الأربعاء 24 نوفمبر 2021 10:53 ص

سلطت صحيفة "فايننشال تايمز" الضوء على انهيار سعر صرف الليرة التركية خلال الأيام الماضية وتأثيره على اقتصاد البلاد، مشيرة إلى 4 تهديدات محدقة جراء الأزمة.

وذكرت الصحيفة البريطانية، في تحليل لمراسليها بأنقرة ولندن على الترتيب "لورا بيتل" و"جوناثان ويتلي"، أن دفاع الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" عن التخفيضات الأخيرة لأسعار الفائدة وإعلانه "حرب استقلال اقتصادية" أدى إلى انخفاض الليرة ودفع المحللين للتساؤل عن مدى استعداده لتحمل تبعات ذلك.

فـ"أردوغان"، الذي أقال 3 محافظين للبنك المركزي، منذ منتصف عام 2019، معارض دائم لنسب الفائدة العالية، وأعلن أنه سيواصل طريق معدلات الفائدة المنخفضة في مسعى لتحفيز النمو والاستثمار، خاصة مع تسجيل نمو الناتج المحلي الإجمالي التركي نسبة 9% هذا العام، وهو أحد أسرع المعدلات في العالم.

لكن مع انخفاض سعر صرف الليرة بنسبة 15% أمس الثلاثاء، حذر عديد المحللين من أن تقلبات العملة التركية قد تضعف النمو الاقتصادي بشدة في المستقبل، ويقولون إن نهج "أردوغان" يحمل في طياته مخاطر جسيمة على صحة النظام المالي والاقتصادي لتركيا.

وأجمل الخبراء التهديدات التي يواجهها الاقتصاد التركي جراء أزمة الليرة في 4 نقاط، على النحو التالي:

سعار الدولرة

يعد الاتجاه المتزايد إلى "دولرة" مدخرات الأتراك أول تهديدات الاقتصاد التركي جراء الأزمة، إذ تسمح البنوك التركية للعملاء بالاحتفاظ بالودائع بالعملات الأجنبية كما بالليرة، وفي السنوات الأخيرة اختار الأتراك بشكل متزايد الاحتفاظ بأموالهم بالدولار واليورو، حيث أدى التضخم المرتفع وانخفاض أسعار الفائدة إلى تآكل عوائد مدخرات الليرة.

وتشكل الودائع بالعملات الأجنبية 55% من جميع الودائع في القطاع المصرفي التركي (حوالي 260 مليار دولار)  مقارنة بـ 49% في عام 2018.

وإزاء ذلك، يشعر المحللون بالقلق من ارتفاع حيازات الدولار أكثر، ما يؤدي إلى مزيد من الضغط على سعر صرف الليرة، وبالتالي دخول أزمة العملة التركية في حلقة مفرغة.

وحذر محلل الأسواق الناشئة "فينيكس قالن" من اتجاه فقد المدخرين الثقة في القطاع المصرفي التركي، ما قد يدفعهم لسحب أموالهم، على غرار ما جرى على نطاق أضيق خلال أزمة الليرة في صيف 2018.

وأمام هكذا سيناريو، سيكون أمام الحكومة أن تفرض ضوابط على حركة رأس المال، ومنها إجراءات من شأنها أن تجعل سحب العملة الأجنبية صعبا، وذلك رغم إصرار الحكومة السابق على أنها لن تفعل ذلك، حسبما أشارت الصحيفة البريطانية.

جنون الأسعار

ثاني التهديدات يتمثل في الأسعار المرتفعة، إذ بلغ معدل التضخم السنوي بتركيا حوالي 20% في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حسب بيانات معهد الإحصاء التركي، ما تسبب في ارتفاع أسعار المواد الغذائية، تجاوزت نسبته 27% على أساس سنوي في نفس الشهر، الأمر الذي ألحق الضرر بالأسر ذات الدخل المنخفض بشكل خاص.

ولأن اقتصاد تركيا يعتمد على السلع المستوردة، خاصة الطاقة والمواد الخام، فإن انهيار الليرة يترجم بسرعة إلى ارتفاع في الأسعار.

ويتوقع "جيسون توفي"، المحلل بشركة "كابيتال إيكونوميكس" الاستشارية، أن يتراوح معدل التضخم في تركيا بين 25 و30% خلال الشهرين المقبلين.

ويهدد هكذا تضخم بتأجيج المزيد من ضعف العملة وخنق النمو، مع تضرر ثقة المستهلك، كما يمكن أن يقوض أيضًا الدعم الشعبي لـ"أردوغان"، الذي ارتبط حكمه الممتد لعقدين من الزمن بارتفاع الرخاء المعيشي.

وفي هذا الإطار، تريد المعارضة التركية، التي فازت بالسيطرة على أكبر مدينتين في البلاد بالانتخابات البلدية بعد أزمة 2018، إجراء انتخابات مبكرة؛ حتى تتمكن من الاستفادة من حالة القلق المتزايدة بشأن الاقتصاد.

وخلال فترات ضعف الليرة السابقة، بما في ذلك أزمة 2018، أعلنت تركيا في نهاية المطاف عن زيادات طارئة في أسعار الفائدة أوقفت انخفاض سعر صرف الليرة وقلصت من التضخم الجامح، ولكن في ضوء قبضة "أردوغان" الشديدة على البنك المركزي وتلميحاته لمزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة، يتساءل بعض المحللين عما إذا كانت هذه المرة مختلفة.

وفي السياق، يرى "إنفر إركان"، المحلل في شركة "تيرا انفستمنت"، ومقرها إسطنبول، أن الحكومة التركية تبدو كأنها "تتسامح مع ضعف الليرة"، مضيفًا أنه من الصعب التكهن بمدى استعداد صانعي السياسة لترك العملة في حالة انخفاض.

التمويل الأجنبي

ولما كانت البنوك في تركيا تعتمد بشكل كبير على الاقتراض من الخارج لتمويل قروضها في الداخل، فإن التغيير المفاجئ في معنويات المقرضين الأجانب يمكن أن يضع النظام المالي التركي تحت الضغط، ما يعني تهديد قدرة البلاد على استجلاب التمويل الأجنبي.

وفي هذا الإطار، يشير المحلل بوكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني "حسين سيفينك" إلى أن تركيا مرت، في السنوات الأخيرة، بأزمات متعددة احتفظت فيها البنوك بوصول معقول للتمويل الأجنبي، ولفت إلى أن البنوك التركية "لديها احتياطيات كبيرة من السيولة بالعملات الأجنبية لتغطية إغلاق قصير للسوق لمدة عام تقريبًا"، لكنه حذر من أن "إغلاق السوق لفترة طويلة قد يحمل مخاطر كبيرة".

الديون الخارجية

خلال أزمة العملة التركية عام 2018، انخفضت الليرة بنسبة 18.5% في يوم واحد بعد خلاف مع الولايات المتحدة أشعل مخاوف المستثمرين بشأن الاقتصاد، وكان أحد أكبر المخاوف في تلك الأزمة هو قدرة قطاع الشركات المثقل بالديون، على سداد القروض المقومة بالدولار واليورو.

بعد 3 سنوات، أصبحت الشركات في وضع أفضل، بعد أن خفضت ديونها الخارجية بمقدار 74 مليار دولار، وفقًا لبنك "باركليز"، وبدلاً من ذلك، تحول جزء من تلك الديون الخارجية إلى القطاع العام بعد أن بدأت الخزانة بإصدار سندات محلية مقومة بالعملة الأجنبية تحت إشراف وزير المالية السابق "بيرات ألبيرق".

ووصلت نسبة مكون العملات الأجنبية لديون الحكومة المركزية إلى 60% من إجمالي الدين الشهر الماضي، ارتفاعًا من 39% في عام 2017، ما يعني أن انخفاض الليرة يكلف وزارة المالية التركية أكثر لخدمة أعباء ديونها.

صحيح أن نسبة الدين الإجمالي إلى الناتج المحلي الإجمالي في تركيا لا تزال منخفضة مقارنة بنظيراتها في الأسواق الناشئة، حيث تبلغ حوالي 40%، لكن عديد المحللين يرون أن ارتفاع تكلفة خدمة الديون يمكن أن يحد من الحيز المالي للحكومة في وقت تخطط فيه لزيادة المنح مع اقتراب موعد الانتخابات.

المصدر | فايننشال تايمز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد