الجمعة 3 ديسمبر 2021 10:49 م

يقع مضيق تايوان ومضيق هرمز على طرفي منطقة المحيط الهندي التي سرعان ما أصبحت مركزا للتنافس العالمي بين الولايات المتحدة والصين. وفي الأسابيع الأخيرة جرى الكشف عن خبرين يظهران كيف يتطور هذا التنافس.

ففي أوائل أكتوبر/تشرين الأول الماضي، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية أن وحدة من العمليات الخاصة الأمريكية ووحدة أخرى من مشاة البحرية جرى نشرهما في تايوان وقاموا بتدريب جيشها سرا لمدة عام على الأقل.

وفي منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كشفت "وول ستريت جورنال" عن توقف بناء منشأة عسكرية صينية في ميناء خليفة في الإمارات بعد عدة جولات من الاجتماعات والزيارات من قبل كبار المسؤولين الأمريكيين.

ويوفر هذان التطوران صورة مذهلة عن النطاق الآخذ في الاتساع للمنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين.

وتمتد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين إلى الشرق الأوسط مع اشتداد التوترات بينهما، حيث أصبحت علاقات الصين المزدهرة مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مصدرا للقلق المتزايد من قبل واشنطن.

ومما يثير القلق بشكل خاص تركيز بكين على موانئ الخليج التي يمكن أن تكون بمثابة نقاط وصول لما يعتبره المسؤولون الأمريكيون "هدف الصين طويل الأجل المتمثل في توسيع وجودها العسكري لتأمين الطرق الحيوية للطاقة والتجارة".

من الاستثمار الخارجي إلى القوة الاستراتيجية

في عام 2013، وهو نفس العام الذي أطلق فيه الرئيس "شي جين بينج" طريق الحرير البحري، تفوقت الصين على الولايات المتحدة كأكبر دولة تجارية في العالم. وتعتمد رفاهية الصين الاقتصادية وحيويتها على الوصول الموثوق إلى إمدادات الطاقة والمواد الخام والأسواق الخارجية، والتي تعتمد على الطرق البحرية بشكل أساسي.

وتتدفق جميع التجارة البحرية للصين تقريبا مع الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا عبر المحيط الهندي. علاوة على ذلك، برز المحيط الهندي كمكون حاسم في "مبادرة الحزام والطريق" التي أطلقها "شي جين بينج". لذلك، فإن وصول الصين إلى خطوط الاتصال البحرية للمحيط الهندي والمضائق في كلا الطرفين، يعد أمرا حيويا للغاية.

وينظر صناع السياسة والمحللون الصينيون إلى مرافق الموانئ على أنها حجر الزاوية لأمن الممرات البحرية. وقد نتج عن ذلك حملة استثمار استراتيجية ضخمة تهدف إلى بناء شبكة عالمية من أصول الشحن والموانئ.

وحتى الآن، استثمرت الصين في أكثر من 100 ميناء في 63 دولة. ويقع 20 من هذه المنشآت في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي الواقع، ظهرت مشاريع الموانئ كعناصر رئيسية للتعاون بين الصين والشرق الأوسط والمكانة التي تحتلها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية.

وتعتمد تحركات الصين على عدد محدود من الشركات المملوكة للدولة وأبرزها "كوسكو للشحن" و"تشاينا مرشانت للموانئ" وهي شركات وطنية كبرى فضلا عن كونها جهات فاعلة رئيسية في مبادرة الحزام والطريق.

ومن المهم أن نذكر هنا أن "كوسكو" و"تشاينا مرشانت" لديهما علاقات عميقة مع الحزب الشيوعي الصيني الذي قام تحت إشراف "شي جين بينج" بتوسيع نطاق إشرافه ومشاركته في الشركات المملوكة للدولة والشركات الخاصة. وبالإضافة إلى الدعم الحكومي الكبير الذي تتلقاه "كوسكو" و"تشاينا مرشانت" لأنشطتهما الخارجية، ترتبط هذه الكيانات التجارية العملاقة بالحزب الحاكم في الدولة بطرق أخرى مختلفة.

وتدار الشركتان مباشرة من قبل لجنة الإشراف على الأصول المملوكة للدولة المعروفة بـ"ساساك". وبالإضافة إلى الشركات الكبرى المملوكة للدولة، لدى الحزب الشيوعي لجان مدمجة في مجالس إدارات العديد من الشركات. وبموجب القانون تعد الشركات الصينية ملزمة بالمساعدة في جمع المعلومات الاستخبارية وحشد الجهود وراء الاستراتيجية الوطنية.

وتزامنت حملة الاستحواذ على الموانئ التجارية مع تحديث وتوسيع سلاح البحرية في الجيش الصيني. وكان الاستخدام المحتمل لأصول الموانئ الخارجية (ليس فقط لتسهيل التجارة ولكن لتوفير وصول الاستخبارات الصينية إلى المناطق الرئيسية والتنقل في جميع أنحاء العالم) موضوع نقاش مكثف داخل كل من المجتمعات الاستراتيجية الصينية والأمريكية منذ أوائل العقد الأول من القرن الـ 21.

ودعا المحللون العسكريون الصينيون علنا إلى إنشاء شبكة من القواعد البحرية كوسيلة ضرورية لحماية المصالح التجارية للصين. ومع تزايد اعتبار الولايات المتحدة منافسا مصمما على إحباط صعود الصين، من المحتمل أن تكون شبكة القواعد المحتملة عبر منطقة المحيط الهندي رادعا ضد التهديدات التي تتعرض لها الأصول الصينية.

وفي الأعوام الأخيرة، تحدث الخبراء والمسؤولون الصينيون عن "نقاط القوة الاستراتيجية" كوسيلة لتطوير قدرات الدعم العسكري في الخارج. ورغم الافتقار إلى تعريف رسمي دقيق، فإن الصين تسعى لتصوير هذا النموذج باعتباره مختلفا وأكثر اعتدالا من وجود جيش تقليدي يدير قواعد في دول أخرى.

وأظهرت مشاريع "نقاط القوة الاستراتيجية" 3 سمات مميزة:

(1) موقعها فوق خطوط الاتصال البحرية الرئيسية وبالقرب من المضائق البحرية.

(2) الطبيعة الشاملة للاستثمارات والعمليات الصينية، بما في ذلك التنسيق بين الشركات المملوكة للدولة والشركات الخاصة.

(3) وظائفها المدنية والعسكرية المدمجة.

ومنذ أعوام، يشعر مجتمع الأمن القومي الأمريكي بالقلق من أن الاستثمارات الصينية في الموانئ الخارجية يمكن أن تكون مقدمة لإنشاء "سلسلة" من القواعد البحرية الصينية في الخارج. وقد تزايد هذا القلق مع إعادة تأكيد سيطرة الحزب الشيوعي على الشركات المملوكة للدولة ووضوح الروابط الأمنية بين الشركات الصينية المملوكة للدولة وإنشاء قاعدة في جيبوتي عام 2017 والتطوير اللاحق لها.

وفي حديثه أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب في 20 أبريل/نيسان، حذر قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم"، الجنرال "ستيفن تاونسند"، من أن الصينيين "يواصلون توسيع قاعدتهم في جيبوتي إلى منصة لاستعراض القوة عبر قارة أفريقيا ومياهها" وأنهم "يبحثون عن فرص لإنشاء قاعدة أخرى حول أفريقيا".

وكان آخر تقييم للتهديد من قبل مجتمع الاستخبارات الأمريكية، تقارير إلى الكونجرس من قبل البنتاجون ورئيس العمليات البحرية تنص كلها على أن الجيش الصينى سوف يستمر في متابعة المنشآت العسكرية الخارجية والوصول إلى اتفاقيات لإبراز القوة وحماية المصالح الصينية.

الإمارات.. موطئ قدم للوصول العسكري الصيني

ووفق رواية "وول ستريت جورنال" الأخيرة، يبدو أن كبار المسؤولين الأمريكيين تدخلوا لوقف بناء منشأة عسكرية صينية سرية في الإمارات، الشريك الرئيسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وتبدو هذه الرواية ذات مصداقية وغير مفاجئة. وبالنسبة للصين، تعد الإمارات الشريك الاقتصادي والسياسي الأكثر أهمية واستقرارا في المنطقة.

وبالنسبة للصين، تعد الإمارات مصدرا رئيسيا للنفط، وبوابة للصادرات الصينية، و"نقطة محورية" في مبادرة الحزام والطريق، ووجهة مهمة للاستثمار المتنوع والبناء، بالإضافة إلى كونها مقرا لنحو 6 آلاف شركة صينية وموطنا لـ 200 ألف مواطن صيني.

وهناك تكامل اقتصادي كبير وتعاون نشط بين الصين والإمارات في مجالات تشمل تطوير المنطقة الحرة والابتكار التكنولوجي والخدمات اللوجستية والبنية التحتية، وحتى إنتاج اللقاحات في الآونة الأخيرة. ويبدو أن هذه العلاقات الواسعة والمتنامية تجعل الإمارات مرشحا رئيسيا لتكون بمثابة "نقطة قوة استراتيجية" للصين.

ومن المؤكد أن العديد من الأسئلة لا تزال بحاجة إلى إجابة، بما في ذلك الأغراض المحددة التي ربما كانت وراء المنشأة العسكرية المشتبه بها. ومع ذلك، لا يلزم أن تتخذ مثل هذه المنشأة شكل قاعدة بحرية كاملة لتكون مفيدة. ومن غير المعقول أن تكون بكين شرعت في مشروع من هذا النوع دون الكشف عن خططها. ونظرا لعلاقتها الأمنية مع الولايات المتحدة، من غير المرجح أن أبوظبي كانت ستمنح الصين موافقتها على هذا الشكل.

لكن السيناريو الأكثر واقعية هو بناء منشأة "ذات صلة بالجيش" في شكل منشأة لجمع المعلومات الاستخباراتية، تركز على الأرجح على استخبارات الإشارات، وربما يمثل ذلك خطوة أولية في التوسع التدريجي للوجود العسكري الصيني الذي يتم ترسيخه في نهاية المطاف من خلال اتفاقية وصول بحرية.

ونفت السلطات الإماراتية بشدة أنها كانت على علم بذلك، ناهيك عن موافقتها على بناء منشأة عسكرية. لكن من غير المحتمل أن يكون الإماراتيون غير مدركين لبناء منشأة صينية سرية حتى ينبههم الأمريكيون بوجودها.

كما أنه من غير المرجح أن تخاطر الصين بإلحاق الضرر بالعلاقة مع أحد أكثر شركائها الاستراتيجيين أهمية في المنطقة من خلال بناء مثل هذه المنشأة دون إبلاغ الإماراتيين. وبالتالي، قد يكون الاحتمال الأكثر ترجيحا هو أن المسؤولين الإماراتيين ربما اختاروا التزام الصمت بشأن هذه القضية، وهو ما قد يشير إلى الوضع الحالي للعلاقات الأمريكية الإماراتية.

وتميز العقدان الماضيان بتآكل مصداقية الولايات المتحدة وفقدان الثقة دول الخليج في الالتزامات الأمنية الأمريكية. وتم تعزيز هذه التصورات من خلال النقاش المستمر داخل الأروقة السياسية والأكاديمية في الولايات المتحدة حول مستوى الأولوية والموارد التي يجب أن تذهب إلى المنطقة.

ودفعت هذه الظروف المسببة للقلق شركاء أمريكا الأمنيين في الخليج العربي إلى إعادة تقييم اعتمادهم الحصري على الولايات المتحدة، واعتماد سياسات خارجية أكثر نشاطا، واستكشاف تنويع علاقاتهم الأمنية مع الدول الأخرى كوسيلة للتحوط من عدم الموثوقية تجاه الولايات المتحدة.

ولمعرفة كيف تتقاطع الديناميكيات التنافسية بين الولايات المتحدة والصين مع العلاقات بين الولايات المتحدة والخليج العربي، لا يحتاج المرء إلى النظر إلى أبعد من قضيتين تواجهان حاليا الولايات المتحدة والإمارات. (1) البيع المقترح لطائرات "إف-35" وطائرات "إم كيو 9 ب ريبر" بدون طيار، والذي لم يتم الانتهاء منه بعد. (2) الضغط الأمريكي على الإمارات لإزالة معدات "5 جي" التي حصلت عليها من شركة "هواوي" الصينية والتي تعتبرها الولايات المتحدة "بائعا غير موثوق به" ويشكل تهديدا أمنيا محتملا.

ومثل مسألة الموقع العسكري الصيني المشتبه به في ميناء خليفة، والذي يُقال إنه لا يزال "قضية حية"، فهذه مشاكل شائكة لا يمكن إنهاؤها بسهولة.

وقال نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي "ميرا ريسنيك": "هناك أشكال معينة من التعاون مع الصين لا يمكن للولايات المتحدة التعايش معها". وبالمثل، أشارت نائبة مساعد وزير الخارجية "دانا سترول" خلال جلسة الاستماع نفسها في مجلس الشيوخ إلى أن "التقييم الحالي هو أن الصين لديها استراتيجية عالمية لمتابعة المنشآت العسكرية في كل مكان، بما في ذلك الشرق الأوسط. ونحذر ونناقش مع شركائنا في الشرق الأوسط أن انخراط الصين في نهاية المطاف في مجالات معينة ينتهك سيادتها".

في غضون ذلك، واصلت واشنطن الضغط بشدة للحصول على ضمانات بالامتثال الصارم لشروط وأحكام المستخدم النهائي لبيع الأسلحة المتطورة مع دفع أبوظبي لاستبدال معدات شبكة "هواوي" في غضون 4 أعوام، قبل التسليم المقرر لطائرات "إف-35".

انعدام الثقة الاستراتيجي والتنافس بين القوى العظمى

وبرزت منطقة المحيط الهندي كساحة مركزية للتنافس بين الولايات المتحدة والصين. وفي الآونة الأخيرة، انتقلت المنافسة الصينية الأمريكية إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا واشتدت داخلها، ولا سيما في منطقة الخليج.

ويعتبر الاستثمار الصيني وتشغيل الموانئ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من العناصر الأساسية لاستراتيجية طريق الحرير البحري الصيني. ولكن من المهم الإشارة إلى أنه ليست كل استثمارات وأنشطة الموانئ الخارجية جزءا من خطة رئيسية يحركها الحزب الشيوعي. كما لا تضر جميع الأنشطة الصينية في الخارج بالمصالح الغربية.

ومع ذلك، سيكون من غير الحكمة تجاهل الإشارات أو استبعاد التداعيات الأمنية للأصول التجارية الصينية التي تعمل كمنصات للتجسس الدفاعي و/أو الأنشطة العسكرية الأخرى، لا سيما بالنظر إلى التحديث والتطوير السريع للقوات البحرية الصينية، وسياسة الدمج العسكري والمدني التي يتبناها الحزب الشيوعي الصيني، فضلا عن التطور في التفكير وتطبيق نموذج "نقاط القوة الاستراتيجية" للصين.

وبينما تبحث الولايات المتحدة عن طرق للتخفيف من هذه المخاطر دون وضع حلفائها التقليديين في موقف صعب، تكافح الإمارات لتحقيق التوازن بين شراكتها الأمنية الحيوية مع الولايات المتحدة وعلاقاتها الاقتصادية القيمة والمزدهرة مع الصين.

ونظريا، يمكن أن يكون هناك خيار مفيد للدول الثلاث مجتمعة. لكن واشنطن وأبوظبي ستجدان صعوبة في الاتفاق على خيار تكون الإمارات بموجبه "لؤلؤة مشرقة على طول الحزام والطريق" ومركزا استراتيجيا على طول "سلسلة اللآلئ الصينية".

المصدر | جون كلباريز | معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد