يجادل بعض الخبراء أن تركيا سعت للانفصال عن الغرب في الألفينات بعد أن جاء حزب "العدالة والتنمية" إلى السلطة، لكن تحليل نهج أنقرة في السياسة الخارجية، لا يبين ذلك.

وزادت تركيا منذ عام 2003 نفوذها في جميع المناطق الهامة جيوسياسيًا على حدودها؛ وهي البحر الأسود والقوقاز الجنوبي والبلقان، والبحر الأبيض المتوسط، وسوريا والعراق، ويمكن العثور على مفهوم عام يشرح هذا التطور من خلال النظر إلى الخريطة، حيث لا توجد الآن قوة واحدة كبيرة في جوار تركيا بشكل يفتح الباب لانخراط تركي اقتصادي وعسكري أكبر على حدودها.

وحتى روسيا التي تعتبر أكبر قوة بالقرب من تركيا، لم تتمكن من منع أنقرة من إعطاء دعمها الحاسم لأذربيجان خلال حرب كاراباخ الثانية الأخيرة، وتتمركز القوات التركية حاليًاعلى أرض أذربيجان إلى جانب روسيا، ، وإن كان ذلك بعدد محدود.

يظل السبب الحقيقي للانخراط التركي المتزايد هو الانهيار السوفيتي، على الرغم من أن الانخراط وقع على مدى فترة أطول من توقع العديد من المحللين، فقد استغرقت تركيا عقودا لبناء موقفها الإقليمي، وحاليًا في عام 2021، يمكن القول بثقة أن أنقرة قد نجحت في هذا المشروع.

فهي قريبة من امتلاك ممر أرضي مباشر إلى بحر قزوين (من خلال نخشيفان أذربيجان) وتعزز وضعها العسكري في البحر المتوسط، كما تنظر إلى شمال سوريا والعراق كمناطق يمكن أن توفر عمقا استراتيجيا للدفاع عن الأناضول.

هناك عنصر كاشف في السياسة الخارجية التركية، ويتمثل في أن الجغرافيا لا تزال محورية في تصور البلاد لنفسها ومكانتها في العالم، بشكل يفوق أي بلد كبير آخر ربما، وبدلا من أن تتعلق فقط بالمحور الغربي، اتبعت تركيا على مدار العقدين الماضيين نهجا متعدد المحاور فيما يتعلق بالشؤون الخارجية.

التطلع لتعدد المحاور

تقع تركيا على المحيط الأوروبي، وتعد تجربتها مشابهة لروسيا في أن كليهما امتص تأثيرًا غربيًا واسع النطاق، سواء في المؤسسات أو السياسة الخارجية أو الثقافة، كما أن كليهما قد ارتكز منذ قرون على الجغرافيا السياسية للقارة الأوروبية، ونظرا لأن نموذج السياسة الخارجية متعدد المحاور يوفر مساحة أكبر للمناورة والمكاسب الاقتصادية ونمو القوة الجيوسياسية، فإن كلا البلدين أراد أن يتحرر من نهج المحور الفردي في السياسة الخارجية.

ولكن في الوقت ذاته، لم تجد تركيا ولا روسيا فرصة لكسر اعتمادها على الغرب بالكامل، فقد كان الغرب ببساطة قويًا جدا، كما يتمحور الاقتصاد العالمي فقط حول القارة الأوروبية والولايات المتحدة.

تتمتع تركيا وروسيا بمناطق كبيرة في أعماق آسيا والشرق الأوسط، فضلا عن مدارس الفكر الجيوسياسي التي ترى أن التفكير الجيوسياسي المتمحور حول أوروبا فقط يخالف مصالح الدولة، خاصة وأن الغرب لم يعتبر أبدا تركيا أو روسيا أوروبية بالكامل.

موازنة لا انفصام

لطالما سعت الدولتان لإيجاد مرتكزات جيوسياسية بديلة عن أوروبا، لكنها تواجه صعوبة في تنفيذ ذلك، حيث لم يثبت أي قطب جيوسياسي آسيوي أو أفريقي أو غيره أن لديه قدرة كافية لتمكين تركيا أو روسيا من موازنة علاقاتهما مع الغرب.

لا عجب إذن أن تركيا بحثت بجد عن محاور جيوسياسية جديدة على مدار العقدين الماضيين، وبالنسبة إلى أنقرة، تعد العلاقات الوثيقة مع روسيا وسيلة لموازنة الاعتماد التاريخي على الجغرافيا السياسية الأوروبية.

ويمكن أن يشرح النهج التركي للسياسة الخارجية التفكير الجيوسياسي لموسكو منذ أواخر الألفينات، عندما طورت علاقاتها مع الدول الآسيوية بسرعة كبديل للاعتماد على الجغرافيا السياسية الأوروبية.

وهكذا نأتي إلى أول تصور خاطئ عن السياسة الخارجية التركية؛ وهو أن أنقرة تنأى بنفسها عن الغرب بهدف كسر تلك العلاقات في نهاية المطاف، فكسر العلاقات مع الناتو ليس خيارا لتركيا، بل إن هدفها هو موازنة علاقاتها العميقة مع الغرب، والتي لم تعد لأسباب مختلفة تنتج الفوائد التي تأملها، مع سياسة أكثر نشاطا في مناطق أخرى، وهذا بالأساس دافع تركيا في إعادة التركيز على الشرق الأوسط.

التطلع للشرق الأوسط

لا يعد المحور الشرق أوسطي (الذي أيده وزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو) تطورا استثنائيا في السياسة الخارجية لتركيا، فخلال الحرب الباردة، عندما كان تركيز تركيا على المحور الغربي قويا، قام رئيس الوزراء اليساري "بولينت أجاويد" بترويج فكرة السياسة الخارجية "المتمحورة حول المنطقة".

وكانت الخطوط العريضة لهذا النهج هي أن أنقرة يجب أن تواصل تنويع الشؤون الخارجية خارج المرتكز الغربي التقليدي، مما يعني تورطًا أعمق في الشرق الأوسط والبلقان، وفي 1974-1975، حاول نائب رئيس الوزراء التركي "نجم الدين أربكان" توجيه محور أنقرة إلى العالم العربي، كما كانت هناك محاولات لبناء علاقات أوثق مع السوفييت.

ولكن طوال فترة إعادة التوجيه هذه، لم تتم أي خطوة على الإطلاق لقطع العلاقات مع الغرب، واعتقد السياسيون الأتراك آنذاك أن تنويع العلاقات الأجنبية سيفيد البلاد الواقعة على محيط أوروبا والمطلة في الوقت ذاته على الشرق الأوسط المضطرب، أي إن هذا التنويع لن يقوّض من المحور الغربي للبلاد بقدر ما يكمله.

وعلى عكس الاعتقاد بأن "أتاتورك" كان مهتما فقط بمحور تركيا الغربي، فقد كان لدى البلاد تحت قيادته علاقات وثيقة مع دول الشرق الأوسط القريبة، حيث كان ذلك ضروريا بالنظر إلى الوزن الجيوسياسي لتلك الدول في ذلك الوقت، وهكذا استضاف شاه إيران "رضا بهلوي" في عام 1934، وفي عام 1937 وقع اتفاقًا بعدم الاعتداء مع إيران والعراق وأفغانستان.

جهود الموازنة قديمة

لطالما كان السعي لتحقيق سياسة خارجية متعددة المحاور سمة مميزة للتفكير السياسي التركي، وحتى خلال الأزمنة العثمانية، عندما لم يكن هناك مفر من ارتكاز السياسة الخارجية على أوروبا، فقد سعى السلاطين لإيجاد بدائل لاعتمادهم على بريطانيا العظمى وفرنسا.

وبعد حرب 1877-1878 الكارثية مع روسيا، بدأ السلطان "عبدالحميد" في بذل جهود موازنة حذرة من خلال بناء علاقات أوثق مع ألمانيا الإمبريالية، وهو توجه ساهم في تشكل التحالف الألماني التركي خلال الحرب العالمية الثانية.

وبالعودة إلى الحاضر، نجد أن العامل الصيني يعيد ترتيب العلاقات التركية الغربية، حيث يجلب المحور الآسيوي وعدًا اقتصاديًا ويزيد من قدرة أنقرة على المناورة أمام قوى أكبر مثل روسيا والاتحاد الأوروبي، فيما يمكن تشبيهه بصعود حركة "الأوراسية" في روسيا قبلًا، حيث إن تطلعاتها تشابه تلك التي حركت روسيا على مدى العقد الماضي.

يمكن وصف سياسات تركيا تجاه الغرب والمشاكل المستمرة في العلاقات الثنائية بأنها معارضة داخل تحالف، وصحيح أن السنوات الأخيرة شهدت تكثف معارضة تركيا للغرب داخل التحالف بشكل ملحوظ، لكنها لم تعبر نقطة اللاعودة، وأنقرة تدرك جيدا أنها لا تزال حليفة قيمة للغرب.

المصدر | إميل أفدالياني - أوراسيا ريفيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد