لا يزال لبنان يترقب نتائج التدخل الفرنسي الأخير لمعالجة الأزمة بين بيروت والرياض، إلا أن خبراء حذروا من نتائج عكسية قد تدخل البلد في صراعات جديدة وتبقيه عالقا في دوامة الأزمات السياسية والانهيار الاقتصادي.

صحيح أن الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون"، نجح السبت في "تأمين" اتصال بين ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، ورئيس الحكومة اللبنانية "نجيب ميقاتي"، لكن خبراء رأوا أن خلف ذلك "مآرب داخلية وخارجية" يسعى إليها "ماكرون".

واعتبر "ميقاتي"، عبر بيان، أن الاتصال "خطوة مهمة" لإعادة إحياء العلاقات مع الرياض، بعد تدهورها إلى مستوى غير مسبوق؛ إثر تصريحات حول حرب اليمن أدلى بها "جورج قرداحي" قبل توليه حقيبة الإعلام في لبنان ثم قادته إلى الاستقالة في 3 ديسمبر/كانون الأول الجاري.

وبالنظر إلى البيان الفرنسي-ـالسعودي المشترك، في ختام زيارة ماكرون لمدينة جدة، اعتبر خبير أن الرئيس الفرنسي "يبيع أوهاما للبنانيين"، في ظل صعوبة تطبيق ما شمله البيان على أرض الواقع في لبنان، وهو ما قد يفتح على اللبنانيين بابا جديدا من التصادم السياسي.

البيان المشترك

في اليوم التالي لاستقالة "قرداحي"، وفي ختام زيارة "ماكرون" لمدينة جدة السعودية السبت، صدر "بيان مشترك" بين الرياض وباريس تطرق إلى الشأن اللبناني، وتضمن "ضرورة حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة"، وتأكيد القرارات الدولية 1559 و1701 و1680.
وتعود هذه القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، إلى ما بين عامي 2004 و2006، وتشكل بعض مضامينها مادة خلافية بين القوى السياسية في لبنان، خصوصا تلك التي تنص على تجريد الجماعات اللبنانية من سلاحها.

وتمتلك جماعة "حزب الله"، المدعومة من إيران، ترسانة كبيرة من الأسلحة والصواريخ، وخاضت على مدى سنوات مواجهات عديدة ضد إسرائيل، التي انسحبت عام 2000 من معظم الأجزاء التي كانت تحتلها جنوبي لبنان.

وعادة ما تتهم قوى سياسية لبنانية "حزب الله" بتهديد الساحة الداخلية بهذا السلاح، بينما تقول الجماعة إنه مكرس حصرا للدفاع عن لبنان في وجه إسرائيل، التي تواصل احتلال أراضٍ لبنانية.

وتاريخيا، كانت تسود علاقات دافئة بين الرياض وبيروت، إلا أنها توترت بعد 2016، حين اتهمت السعودية "حزب الله" (حليف الرئيس اللبناني ميشال عون) بأنه يسيطر على القرار السياسي والأمني في البلاد، فضلا عن تدخله في حرب اليمن بدعم جماعات تعمل ضد الرياض.

وتقود السعودية، منذ عام 2015، تحالفا ينفذ عمليات عسكرية في اليمن دعما للقوات الموالية للحكومة، في مواجهة قوات جماعة الحوثي المدعومة من إيران، والمسيطرة على محافظات بينها العاصمة صنعاء (شمال) منذ 2014.

صدمة لدى إيران و"حزب الله"

وقال الكاتب والمحلل السياسي "منير الربيع"، للأناضول، إن "الموقف الفرنسي أيد شروط الرياض على لبنان لعودة انفتاحها عليه".

وأضاف: "لا يمكن إغفال الشق الإقليمي والدولي في البيان (الفرنسي-السعودي)، عندما أكد ماكرون أن السعودية دولة محورية وحاضرة في المعادلة الإقليمية، في ظل مفاوضات فيينا حول نووي إيران".

وتقول دول غربية وإقليمية، في مقدمتها السعودية، إن إيران تمتلك أجندة توسعية في المنطقة، وتسعى إلى إنتاج أسلحة نووية، بينما تقول طهران إنها ملتزمة بعلاقات حُسن الجوار، وإن برنامجها النووي مصمم للأغراض السلمية.

ورجح "الربيع" أن "موقف ماكرون سينعكس صدمة لدى الإيرانيين وحزب الله؛ ففي حين كانت الإدارة الفرنسية مؤخرا على تواصل مع حزب الله وتنسيق تام مع طهران، جاء البيان المشترك ليشكل استهدافا للحزب".

وتابع: "بذلك فإن ماكرون، وانطلاقا من لبنان وعلاقته بالخليج وحماسته لتوقيع الاتفاق النووي بين الدول الكبرى وإيران، يخوض معركته الرئاسية داخل فرنسا ويسعى إلى تعزيز حضوره في منطقة الشرق الأوسط".

وفي أبريل/نيسان 2022، تنطلق انتخابات رئاسية يسعى "ماكرون" من خلالها إلى الفوز بفترة رئاسية ثانية.

تصعيد كبير

واعتبر "الربيع" أنه "في حال كانت هناك جدية وإصرار فرنسي-سعودي على تطبيق مندرجات البيان المشترك، فسينعكس ذلك تصعيدا كبيرا في لبنان".

وأضاف أن "أول من سيدفع ثمن ذلك هو رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، في ظل ارتياب حزب الله من تلك التطورات؛ ما سيؤدي إلى أزمة سياسية جديدة وانقسام إضافي".

وتابع: "أما في حال كان الموقف الفرنسي كلاميا وشكليا فقط لتمرير زيارة ماكرون إلى السعودية والاتصال بين بن سلمان وميقاتي، فإن ذلك سيبقي لبنان في نفس المسار الحالي، أي استمرار الانهيار الاقتصادي".

ومنذ عامين، يعاني لبنان أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه، مع انهيار للعملة المحلية الليرة، وشح في الأدوية والوقود وسلع أساسية أخرى، بالإضافة إلى هبوط حاد في القدرة الشرائية.

ويقول خبراء إن المقاطعة السعودية للبنان ترتب تداعيات اقتصادية ومالية قاسية، في ظل تراجع الاستثمارات الخليجية في البلاد، وقرار الرياض وقف جميع وارداتها من لبنان.

تعثر المبادرة السابقة

وهذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها ماكرون التدخل من خلال ما تُسمى "مبادرة" لحل أزمة سياسية لبنانية، فقد كانت هناك محاولة بعد أيام على انفجار مرفأ العاصمة بيروت، في 4 أغسطس/آب 2020.

وقتذاك، أطلق ماكرون "مبادرة" لحل الأزمة في البلاد بعدما استقالت حكومة حسان دياب، على خلفية الانفجار الضخم الذي أودى بحياة 217 شخصا وأصاب نحو 7 آلاف آخرين، وفي ظل أزمة اقتصادية طاحنة.

إلا أن مراقبين اعتبروا لاحقا أن "المبادرة" فشلت واستمر الفراغ الحكومي 13 شهرا قبل تأليف حكومة ميقاتي، في سبتمبر/ أيلول الماضي، وبعد نحو شهر انفجرت الأزمة الدبلوماسية مع السعودية.

ففي 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، سحبت الرياض سفيرها في بيروت، وطلبت من السفير اللبناني لديها المغادرة، وفعلت ذلك لاحقا الإمارات والبحرين والكويت واليمن، رفضا لتصريحات لـ"قرداحي" اعتبر فيها أن "الحوثيين في اليمن يدافعون عن أنفسهم ضد اعتداءات السعودية والإمارات".

الرابحون والخاسرون

ووفق المحلل السياسي "فيصل عبد الساتر"، فإن ما سمي في الإعلام "مبادرة فرنسية لحل الأزمة بين السعودية ولبنان"، سبقها شرط وهو استقالة "قرداحي"، وهذا ما حصل فعلا، بهدف فتح باب لحل الأزمة عن طريق "ماكرون".

لكن "عبدالساتر"، القريب من "حزب الله"، عبّر عن اعتقاده، في حديث للأناضول، بأن "استقالة قرداحي قد لا تشكل بداية لحل الأزمة؛ فالجميع يعلم أن المشكلة ليست بتصريحات قرداحي، وإنما أبعد من ذلك".

وأردف: "السعودية تعلم أنه لا يقوى أحد في لبنان على تحقيق مثل تلك العناوين الكبيرة التي وردت في البيان المشترك (السعودي-الفرنسي)، حتى وإن تدخل الفرنسيون من أجل ذلك".

وتابع: "سبق وأن تدخل الأمريكيون والعالم كله، وأصدروا قرارات من مجلس الأمن بشأن سلاح حزب الله من خلال القرارين 1559 و1701، وهما لا يزالان معلقان، لا سيما بشأن تجريد الحزب من سلاحه أو أن يكون السلاح في لبنان محصورا بيد الجيش".

ومضى قائلا: "خلاصة ما حدث أن الرئيس ماكرون يبيعنا أوهاما، والمساحة التي يتحرك فيها قد تعيد حضوره في المنطقة، لكن دون أن يكون لذلك انعكاس إيجابي على لبنان".

واعتبر أن "الرياض حققت نصرا معنويا بزيارة ماكرون واستقالة قرداحي، فضلا عن توقيع عقود تجارية ضخمة بين البلدين، وبذلك فإن الرابحين من الزيارة هم ماكرون وابن سلمان، والخاسرين الأساسيين هما لبنان واليمن".

وزيارة "ماكرون" هي الأولى التي يقوم بها زعيم غربي للسعودية منذ مقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي"، داخل قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول التركية، في أكتوبر 2018، ما أثار الرأي العام العالمي.

تعويم السلطة

أما الناشط السياسي "سمير سكاف"، فقال للأناضول إن "دور ماكرون في لبنان، وبغض النظر عن نيته، يؤدي إلى تعويم السلطة ذاتها التي انتفض ضدها الشعب خلال الاحتجاجات العارمة التي اندلعت أواخر 2019 واستمرت عدة أشهر".

وأضاف "سكاف"، وهو عضو مجموعة "اتحاد ساحات الثورة"، أن "الدعم الدولي مطلوب للبنان، لكن هذا الدعم يجب أن يكون للشعب مباشرة اقتصاديا ومعيشيا، بجانب المساعدة في إجراء انتخابات نزيهة ومراقبتها".

وأردف: "نرى أن هذه السلطة يجب تغييرها؛ لأنها هي التي أوصلت لبنان إلى الجحيم الذي نحن فيه". 

المصدر | الأناضول