الاثنين 29 نوفمبر 2021 03:19 م

يستعد رئيس الوزراء الإيطالي "ماريو دراجي" والرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" لتوقيع اتفاقية ثنائية جرى تسميتها بـ "معاهدة كويرينال"، على اسم القصر الروماني، تهدف إلى تعزيز التعاون الصناعي والاستراتيجي بين البلدين. لكن محور القوة الجديد بين باريس وروما قد يفعل أكثر من ذلك بكثير؛ لأنه قد يغير ديناميكية القيادة داخل الاتحاد الأوروبي بأكمله.

وقد يبدو هذا التحالف الناشئ بين "دراجي" و"ماكرون" وكأنه اقتران غريب، لأن بعض الفرنسيين ينظرون إلى الإيطاليين باحتقار. "ولقد شهدت شخصيا الكثير من هذا عندما كنت أعيش في إيكس إن بروفنس"، وهو مكان تتنافس فيه الثقافة الفرنسية والإيطالية كثيرا وتتعارض. لكن الحكم على الإيطاليين وفق سياساتهم أمر أصعب بكثير الآن؛ لأن "دراجي" صاحب الكفاءة والخبرة الفائقة هو المسؤول.

وبعد 10 أشهر فقط من توليه منصبه، برز "دراجي" كواحد من أكثر السياسيين احتراما وتأثيرا في أوروبا. وقبل قمة مجموعة العشرين الشهر الماضي في روما، عقد لقاء خاصا مع الرئيس الأمريكي "جو بايدن"، وهو لقاء يشهد على مكانته المرموقة في التحالف عبر الأطلسي.

ووفقا لصحيفة "نيويورك تايمز"، أوضح "بايدن" أن "إيطاليا والولايات المتحدة بحاجة إلى إظهار أن الديمقراطيات يمكن أن تعمل بنجاح وأن دراجي يفعل ذلك بالفعل".

لكن "دراجي" لا يُظهر للعالم فقط أن إيطاليا يمكن أن تعمل مثل الدول الحديثة الغنية الأخرى. فقد قام رئيس الوزراء المؤيد بشدة لأوروبا، والموالي لأمريكا، والمؤيد لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، بتحركات سياسية ذكية يمكن أن تغير وجه أوروبا والاتحاد الأوروبي.

وبعد أن أقام علاقة عميقة مع "ماكرون"، فبالعمل معا، يتمتع الزعيمان بفرصة ممتازة لممارسة المزيد من التأثير على سياسة الاتحاد الأوروبي، من الاقتصاد إلى الدفاع، خاصة الآن بعد أن تنحت "أنجيلا ميركل" عن منصب المستشارة الألمانية بعد 16 عاما في السلطة. ومعاهدة كويرينال هي نتيجة ملموسة لتعاونهما الجديد لسد الفجوة التي أحدثها رحيل "ميركل".

وإذا نجحا، فسوف يتحول مركز النفوذ في الاتحاد الأوروبي جنوبا، ونحو تكامل أوروبي أكبر. وهنا، يتعامل "دراجي" و"ماكرون" مع بعضهما البعض، بما في ذلك القضية الحاسمة للدفاع الأوروبي. وكلاهما واثق من قدرة الاتحاد الأوروبي على التصرف بشكل مستقل كقوة عسكرية مع الحفاظ على التزامه الكامل تجاه "الناتو".

ويبدو أن "بايدن" نفسه يقبل هذا الرأي. وبحسب التايمز، فإن "بايدن أخبر دراجي خلال اجتماعهما في أكتوبر/تشرين الأول أنه يرى أن وجود اتحاد أوروبي قوي، حتى مع وجود دفاع عسكري موحد، يصب في مصلحة الولايات المتحدة".

وبالنظر إلى تركيز أمريكا المتزايد على مسرح آسيا والمحيط الهادئ، فإن القدرة الدفاعية الأوروبية الموحدة هي بالضبط ما تحتاجه الولايات المتحدة.

ومع تزايد عدوانية الصين في عهد الرئيس "شي جين بينج"، يمكن لقوة دفاع أوروبية أن تملأ الفجوات الاستراتيجية التي أوجدتها جهود "الناتو" بإعادة توجيه نفسها نحو آسيا. ومن الخطأ القول إن أمريكا تدير ظهرها لأوروبا بتركيزها على آسيا. فدعم الاستقلال العسكري الأكبر لأوروبا يعني أنه سيتم تحرير "الناتو" للتركيز على الصين، التي تشكل تهديدا عسكريا لأوروبا كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة.

على أي حال، فإن الدعم الضمني لإدارة "بايدن" لقوة دفاع أوروبية موحدة سيمنح "دراجي" و"ماكرون" أسلحة إضافية للترويج للفكرة. ونظرا لاحتمال وجود معارضة قوية من ألمانيا وبعض دول أوروبا الوسطى، فإن هذا بالكاد أمر واقع.

وما يزيد من إمكانات تحالف "دراجي" و"ماكرون" هو حقيقة أن الحكومة الألمانية القادمة قد تكون أكثر تعاطفا مع نظرتهما للعالم أكثر مما كانت عليه "ميركل" في أي وقت مضى. وبدلا من الاعتراض على معظم المبادرات المصممة لتعميق التكامل في الاتحاد الأوروبي، فمن المحتمل أن يحصلا على الدعم من ألمانيا.

وبالرغم من أن "أولاف شولز" الاشتراكي الديمقراطي، وهو المستشار القادم على الأرجح، سيحتاج إلى الاقتناع بفوائد التغيير، ولا سيما التكامل الأعمق، إلا أنه لن يرفض على الفور الأفكار الجديدة تماما، كما كان الحال في الغالب في الـ 16 عاما الماضية تحت حكم "ميركل". علاوة على ذلك، سيعمل "شولز" مع شركاء التحالف الذين هم أكثر انفتاحا على الاندماج، بالرغم من أن الديمقراطيين الأحرار لا يزالون متشككين في تكامل مالي أكبر.

ويمكن أن تتحول حكومة ائتلافية ألمانية مكونة من 3 أحزاب تتألف من الديمقراطيين الاجتماعيين والخضر والديمقراطيين الأحرار إلى نعمة للمشروع الأوروبي، وليس فقط فيما يتعلق بالسياسة الدفاعية. وفيما يتعلق بقضايا تتراوح من الاتحاد المالي والنقدي إلى سندات اليورو، والصين وروسيا، لن يواجه "دراجي" و"ماكرون" الرفض القاطع بعد الآن.

وقد يكون التسارع الكبير في التكامل الأوروبي وشيكا. ولا يمكن لمثل هذا التطور أن يأتي قريبا بما فيه الكفاية، نظرا لعودة "دونالد ترامب" المحتملة إلى البيت الأبيض في عام 2025. ويجب أن يخيف مجرد التفكير في هذا الاحتمال معظم الأوروبيين، ما يؤدي إلى اندماج أسرع من أي وقت مضى، مهما كانت العقبات. ومن يستطيع أن يلومهم؟

المصدر | ميلفين براوس/بروجكت سنديكيت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد