في نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم، تم عقد الحوار الاستراتيجي الأمريكي المصري في العاصمة الأمريكية واشنطن بحضور وزير الخارجية المصري "سامح شكري" ونظيره الأمريكي "أنتوني بلينكن". وكانت بداية هذا الحوار في عهد الرئيس "بيل كلينتون" عام 1998 واستمر بشكل سنوي باستثناء فترة فتور العلاقات في عهد الرئيس "باراك أوباما" من 2009 إلى 2016. ولكن توقيت اجتماع هذا العام كان له أهمية خاصة.

وجرى عقد الحوار بعد عدد من الأزمات الإقليمية بما في ذلك حرب غزة في مايو/أيار، والانقلاب العسكري في السودان، وعدم الاستقرار في ليبيا، وتصاعد الأزمة في إثيوبيا. لذلك، يرى المراقبون أن المحادثات الثنائية كانت فرصة لإعادة النظر في طبيعة العلاقة بين البلدين، من حيث تطورها ووضعها الحالي ونقاط القوة والمعضلات أو التهديدات المستقبلية.

الأهمية الجيوستراتيجية لمصر

لطالما كانت مصر حليفا جيوستراتيجيا مهما للولايات المتحدة لأسباب متنوعة بما في ذلك الموقع الاستراتيجي وقناة السويس والعوامل الاقتصادية والثقافية. وهكذا احتلت مصر مكانة خاصة في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية وتلقت كميات كبيرة من المساعدات العسكرية وحظيت بدعم سياسي ودبلوماسي أمريكي. وهناك مسألتان رئيسيتان لهما ارتباط مباشر بالأمن القومي الأمريكي، وهما الحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط والحفاظ على العلاقات القوية مع إسرائيل.

وتدفع الأنظمة المصرية المتعاقبة، بما في ذلك النظام الحالي، بفكرة الاستقرار باعتبارها ورقة مساومة رابحة في علاقاتها مع الولايات المتحدة. وعلى الصعيد الداخلي، يتم استخدام الحفاظ على الاستقرار كمبرر لفرض الإجراءات القمعية وخنق الحريات، وعلى الصعيد الدولي يتم استخدامه لإبراز أهمية مصر في حماية المصالح الاستراتيجية للدول الرئيسية (وعلى رأسها الولايات المتحدة) في منطقة الشرق الأوسط.

ومن خلال تصوير مصر على أنها "واحة للأمن والاستقرار في المنطقة" وفقا للرئيس "عبدالفتاح السيسي"، فإن النظام المصري الحالي قادر على اكتساب المزيد من الشرعية على المستوى الوطني وتوطيد سلطته دوليا.

وبالإضافة إلى التأكيد على أهمية مصر كدولة مستقرة في منطقة غير مستقرة بشكل متزايد، فإن النظام الحالي يسلط الضوء أيضا على دور مصر في المساعدة على استقرار بقية المنطقة العربية المضطربة، من خلال لعب دور الوسيط الرئيسي في حل النزاعات الإقليمية.

ومن الأمثلة على ذلك دور مصر في التوسط في وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل في مايو/أيار، ونهجها المحسوب في التعامل مع التوترات في ليبيا المجاورة. ولهذه الأسباب، نالت مصر ثناء من الوزير "بلينكن" خلال المحادثات الثنائية الأخيرة في واشنطن، حيث شدد على دور مصر الحاسم في تأمين الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط.

وتعد القضية الرئيسية الأخرى هي علاقة مصر بإسرائيل، التي ينظر إليها على أنها ذات أهمية حيوية للأمن القومي الأمريكي. وشكلت اتفاقية "كامب ديفيد" نقطة تحول في الموقف المصري الذي أصبح أكثر صداقة مع إسرائيل، وكان ذلك بعد 4 حروب بين مصر وإسرائيل. وبالنظر إلى أهمية إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة باعتبارها أقرب حليف لها في الشرق الأوسط، فقد بشر هذا التحول بفصل جديد في العلاقات المصرية الأمريكية.

وتمت مكافأة مصر على صنع السلام مع إسرائيل من خلال تلقي 1.3 مليارات دولار من المساعدات العسكرية سنويا، ما يجعلها ثاني أكبر متلق للمساعدات العسكرية الأمريكية، بعد إسرائيل. كما تمت مكافأة الأنظمة العسكرية المتعاقبة في مصر بتلقيها دعما ثابتا من الإدارات الأمريكية التي اختارت باستمرار تجاهل الحكم الديكتاتوري والسياسات القمعية.

وكان أحد الأمثلة الصارخة على ذلك الانقلاب العسكري في مصر في عام 2013، الذي أطاح بأول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر، "محمد مرسي"، والذي لم تصنفه الولايات المتحدة على أنه انقلاب. وكان ذلك مختلفا تماما عن رد فعل واشنطن على الانقلاب العسكري الأخير في السودان، الذي وصفته واشنطن سريعا بأنه انقلاب، ما تسبب في انتقادات لمثل هذا التناقض وازدواجية المعايير في السياسة الخارجية الأمريكية.

وفي الآونة الأخيرة، لعبت مصر دورا مهما في التوسط في وقف إطلاق النار في غزة بين حماس وإسرائيل، مما عزز أهميتها الاستراتيجية في نظر الولايات المتحدة، واستحقت الثناء من الرئيس "جو بايدن" وإدارته. وكرر الوزير "بلينكين" هذا الثناء خلال الحوار الاستراتيجي في نوفمبر/تشرين الثاني.

كما أن هناك بوادر جديدة على تقارب مصري متزايد مع إسرائيل. ويشمل ذلك إعلان إسرائيل أنها تدرس مد خطوط أنابيب غاز طبيعي في شمال سيناء لتسهيل تصدير الغاز إلى مصر، وزيادة التنسيق العسكري في سيناء، والزيارة الأولى لرئيس وزراء إسرائيلي إلى مصر منذ اندلاع الثورة المصرية عام 2011، وأول رحلة مباشرة لمصر للطيران إلى تل أبيب.

ويرسم ذلك صورة لعلاقة ثنائية متنامية أقوى من أي وقت مضى، كما وصفها "السيسي" في مقابلته مع برنامج "60 دقيقة" على شبكة "سي بي إس" في يناير/كانون الثاني 2019. ويشار إلى أن الحكومة المصرية حاولت منع بث هذا المقطع لكنها فشلت.

معضلات حقوق الإنسان العالقة.. قول بلا عمل

في الفترة التي سبقت الحوار الاستراتيجي الثنائي في واشنطن، حرصت الحكومة المصرية على اتخاذ عدد من الخطوات التجميلية لإرضاء الجانب الأمريكي، إدراكا منها أن قضية حقوق الإنسان ستطرح بالتأكيد كقضية رئيسية في المناقشة. وكانت إحدى هذه الخطوات رفع قانون الطوارئ. ومع ذلك، هناك شكوك حول جدية هذه الخطوة بالنظر إلى أن الحكومة المصرية لا يزال لديها العديد من القوانين القمعية الأخرى، بما في ذلك "قوانين شبيهة بالطوارئ" وافق عليها البرلمان لتعزيز القبضة الحديدية للنظام وسحق المعارضة.

وكانت الخطوة الأخرى هي إطلاق الاستراتيجية الوطنية المصرية الأولى لحقوق الإنسان في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، بينما كان الحوار الاستراتيجي يجري في واشنطن العاصمة. ولاقت هذه الخطوة إشادة كبيرة في وسائل الإعلام المصرية التي تسيطر عليها الدولة، بينما لاقى الإعلان إشادة حذرة من الوزير "بلينكين" خلال الحوار الاستراتيجي وأكد أنه لا يمكن تقييم مثل هذه الاستراتيجية بشكل كامل إلا إذا تم فحص النتائج الملموسة لها.

علاوة على ذلك، أفرجت مصر عن أكثر من 2000 سجين في 23 يوليو/تموز 2021 بمناسبة عيد الفطر المبارك. ويوافق التاريخ أيضا الذكرى 69 لثورة 23 يوليو/تموز 1952. واستشهدت الحكومة بارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا في السجون المصرية المزدحمة كسبب وراء العفو الرئاسي. ومع ذلك، من المهم أن نلاحظ أن قائمة العفو لم تشمل السجناء السياسيين البارزين الذين يعانون من ظروف تهدد حياتهم.

وفي غضون ذلك، تتفاخر الحكومة المصرية ببناء سجون جديدة على أحدث طراز ووفق المعايير الغربية، ما أثار موجة من الانتقادات والسخرية والنكات السياسية على وسائل التواصل الاجتماعي. ويعتقد النقاد أن هدف الحكومة هو تلميع صورتها الدولية. 

وبالرغم من تأكيد الولايات المتحدة على أهمية تحسين سجل حقوق الإنسان في مصر، لم تتخذ الإدارة الحالية سوى إجراءات محدودة وغير كافية في هذا الصدد عندما حجبت مبلغا رمزيا قدره 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية، من أصل 1.3 مليارات دولار مخصصة لمصر سنويا.

واعتبرت بعض منظمات حقوق الإنسان هذه الخطوة خيانة لالتزام الولايات المتحدة بحقوق الإنسان. وكتبت هذه المنظمات رسالة إلى الوزير "بلينكن" قبل الحوار الاستراتيجي لحثه على اتخاذ موقف أكثر صرامة وحسما بشأن حقوق الإنسان في بلد يضم عشرات الآلاف من السجناء السياسيين.

سيناريوهات المستقبل

كانت هناك بعض التحولات في الخطاب السياسي الأمريكي بشأن مصر حيث تتشدق الإدارة الحالية أكثر بضرورة حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان. ومع ذلك، لم تسفر هذه التصريحات عن نتائج ملموسة أو تغييرات ذات مغزى في السياسة العامة. ومن الواضح أن إدارة "بايدن" ليست على استعداد لاتخاذ موقف أقوى أو أكثر حزما من الاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان في مصر.

وينعكس هذا بوضوح في نهج "الكلام وليس الأفعال" الذي تتبناه إدارة "بايدن" عند التعامل مع الديكتاتوريات العربية بما في ذلك النظام المصري الحالي. ويمكن القول إن نظام "السيسي" حاول الاستفادة من هذا الحوار الاستراتيجي لتلميع صورته وتعزيز مكانته الدولية كحليف استراتيجي وحيوي للولايات المتحدة.

وهناك سيناريوهان محتملان قد يؤديان إلى تغيير الموقف الأمريكي من مصر:

السيناريو الأول: هو زيادة الاضطرابات وعدم الاستقرار نتيجة القمع الشديد الذي لا يترك مجالا حتى لهامش ضيق من المعارضة للعمل كمتنفس للغضب والإحباط العام. وفي هذه الحالة، ستفقد مصر دورها الاستراتيجي الرئيسي كدولة مستقرة في المنطقة. وهنا يمكن للولايات المتحدة التخلي عن دعمها للنظام المصري، كما فعلت سابقا مع نظام "مبارك" في عام 2011.

والسيناريو الثاني: هو أن تتخذ مصر أي خطوات غير محسوبة دوليا تجاه الخصوم الاقتصاديين والعسكريين للولايات المتحدة، وخاصة الصين وروسيا. وقد يؤدي ذلك إلى إجراءات عقابية من قبل الولايات المتحدة، مثل قطع جزء من المساعدة العسكرية لمصر، باستخدام ستار مخاوف حقوق الإنسان. وهذا ما حدث في عهد إدارة "ترامب" عندما اكتشفت السلطات الأمريكية عام 2017 أن مصر اشترت أسلحة كورية شمالية رغم الحظر الدولي على شحنات الأسلحة الكورية.

وبخلاف هذين السيناريوهين، يمكننا أن نتوقع سير العمل كالمعتاد فيما يخص العلاقات المصرية الأمريكية والعلاقات بين الولايات المتحدة والعالم العربي بشكل عام. 

وأصبح من الواضح بشكل متزايد أن إدارة "بايدن"، مثل سابقاتها، تتبنى نفس النهج البراجماتي القديم لإعطاء الأولوية للتعاون والاستقرار والأمن على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان عند التعامل مع الأنظمة الاستبدادية العربية.

ومع ذلك، تظل الأسئلة مطروحة حول ما إذا كان القمع المفرط وخنق الحريات يمكن أن يصون حقا الاستقرار والأمن على المدى الطويل، أو ما إذا كانت هذه السياسات تخلق بيئة خصبة لانتشار الفوضى والصراع والتمرد كما شهدته المنطقة العربية المضطربة مرارا وتكرارا.

المصدر | سحر خميس - المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد