن قيادات البنك المركزي التركي كانت تدرك تماما أنه عقب اتخاذ قرار خفض سعر الفائدة على الليرة مساء اليوم الخميس فإن العملة ستواصل تهاويها، وهو ما حدث بالفعل، حيث قفز سعر الدولار لأكثر من 11 ليرة تركية، وهناك توقعات باستمرار هذا التهاوي مع زيادة معدل التضخم والمضاربات المحمومة على العملة المحلية، لكن ما الذي دفع البنك لاتخاذ هذا القرار الصادم؟

بداية، شكل قرار البنك المركزي التركي مساء اليوم الخميس خفض سعر الفائدة على العملة المحلية بنسبة 1% ليصل إلى 15% صدمة لمؤسسات مالية وبنوك استثمار دولية، وكذا المتابعين لاضطرابات سوق الصرف الأجنبي في تركيا والانهيارات المتواصلة في سعر الليرة الذين توقعوا تثبيت السعر على الأقل في ظل الظروف الراهنة.

ذلك لأن قرار خفض الفائدة مع تهاوي الليرة يخالف أعراف السياسة النقدية الدولية التي تقول إنه في حال ضعف العملة يتم رفع سعر الفائدة عليها لزيادة جاذبيتها للاستثمار والادخار، والحيلولة دون تخلي الأفراد والمؤسسات عنها.

وإنه في حال زيادة معدل التضخم يتم أيضا زيادة العائد على العملة حتى لا تتآكل المدخرات الوطنية، ويتدافع المواطنون نحو حيازة العملات الأجنبية وتنتعش ظاهرة "الدولرة" الخطيرة داخل المجتمع.

لكن المركزي التركي ضرب بكل تلك الاعتبارات عرض الحائط وقرر السير عكس التيار وخفض سعر الفائدة وليس رفعها.

البعض قد يسارع ويربط بين قرار البنك المركزي والضغوط التي يمارسها رجب طيب أردوغان عليه لخفض الفائدة لأسباب عدة منها ما يتعلق بأبعاد دينية بحتة، وأخرى تتعلق بأبعاد استثمارية وتنموية من خفض تكلفة التمويل داخل المجتمع وتشجيع الاستثمار.

وآخر تلك الضغوط تصريحات الرئيس التركي يوم الأربعاء التي شدد فيها على أنه سيواصل معركته ضد سعر الفائدة والتضخم حتى النهاية، وإن "الحكومة عازمة على إزالة آفة الفائدة المرتفعة عن عاتق شعبها"، لكن هذا التفسير يظل قاصراً.

فالشواهد الآن تقول إن الحكومة التركية باتت تفضل هدف رفع معدل النمو الاقتصادي، وتشجيع الاستثمار، وزيادة إيرادات البلاد من النقد الأجنبي، خاصة من قطاعي الصادرات والسياحة، على حساب هدف استقرار العملة وحمايتها من التراجع، وأنها اختارت نماذج اليابان والصين، وغيرها من الدول التي تسعى لإضعاف عملتها عمداً بهدف زيادة صادراتها بمعدلات عالية.

وأن قضية محاربة التضخم قد لا تكون ضمن أولويات الحكومة لسبب بسيط، وهو أن العالم كله يئن من قضية ارتفاع الأسعار وليس تركيا فقط، والدليل ما يحدث في أوروبا والولايات المتحدة حاليا، حيث معدلات التضخم هي الأعلى منذ 30 سنة كما هو الحال في أميركا.

وأن جزءا كبيرا من التضخم الذي تعيشه تركيا هو تضخم مستورد بسبب زيادة أسعار النفط والغاز والأغذية والمواد الخام والسلع الوسيطة عالميا، وليس بسبب السياسات الحكومية الداخلية، وبالتالي فإن كل دول العالم تعاني من هذا التضخم المرتفع بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا وليس تركيا وحدها.

أردوغان يدرك أن تهاوي الليرة يمكن أن يؤثر عليه شعبيا، خاصة أنه مقبل على انتخابات رئاسية في منتصف العام 2023، ويدرك أيضا أن المواطن بات يئن من زيادة الأسعار وتكلفة المعيشة.

لكنه يدرك في المقابل أن إعادة بناء الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي من موارد ذاتية باتت ربما يكون هدفاً أهم، حتى يتفادى الدخول في مصيدة صندوق النقد الدولي والدائنين الدوليين التي تحاول بعض الأطراف الخارجية والداخلية جره إليها لحرقه شعبياً وتأزيمه اقتصاديا.

ويتفادى كذلك زيادة عبء الدين الخارجي مع توجه البنك المركزي الأميركي نحو رفع سعر الفائدة على الدولار، كما أن زيادة الإيرادات الدولارية تساعد في سداد الفاتورة الضخمة لأعباء الديون الخارجية والواردات، خاصة بند الوقود من غاز وبنزين وسولار ومازوت.

كما يدرك الرئيس التركي أيضا أن البنك المركزي لديه من الأدوات ما تمكنه من الحد من أي مضاربات في سوق الصرف إن أراد ذلك.

 ومن بين تلك الأدوات احتياطي ضخم من النقد الأجنبي يبلغ 122 مليار دولار، واحتياطي من الذهب بلغ 450 طنا بنهاية العام 2020، وأن مليارات الدولارات التي باتت في حوزة الأتراك وتم سحبها من البنوك والأسواق ووضعها "تحت البلاطة" قد تمثل حائط صد في يوم من الأيام إذا ما أراد هؤلاء الدفاع عن عملتهم الوطنية.

لكن هل هذه المبررات التي تسوقها الحكومة التركية والمدافعين عن سياستها ستقنع الأتراك الذين يرون عملتهم تتدهور يوما بعد يوم أمام أعينهم وهم يتفرجون، ومعها ترتفع أسعار السلع والخدمات بمعدلات كبيرة، وأن هذه السياسات تؤدي إلى تآكل القوى الشرائية للمواطن وتدهور المدخرات المحلية؟

السؤال الآن: كيف تبرر الحكومة التركية التهاوي المستمر في قيمة الليرة، هل ستخرج بسيناريو "المؤامرة الكونية" ضد عملتها كما حدث في مرات سابقة، أو أن البلاد تخوض حرباً اقتصادية على عدة مستويات منها "مثلث الشيطان" المتمثل بأسعار الفائدة والصرف والتضخم، ومنها مؤسسات مالية دولية تضارب على الليرة بهدف اضعافها؟

أم تعترف أن هذا التهاوي له مبررات موضوعية واقتصادية منها تدخل مؤسسة الرئاسة في إدارة السياسة النقدية، وتأثير كورونا على مؤشرات الاقتصاد خاصة قطاع السياحة.

وربما يكون التهاوي متعمدا من قبل الحكومة لأهداف تتعلق بزيادة الموارد الدولارية للبلاد، وزيادة قدرة تركيا على سداد ألتزاماتها الخارجية من ديون وواردات طاقة، وتغطية عجز الميزان التجاري؟

* مصطفى عبد السلام كاتب صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد