في عام 2002، عندما كان العالم في ذروة القطب الواحد وكانت الولايات المتحدة تستعد لغزو العراق، حاول بعض أساتذة العلاقات الدولية البارزين حل اللغز التالي: لماذا كانت القوى الكبرى الأخرى في العالم التي تعارض السياسة الخارجية الأمريكية لا تفعل أي شئ بخصوص الغزو؟ فقد أبدت روسيا والصين وفرنسا وألمانيا وجهات نظرها في الأمم المتحدة لكنها لم تدعم "صدام حسين" كما لم يرفعوا استعداد جيوشهم أو يطوروا تحالفاتهم لمواجهة الولايات المتحدة.

وعندما تقاوم الدول دولًا أخرى ترى أنها قوية أو مصدر تهديد، يصف المفكرون السياسيون هذا السلوك "توازن قوى". وفي مجموعة من المقالات بعنوان "أمريكا التي لا ينافسها أحد"، جادل بعض المفكرين بأن المنافسة الجيوسياسية انتهت مع انهيار الاتحاد السوفيتي لأن الولايات المتحدة كانت متقدمة جدا على الجميع، فيما رأى آخرون أن السبب هو عدم تهديد الولايات المتحدة للقوى الكبرى الأخرى وكذلك تأسيس نظام ليبرالي يستوعب الجميع.

لكن مفهوم "توازن القوى" عاد مرة أخرى مع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014، وتدخلها عسكريا في سوريا، وتدخلها في الانتخابات الأمريكية عام 2016. وفي الوقت نفسه، بنت الصين جزرًا اصطناعية في بحر الصين الجنوبي وأظهرت تقدما سريعا في التقنيات العسكرية بشكل يتجاوز في بعض الأحيان الولايات المتحدة.

وبدأت روسيا والصين في موازنة الولايات المتحدة ليس فقط لأنهما أصبحتا أقوى وإنما أيضا لأن "فلاديمير بوتين" و"شى جين بينج" قلقان من أنه إذا نجحت الليبرالية الغربية على مستوى العالم، فقد تشكل تهديدا وجوديا لأنظمتهم.

حتى حلفاء أمريكا يقومون الأن بالموازنة حيث يستخدم الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" الأدوات العسكرية والدبلوماسية الضاغطة بحرية ويتعاون مع روسيا عندما يناسبه ذلك، كما لم تعد السعودية والإمارات تخضعان تلقائيا للولايات المتحدة بل تستخدمان القوة العسكرية حتى عندما تفضل واشنطن عدم فعل ذلك، كما في اليمن.

ويعد قرار الدول الأخرى بإظهار القوة العسكرية لإحباط الإجراءات الأمريكية تحولا رئيسيا في البيئة الخارجية الأمريكية. فبعد أن كانت الولايات المتحدة عقب الحرب الباردة تتعامل مع التفضيلات الجيوسياسية للمنافسين أو حتى الحلفاء بعدم اهتمام، أصبحت لا تستطيع فعل ذلك.

اندلاع التنافس الدولي

يشير حشد روسيا لقوات عسكرية مكونة من 175 ألف فرد على طول حدودها مع أوكرانيا إلى أننا على وشك الدخول إلى مرحلة جديدة خطيرة من التنافس الدولي. ولا أحد يعرف تماما لماذا قد يختار "بوتين" هذه اللحظة لغزو أوكرانيا، حيث لا يمكن أن يعزى الغزو لإجراء غربي معين أو دافع معين مثلما حدث في التدخل في سوريا في 2015 أو أوكرانيا في 2013.

وجادل البعض بأن "بوتين" محبط من كون أوكرانيا لا تلتزم باتفاقية مينسك لعام 2014 و2015 لكن هذا ليس تطورا جديدا.

أحد التفسيرات هو أن روسيا تستخدم التهديد بالغزو لفرض نقاش حقيقي حول تنفيذ اتفاقيات مينسك ومستقبل الأمن الأوروبي، ما يعني أن موسكو ستبقي القوات في مكانها كأداة تهديد توضح من خلالها أنها قادرة على استخدام القوة إذا توقفت المحادثات، وسيكون ذلك تصعيدا لسلوك "الموازنة" الذي انخرط فيه "بوتين" منذ عام 2014.

لكن هناك سيناريو مظلم وهو الغزو الفعلي لأوكرانيا، وجادل "بوتين" في مقال في يوليو/تموز بعنوان "عن الوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين"، بأن البلدين يشكلان "شعبًا واحدًا" وأن "السيادة الحقيقية لأوكرانيا ممكنة فقط بالشراكة مع روسيا"، وهكذا ربما يعتقد "بوتين" في عقده الثالث من الحكم، أنه إذا لم يتخذ إجراء حاسمًا، فإن أوكرانيا ستتحرك أبعد عن روسيا.

وأشار تحليل من مؤسسة "مجلس الشؤون الدولية الروسية" إلى أنه إذا قرر "بوتين" الغزو (وهو ما لم ينصح التقرير به)، "فإن أفضل طريقة هي تطويق كييف واستقرار الخط الأمامي على طول دنيبر وبعدها الإعلان عن إنشاء دولة أوكرانية جديدة عاصمتها كييف تعترف بها روسيا، وستشمل جمهورية دونيتسك الشعبية و جمهورية لوجانسك الشعبية المستقلتان سابقا.

وهكذا ستحل روسيا عدة مشاكل في وقت واحد، حيث ستزيل التهديد المباشر للحدود الجنوبية الغربية، وتضمن السيطرة الكاملة على بحر أزوف والممر الأرضي لجمهورية القرم، وستظهر دولتان أوكرانيتان على الخريطة، وستكون أحداهما "صديقة وخانعة".

ومنذ فترة طويلة، أشار المحللون الغربيون إلى أن السلوك العدائي لروسيا والصين يمكن أن يكون له نتائج عكسية. فقبل ضم شبه جزيرة القرم، كانت أوكرانيا تشعر أنها مترددة بين الغرب وروسيا. أما بعد ذلك، فقد بدأت أوكرانيا تتحرك جيوسياسيا نحو الغرب بشكل مطرد. وبالمثل، فإن قمع الصين لهونج كونج زاد مخاوف تايوان من التوحيد السلمي في إطار نموذج "دولة واحدة ونظامين اثنين"، ولكن رد "بوتين" على هذه المقاومة والمشاعر المعادية قد يكون الغزو.

لكن هذه مقامرة كبرى، وإذا لم تهزم روسيا القوات الأوكرانية بسرعة فقد يكون النزاع مطولا، خاصة مع تدفق المساعدات العسكرية الغربية إلى أوكرانيا. ويمكن أن تؤدي الخسائر المدنية التي لا مفر منها وتدمير الممتلكات إلى إغضاب الرأي العام في الجزء الشرقي من أوكرانيا مما قد يؤدي إلى تمرد.

النظام العالمي مهدّد

ويأتي احتمال الغزو في وقت كانت فيه علاقات "بوتين" مع بقية العالم مستقرة نسبيا، كما أوضحت إدارة "بايدن" أنها ترغب في علاقة "مستقرة ويمكن التنبؤ بها" مع روسيا، مما كان يعني الحفاظ على الوضع الراهن.

وكان الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" دائما الانخراط مع روسيا بشأن المسائل الأمنية. وفي الوقت نفسه، سعى "بوتين" بنشاط إلى كسر العزلة وزيادة روابط روسيا في جميع أنحاء العالم، وتوصل مؤخرا إلى صفقة بيع أسلحة جديدة كبرى إلى الهند.

وفي الأسابيع المقبلة، لا شك أن الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة ستعزز الردع من خلال رفع تكلفة الغزو. في غضون ذلك، أعلنت إدارة "بايدن" أيضا أن الولايات المتحدة و"4 حلفاء ناتو على الأقل" سيلتقون روسيا لمناقشة الأمن الأوروبي.

ومع تقوية الردع والسعي لتهدئة الخلاف الجيوسياسي من خلال الدبلوماسية، يجب على قادة الناتو أيضا أن يذكروا نظرائهم في جميع أنحاء العالم بأن لديهم دور في هذه الأزمة أيضا، حيث تعني علاقات روسيا مع بقية العالم أن القادة الآخرين؛ مثل الرئيس الهندي "ناريندرا مودي" والرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، ورئيس الوزراء الإسرائيلي "نفتالي بينيت"، سيكون لديهم دور مهم ليلعبوه.

من غير المرجح أن يأخذ القادة خارج المحيط الأطلسي موقفا قويا لصالح أوكرانيا وضد روسيا، لكن يجب عليهم أن يعرفوا أنه إذا سيطر "بوتين" على  أوكرانيا، فإن هذا يعني تجاوز خط مهم في المنافسة.

وتأمل القوى الآسيوية (الهند واليابان) في تخفيف التعاون الروسي الصيني على المدى الطويل، لكن من شأن الغزو أن يجعل روسيا أكثر اعتمادا على الصين وربما يجعلها مدينة سياسيا لها على الدعم خلال هذه الأزمة، وبالتالي فإن لدى الهند واليابان مصلحة استراتيجية لمنع ذلك.

وعموما، فإن تدمير الدولة الأوكرانية سوف يُذكي التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا، خاصة إذا انتقم "بوتين" من المساعدات العسكرية الغربية لأوكرانيا. وسيؤدي ذلك إلى ضغوط هائلة على حلفاء الولايات المتحدة من خارج "الناتو" لتقليل العلاقات مع موسكو وعزلها.

ولا تتعلق هذه الأزمة فقط باتفاقيات مينسك أو النزاع بين روسيا وأوكرانيا، وإنما تدور حول ما إذا كنا سنشهد تصعيدا دراماتيكيًا في المواجهة العسكرية بين القوى الكبرى بشكل يهز أساسات النظام الدولي، وبالتالي فإن الجهود الدبلوماسية لمنع ذلك يجب أن تكون عالمية.

المصدر | توماس رايت/ ذا أتلانتيك - ترجمة وتحرير الخليج الجديد