الجمعة 3 ديسمبر 2021 05:01 م

هل وجد التعصب الأعمى القديم وجها جديدا في فرنسا؟.. تساؤل طرحه "ميتشل إبيدور" و"ميغول لاغو" في مقال مشترك بصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية تعقيبا على ترشح اليميني المتطرف "إريك زمور" لانتخابات الرئاسة الفرنسية المقررة في أبريل/نيسان المقبل.

وقال الكاتبان: "يبدو اليوم أن هناك فصلا جديدا من التعصب الفرنسي يُفتح وببطل غير متوقع"، في إشارة إلى "زمور"، وهو الشخصية التي تعد الأعلى صوتا والأكثر تطرفا للعنصرية الفرنسية اليوم.

وأضافا أنه رغم تراجع شعبية "زمور" في استطلاعات الرأي منذ بداية الخريف، إلا أن حملته المثيرة للانقسام وجدت صدى بين قطاعات معينة من الناخبين، ولا يزال من بين المرشحين المتقدمين، وأصبح موضوعا لعناوين الأخبار، وأطلق العنان للتعصب الشرير، الذي دخل التيار الرئيس في الإعلام بطريقة لم نر مثلها منذ سنوات.

وأشارا إلى أن "المفارقة هي أن زمور، المدان مرتين بالتحريض على الكراهية والتمييز، هو يهودي، وعضو نفس المجتمع الذي استُهدف بالعنصرية التي ورثها ويستحضرها، وقام بإعادة تحديث الكراهية الفرنسية الأقدم لكي تتناسب مع العصر الحديث".

واعتبر الكاتبان أن "جذور اليمين المتطرف الحالي تُفهم من خلال سياق تاريخها الماضي؛ فالعداء للسامية كان دائما عنصرا أساسيا في التفكير الرجعي الفرنسي".

وأضافا: "في القرن التاسع عشر، اتخذت معاداة السامية بعدا سياسيا واقتصاديا، وتشكلت في صورتها الواضحة في ذلك الوقت عبر قضية دريفوس"؛ في إشارة إلى الفضيحة التي طالت ضابط يهودي بالجيش الفرنسي يُدعى "الفريد دريفوس"، والذي اتُهم زورا وأُدين بنقل أسرار إلى ألمانيا.

وكانت المعركة بين أنصار "دريفوس" ومن اتهموه ملمحا مهما شكل السياسية الفرنسية. وأدت تلك الفترة لولادة صحف معادية للسامية مثل "لي ليبر بارول" (حرية التعبير)، التي كانت ترويستها تحمل شعار "فرنسا للفرنسيين"، وهو الشعار المحبذ لليمين المتطرف اليوم.

واستمرت هذه الحركة حية في القرن العشرين، وكان فصلها الأخير هي حكومة "فيشي" النازية، ومشاركة فرنسا في ملاحقة وتجميع اليهود وترحيلهم إلى ألمانيا للقتل. ولم تعد هذه حركة سياسية قابلة للحياة بعد الإبادة النازية، مع أن المجتمع لم يتخلص منها بالكامل.

لكنها عادت في شكل آخر، فمع الهجرات الجماعية من المستعمرات الفرنسية السابقة، حل العداء للعرب والسود والعنصرية ضدهم محل معاداة السامية. وكان الصوت لهذه العنصرية منذ السبعينيات من القرن الماضي هو حزب "الجبهة الوطنية" اليمني المتطرف، الذي أعاد تسمية نفسه باسم "التجمع الوطني"، كمحاولة للدخول في التيار الرئيس للسياسة.

ووصل هذا الحزب مرتين إلى الجولة الثانية للانتخابات عامي 2002 و2017، واليوم يقوم "زمور" بالالتفاف عليه من اليمين.

حرب دينية وعرقية

ويرى الكاتبان أنه من السهل التعرف على جذور أيديولوجية "زمور"؛ حيث تؤكد على أن فرنسا تخوض حربا دينية مع الإسلام، وحربا عرقية ضد السود والعرب، وأن أحياء كاملة "استعمرها" المسلمون، وأن الإسلام هو دين إرهاب، وأن على مسلمي فرنسا الاختيار بين الإسلام أو فرنسا (حيث يعتبرهما متعارضين)، وهذا كله هو إعادة تحديث للكراهية ضد اليهود قبل قرن وربع قرن.

ويزعم "زمور" أنه لا توجد جريمة لم يرتكبها المسلمون؛ حيث يدعي أن "احتلال" المهاجرين للمدن وضواحيها هو السبب في هجرة سكان المناطق الحضرية إلى الريف، وأن كل القاصرين المهاجرين بدون أهلهم هم تجار مخدرات. 

ومثل دعاة السامية في الماضي، يريد "زمور" تخفيض وجود المهاجرين واقتلاعهم من حياة البلد؛ فالبيوت التي توفرها الدولة والمجالس المحلية يجب أن تخصص للفرنسيين فقط، وهو يعني بذلك الفرنسيين البيض . وهو لا يقدم تفسيرا لاستبعاده الفرنسيين المسلمين المولودين في البلد، وهذا لا يهم؛ فالعنصرية هي كل ما يهمه.

ويعلق الكاتبان أن "زمور" ليس جاهلا للتراث التاريخي هذا، فهو كاتب ومؤرخ شعبي. ويستشهد بشكل متكرر بكلام الساسة الرجعيين في التاريخ الفرنسي، وأثناء فضيحة "دريفوس" تحديدا. ومن بين كلامه التصحيحي للتاريخ، الذي كرره منذ أن تحدث به أول مرة عام 2014، هو أن حكومة "فيليب بيتان" العميلة قامت بحماية يهود فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية، ولم ترحل سوى اليهود الأجانب.

 كما أعاد قراءة تاريخ فضيحة "دريفوس". وقال إن هيئة الأركان العامة الفرنسية، حيث عُين "دريفوس" وسرق منها الأسرار كما يُفترض، كانت محقة بعزله لأنه كان يحمل الجنسية الألمانية.

ووفقا للكاتبين، "هذا كلام غير صحيح، والأكثر إثارة للحنق هو زعمه أن طرفي المعركة حول دريفوس كانت لديهم أهداف نبيلة، رغم تبرئته". ويقول "زمور" إن من اتهموه كانوا خائفين على مصير "البلد".

ورأوا أن "زمور"، وهو يهودي جزائري، يقدم من خلال تبنيه هذه المواقف رؤية منحرفة عن الاندماج اليهودي. فقد ماتت معاداة للسامية التي كانت تستهدف اليهود. أما الهجمات الأخيرة ضد اليهود فهي من عمل أفراد أو مخربين أو إرهابيين. وعندما كان اليهود في خطر حقيقي؛ فهذا بسبب الحكومة التي تقف وراء التهديد. ولم يعد هذا هو الوضع اليوم؛ ففي نظر "زمور" أصبح اليهود، الغرباء الآن أصلاء، وهو كيهودي فرنسي أصلي يدافع عن فرنسا رغم الأذى الذي تسببت به لليهود.

 ويقول الكاتبان إن يهود فرنسا منقسمون بشأن "زمور".

وفي ضوء هذا الانقسام، فمن الأشياء التي تمثلها حملة "زمور" هي اندماج يهود فرنسا. ويقدم "زمور" نفسه على أنه صوت فرنسا و"مخلصها"، وتخدمه يهوديته ومواقفه المتطرفة جيدا.

وبدفاعه عن الاستعمار الفرنسي للجزائر وحتى مذبحتها "للعرب وبعض اليهود" كما فعل قبل فترة، فإنه يقوم كيهودي بتبرئة اليمين الفرنسي من أسوأ اللطخات، ويعطيه حياة جديدة، وهو يشن حربا جديدة ضد المسلمين.

ويختم الكاتبان بالقول أن "يكون يهودي هو حصان طروادة ضد العنصرية للمهاجرين وصوتا لتطبيعها في الخطاب العام، فهذا تطور جديد مخيف ونتائجه معروفة ولا تُبشر بخير".

المصدر | الخليج الجديد + القدس العربي