السودان ـ إثيوبيا: معارك الجنرالات البائسة!

يبدو توقيت المعارك الأخيرة غريبا للبلدين اللذين يعانيان أزمات وجودية.

تابع العسكر إصدار قرارات منها تعيين رئيس جديد للقضاء وترفيع أحد المحسوبين على الجنرال حميدتي مديرا عاما لجهاز الأمن والمخابرات.

المعركة ليست في صالح السودان وأهله وآمالهم بالاستقرار والأمن والتنمية ولن تكون في صالح إثيوبيا الغارقة هي أيضا في حرب داخلية ضروس.

تداعيات الانقلاب ما تزال تهزّ السودان وبدلا من أن تعيد إعادة حمدوك لمنصبه الأمور لمجاريها بين العسكر والمدنيين أحدثت صدعا كبيرا بين الأحزاب والقوى المدنية.

باتت جبهة تيغراي تهدد الدولة المركزية وتقترب من السيطرة على العاصمة ما دفع رئيس الوزراء آبي أحمد للتوجه لجبهات القتال ودول عديدة دعت مواطنيها للخروج من البلاد بسرعة.

*     *     *

نقلت وسائل إعلام عديدة عن مصادر عسكرية أن معارك دارت فجر يوم السبت الماضي على الشريط الحدودي بين السودان وإثيوبيا، وأسفرت عن مقتل 21 من القوات السودانية وجرح ما لا يقل عن 30 آخرين.

في الوقت الذي سكتت فيه السلطات الإثيوبية، فإن الجيش السوداني قال إنه تصدى لهجوم من قبل قوات إثيوبية وجماعات مسلحة «استهدفت ترويع المزارعين وإفشال موسم الحصاد» وكما تفعل البيانات العسكرية عادة فقد كبّد الجيش السوداني القوات المهاجمة «خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات» لكنه اعترف بأن قواته «احتسبت عددا من الشهداء».

يبدو توقيت المعارك الأخيرة غريبا للبلدين اللذين يعانيان أزمات وجودية.

على الطرف السوداني فإن تداعيات الانقلاب العسكري ما تزال تهزّ البلد، فبدلا من أن تؤدي إعادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، إلى منصبه، إلى عودة الأمور إلى مجاريها بين العسكر والمدنيين، فإنها تسببت بصدع كبير ضمن الأحزاب والقوى المدنية، التي ما زالت قواها الأساسية، وعلى رأسها «الحرية والتغيير» و«تجمع المدنيين» و«لجان المقاومة» ترفض ما حصل وتسيّر المظاهرات والاحتجاجات وترفض ما حصل.

ما زالت ممارسات الجنرالات أيضا واضحة، ومنها، على سبيل المثال، امتناعها عن إطلاق كافة المعتقلين منذ الانقلاب، والذين يقدر عددهم بالمئات، وتحدثت وسائل الإعلام، أمس الأحد، عن اختطاف إبراهيم الشيخ، وهو وزير الصناعة في الحكومة المعزولة، من قبل «قوات نظامية تتبع للجهات ذاتها» حسب تعبير حزب «المؤتمر».

ورغم إصدار حمدوك قرارات بوقف قرارات الجنرالات السابقة، ومنها قرارات النقل التي حصلت في مجمل إدارات الدولة، فقد تابع العسكر إصدار قرارات أخرى لا تقل أثرا، ومنها تعيين رئيس جديد للقضاء، وترفيع أحد المحسوبين على الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي) مديرا عاما لجهاز الأمن والمخابرات.

وإحدى النتائج التي نجمت عن سحب العسكر لقواتهم من إقليم دارفور لدعم الانقلاب حصول معارك عنيفة بين الجماعات المتنازعة مما أدى إلى وقوع عشرات القتلى والإصابات.

أما في إثيوبيا فقد تمكنت قوات «جبهة تحرير شعب تيغراي» من إعادة السيطرة على إقليمها، وازداد اندفاعها قوة مع تحالف قوى معارضة أخرى معها، بحيث صارت تهدد الدولة المركزية، معلنة اقترابها من السيطرة على العاصمة إديس أبابا، وهو ما دفع رئيس الوزراء آبي أحمد للإعلان عن توجهه إلى جبهات القتال بنفسه، وطلبت دول عديدة من مواطنيها الخروج من البلاد بسرعة.

أحد التحليلات لما حصل في المعركة الأخيرة هو أنها محاولة للزج بالجيش السوداني في معارك حدودية، ونتائج ذلك ستكون معلومة من تبرير قوانين الطوارئ والعودة لسيناريو الخدمة الإلزامية، وبالتالي تحقيق المزيد من عسكرة البلاد، وقدّر البعض أنه إذا حصلت حرب فعلا فستكون حربا مصرية بالوكالة، بشكل يحقق أهدافا إقليمية لكنّ كلفتها ستكون على حساب السودان وآمال قواه المدنية بتغيير ديمقراطي.

أيّا كانت الأسباب التي دفعت إلى تلك المعركة فإن المؤكد أنها ليست في صالح السودان، وأهله، وآمالهم بالاستقرار والأمن والتنمية، كما أنها لن تكون في صالح إثيوبيا، الغارقة هي أيضا في حرب داخلية ضروس.

المصدر | القدس العربي