أصبحت الإمارات أكثر اعتمادا على محرك الصين الاقتصادي، حيث وصلت عائدات التجارة مع الصين إلى 43% من إجمالي العائدات الأجنبية للإمارات، مما يجعلها أهم شريك تجاري لبكين في منطقة الشرق الأوسط وموطنا لآلاف الشركات الصينية.

ولكن مثل العديد من البلدان الأخرى التي اعتمدت على القوة الشرائية العملاقة للصين، اكتشفت أبوظبي أن بكين لا تضع في اعتبارها المعاملة بالمثل عندما تقوم بالأعمال التجارية، وإنما تقصد الهيمنة وإخضاع شركائها التجاريين.

وكما قال سابقًا الخبير المشهور في الشؤون الصينية "بيير ريكمانز" فإن "الحزب الشيوعي في جوهره هو مجتمع سري في أساليبه وعقليته، ويظهر شبها واضحا بالعصابات المتخفية، ويخشى ضوء النهار، ويتغذى على الخداع والتآمر، ويحكم بالترهيب والخوف".

وفي أستراليا وأوروبا وأفريقيا، تم اتهام الصين بتنفيذ مجموعة من العمليات السرية ضد شركائها التجاريين، بما في ذلك سرقة الملكية الفكرية، والاختطاف، والمراقبة غير القانونية، واختراق الأحزاب السياسية والجامعات والمنظمات المدنية.

انكشاف القاعدة العسكرية الصينية

ووفقا لتقرير نشر في صحيفة "وول ستريت جورنال"، عقدت إدارة "بايدن" في نوفمبر/تشرين الثاني محادثات عاجلة مع الإمارات بعد أن اكتشفت وكالات الاستخبارات الأمريكية أن الصين بدأت بناء منشأة عسكرية سرية في الإمارات داخل محطة حاويات تم بناؤها وتشغيلها من قبل شركة الشحن الصينية "كوسكو". وتضمنت الأدلة صور أقمار صناعية.

ووفقا للتقرير، لم يكن لدى الإمارات أي فكرة بأن هذا يحدث لديها. وقالت السفارة الإماراتية في واشنطن لصحيفة "وول ستريت جورنال": "لم يكن لدى الإمارات قط اتفاق أو محادثات أو نية باستضافة قاعدة عسكرية صينية أو مركز عسكري من أي نوع".

لكن مسؤولًا أمريكيًا بارزًا تحدث ببعض الغموض عن الأمر، حتى إنه ألمح إلى أن الإمارات خضعت لبكين فيما يتعلق بالمنشأة العسكرية الصينية. في حين قال مصدر حكومي أمريكي آخر إنه كان لابد من "إقناع" الإمارات بإغلاق هذا المشروع، مضيفا: "لا تزال القضية قائمة".

في نهاية المطاف، لا يزال المسؤولون الأمريكيون منقسمين حول ما إذا كانت الإمارات على علم بنوايا الصين، في وقت رفض فيه كل من مجلس الأمن القومي الأمريكي والسفارة الصينية في واشنطن التعليق على هذه المسألة.

مخاوف بشأن صفقة الطائرات

وبغض النظر عن ذلك، فإن هذا الكشف يجلب انزعاجًا وحرجًا هائل للدولة الإماراتية، بالنظر إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى الإمارات كشريك عسكري مهم في المنطقة، مع تمركز الآلاف من القوات في قاعدة جوية على مشارف أبوظبي.

ولا شك في أن ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" سيشعر بالقلق حول ما إذا كان هذا الكشف قد يهدد بيع طائرات "F-35" الأمريكية.

وصرحت نائبة مساعد وزير الخارجية "ميرا ريسنيك" لـ"سي إن إن" في 27 نوفمبر/تشرين الثاني: "F-35 هي جوهرة التاج لدينا، نحن بحاجة إلى أن نكون قادرين على حماية التكنولوجيا والأمن لدى جميع شركائنا، نجري المحادثات مع الإماراتيين حول أي نوع من الخيارات سيتخذونها للتأكد من أنهم يمكن أن يكونوا جزءا من برنامج F-35 ".

وتعليقا على تقرير "وول ستريت جورنال"، قال السيناتور الجمهوري "جيم إنهوف" وهو أبرز جمهوري في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، في تغريدة: "كان لي شرف اللقاء مع ولي عهد أبوظبي وتحدثنا خلال زيارتي في يونيو/حزيران عن قلقنا المشترك بشأن الأنشطة العسكرية الصينية في الشرق الأوسط.. أتطلع إلى أن تواصل إدارة بايدن المحادثات المثمرة مع أصدقائنا الإماراتيين حول صفقة F-35".

موازنة خطيرة بين عدوين

ويفسر العديد من المراقبين تغريدة "إنهوف" بأنها تحذير لـ"بن زايد" من الحكومة الأمريكية وأنها لن تتسامح مع توطد العلاقات العسكرية مع بكين.

وجاء هذا الكشف المتعلق بالمنشأة العسكرية الصينية بعد أشهر فقط من تقرير مدوّي من وكالة "أسوشيتيد برس" بأن الصين تقوم بتشغيل موقع سري في دبي لاحتجاز واستجواب وترحيل المعارضين والمسلمين الإيجور.

ووصفت مواطنة صينية تبلغ من العمر 26 عاما كيف تم اختطافها من فندق في دبي ثم احتجزها المسؤولون الصينيين في فيلا تحولت إلى سجن، حيث رأت وسمعت سجناء آخرين من الإيجور.

ولم تكن هذه الشهادة أول دليل على أن الصين تدير "موقعًا أسود" سريًا خارج حدودها. وتشير هذه الدلائل إلى أن الإمارات قدمت سيادتها لبكين في مقابل الفوائد الاقتصادية التي تجلبها التجارة مع قوة عالمية عملاقة مثل الصين.

في نهاية المطاف، ستجبَر الحكومة الإماراتية على اختيار جانب، وهو ما أوضحته الولايات المتحدة لأبوظبي في 30 نوفمبر/تشرين الثاني عندما قالت نائبة مساعد وزير الخارجية الأمريكية "ميرا ريسنيك": "يعنمد جميع حلفائنا في المنطقة علينا، ولا أحد من المنافسين الاستراتيجيين قادر أو مستعد لتقديم ما تقدمه الولايات المتحدة".

وفي الوقت الذي يبدو فيه أن المنافسة بين الولايات المتحدة والصين تتوجه في مسار تصادمي في بحر الصين الجنوبي، يبدو أن الإمارات والصين لن يتمكنا من تطوير العلاقات بمنأى عن أعين الولايات المتحدة.

المصدر | سي جي ويرليمان - إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد