لا تتعلق مفاوضات فيينا ببرنامج إيران النووي فحسب، بل إنها ترتبط أيضًا بالنظام العالمي الجديد الذي يتشكل مع تراجع قوة الولايات المتحدة. لذلك يمكن اعتبار هذه المحادثات بمثابة المفاوضات الافتتاحية للحرب الباردة القادمة.

وهذه المرة، ليست الحرب الباردة القديمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، لكنها الحرب الجديدة بين الولايات المتحدة والقوة الصينية العظمى الناشئة.

صحيح أن محادثات فيينا تهم إيران فقط بشكل مباشر، لكن هناك الكثير على المحك. ويؤثر الهيكل الأمني ​​العالمي الجديد على جميع الدول المشاركة في هذه المحادثات (فرنسا وروسيا وبريطانيا والصين وألمانيا) والتي تفاوضت جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة على صفقة 2015.

ولعبت الولايات المتحدة دورًا مركزيًا في تأمين تلك الصفقة، التي وافقت إيران بموجبها على تقليص طموحاتها النووية مقابل إنهاء العقوبات، لكنها اليوم واشنطن غير موجودة في غرفة التفاوض. وقد رفضت إيران السماح بذلك بعد أن تراجعت الولايات المتحدة من جانب واحد عن الصفقة في عام 2018.

ونتيجة وجود الوفد الأمريكي في فندق منفصل، يضطر السفراء الأوروبيون للتجول في شوارع فيينا المرهقة والخالية لإيصال رسائل إلى الدبلوماسيين الأمريكيين الذين تقطعت بهم السبل.

ولم تظهر المحادثات إجماعا بين المفاوضين، وهو ما تجلى في اليوم الأول عندما أدلى الصينيون بتعليقات لاذعة حول "النفاق النووي" لدى الغرب.

ويشير ذلك إلى أن الصينيين متعاطفون مع الحجة الأساسية لكبير المفاوضين الإيرانيين "علي باقري" بأن بلاده واجهت ظلما واضحا من قبل الولايات المتحدة، وهو ظلم كان الأوروبيون متواطئين فيه.

وفي مقابلة مع "ميدل إيست آي"، أشار "باقري" إلى أن صفقة عام 2015 (التي وافقت فيها إيران على تقييد تخصيب اليورانيوم مقابل رفع العقوبات) كانت عديمة الجدوى ففي حين التزمت إيران ببنود الصفقة، لم يتم رفع العقوبات.

لقد تحدث الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما"، مهندس الصفقة، عن التزام بلاده بالصفقة. لكن وراء الكواليس، هددت وزارة الخزانة الأمريكية أي كيان يحاول التعامل مع إيران. على هذا النحو، لم يكن هناك فرق كبير بين دخول إيران أو خروجها من الاتفاق النووي. وكثف "ترامب" العقوبات في وقت لاحق، ولم يستطع الأوروبيون فعل أي شيء حيال ذلك.

ولم تحصل حكومة "روحاني" التي وقعت على الاتفاق على أي شيء جاد في مقابل شجاعتها السياسية في محاولة صنع السلام مع الولايات المتحدة وحلفائها. وقد جعلها ذلك غير قادرة على الدفاع عن نفسها ضد المنتقدين المحليين داخل إيران، بما في ذلك "باقري" الذي رأى الحكومة وقعت صفقة غير متوازنة.

عندما علم تيار "روحاني" أنه في طريقه لخسارة انتخابات هذا العام، بدأ اليأس. وخلال 6 جلسات من المفاوضات، كانت حكومة "روحاني" في طريقها للموافقة على صفقة من شأنها أن تترك إيران معزولة ماليًا كما كانت من قبل.

وقارن أحد أعضاء الوفد الإيراني الصفقة التي تسعى إليها الحكومة الإيرانية المنتهية ولايتها بخروج رئيس الوزراء البريطاني "بوريس جونسون" من الاتحاد الأوروبي، قائلا: "أبرم جونسون صفقة كان يعلم أنه لا يمكن الحفاظ عليها أبدًا".

لهذا السبب استدعى "باقري" فريق تفاوض قوامه 40 فردًا، من بينهم محافظ سابق للبنك المركزي الإيراني ونائبا وزير الخارجية، وذلك للتحقق من أن الولايات المتحدة ستسمح لإيران بالتداول في الأسواق الدولية مرة أخرى.

ومن غير المرجح أن يقدم الدبلوماسيون الأمريكيون هذا الوعد. وحتى لو فعلوا ذلك، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن للرئيس "جو بايدن" أن يحقق ذلك. لذلك من المرجح أن تفشل هذه المحادثات.

ويعيدنا ذلك إلى الخلاف بين الصين (وروسيا) من جانب، والأوروبيين من ناحية أخرى.

لقد بعث إذلال الولايات المتحدة في كابل في أغسطس/آب برسالة للمنطقة - التي أصبحت تُعرف بشكل متزايد باسم غرب آسيا، مفادها أن الولايات المتحدة في طريقها للخروج.

ويتوقع أن تقاوم الصين القوية أكثر من أي وقت مضى محاولات الولايات المتحدة استخدام الدولار الأمريكي لفرض عقوبات على الدول التي لا تعارضها مثل إيران.

وقبل أيام، حذر وزير الخارجية الأمريكية "أنتوني بلينكن" من أن "الوقت ينفد بسرعة أمام العودة إلى الاتفاق النووي". ولكن ليست هذه هي الطريقة التي ترى بها إيران الواقع.

ويعتقد الفريق الإيراني المفاوض أن الوقت ينفد بالنسبة للولايات المتحدة، وأن موقفها أضعف بكثير  وأن الوقت قد حان لـ"بلينكن" و"بايدن" ليستيقظا على الحقائق غير السارة للحرب الباردة القادمة.

المصدر | بيتر أوبورن - ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد