الخميس 16 ديسمبر 2021 10:15 م

تناولت العديد من التقارير زيارة مستشار الأمن القومي الإماراتي "طحنون بن زايد" إلى طهران باعتبار أنها تبشر بذوبان الجليد بين البلدين في وقت تحتاج فيه إيران إلى تقليل عدد الخصوم، فيما تعيد الإمارات ترتيب أولوياتها وأجندة مصالحها، والتي لا تشمل عزل إيران.

لكن معظم التقارير تجاهلت حقيقة أن الإمارات لم تقطع علاقتها مع إيران حتى في أكثر الأوقات إثارة للجدل. ويميل المراقبون الخارجيون إلى التركيز على نقاط العداء الظاهرة بين الإمارات وإيران، بينما يتجاهلون التعاون بين البلدين.

ويعتقد البعض في الغرب خطأ أن دول الخليج العربية تشترك في عداء موحد تجاه الإيرانيين، بناءً على الافتراض الخاطئ بأن العرب السنة يحملون كراهية قديمة للشيعة. وفي الواقع، يرتبط الخوف من إيران ارتباطا وثيقا بسياسات الهيمنة التي تتبناها الجمهورية الإسلامية. وقد اتبع نظام "الشاه" سياسات مماثلة قبل سقوطه عام 1979، وكانت هناك مخاوف مماثلة لدى دول الخليج.

وفي عام 1971، احتل "شاه" إيران، وليس الجمهورية الإسلامية، مجموعتين من الجزر قبالة سواحل الإمارات (أبو موسى وطنب) بعد مغادرة البريطانيين. وبالرغم أن قيادة الإمارات كانت غاضبة، إلا أنها لم تسمح للنزاع بالتأثير على العلاقات التجارية أو الدبلوماسية مع طهران.

ومثل دول الخليج الأخرى الأصغر حجما، لم ترغب الإمارات عند استقلالها في الوقوع تحت تأثير السعودية أو إيران. لهذا السبب، أدارت الإمارات منذ نشأتها سياسة خارجية متوازنة تسعى إلى الحفاظ على استقلالها عن جيرانها الأقوياء.

وقام الشيخ "زايد آل نهيان"، المؤسس المشارك لدولة الإمارات مع الشيخ "راشد آل مكتوم" من دبي، بحملة مكثفة لإدراج قطر والبحرين في اتحاد الإمارات العربية المتحدة الجديد. وكان الزعيمان يأملان في توحيد جميع المشيخات الصغيرة في كيان سياسي واحد يمكنه أن يواجه بشكل أفضل القوى الأكبر في الخليج (السعودية وإيران).

وبالرغم من أن قطر والبحرين سعتا في نهاية المطاف إلى الحفاظ على استقلالهما، إلا أنهما تشاركان الإمارات في شكوكها تجاه جيرانهما الأكبر، وقد ورث كل منهما نزاعات إقليمية مع الرياض وطهران منذ عهد الحماية البريطانية، وهي نزاعات لا تزال دون حل حتى يومنا هذا.

وفي الوقت الذي بدا فيه أن الإمارات تتحالف مع السعودية ضد إيران، حافظت أبوظبي على حوار دبلوماسي وأمني مع طهران بشكل مستمر.

وزار وزير خارجية الإمارات طهران في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 بعد 4 أيام من توقيع الاتفاق النووي مع إيران، وهي الزيارة التي ردها وزير الخارجية الإيراني "محمد جواد ظريف" بعد أسبوعين. وبالرغم أن الصحافة الغربية أعطت انطباعًا عن موقف خليجي موحد رافض للاتفاق النووي، إلا أن رد فعل الإمارات وبعض دول الخليج الأخرى كان مختلفا.

وبعد هجوم 2016 على السفارة السعودية في طهران، انضمت الإمارات إلى شركائها في دول مجلس التعاون الخليجي في إدانة إيران، لكنها رفضت إغلاق سفارتها، مما أغضب الرياض.

وفي أعقاب عمليات التخريب عام 2019 ضد السفن الموجودة في سواحل الإمارات أو بالقرب منها، زار وفد من خفر السواحل الإماراتي طهران من أجل "تحسين التعاون البحري في المياه الفاصلة بين البلدين". وعلى عكس معظم دول مجلس التعاون الخليجي، لم تقطع الإمارات علاقاتها مع سوريا تمامًا بعد اندلاع الحرب الأهلية في البلاد عام 2011.

وبالرغم من انضمامها إلى التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، أبدت الإمارات حتى الآن القليل من الاهتمام بمحاربة الحوثيين الذين يسيطرون على شمال اليمن. وبدلا من ذلك، ركز الإماراتيون جهودهم في جنوب البلاد، وشكلوا تحالفا قويا مع المجلس الانتقالي الجنوبي على حساب حكومة "عبدربه منصور هادي" المدعومة من السعودية. ولا يتمتع الحوثيون بقوة كبيرة في الجنوب ذي الأغلبية السنية، والذي ظل منفصلا سياسيا عن الشمال خلال معظم التاريخ الحديث.

وبعد فشل التدخل في هزيمة الحوثيين بشكل حاسم، تملصت الإمارات من التحالف الذي تقوده السعودية، لكنها وسعت بشكل منهجي نفوذها ووجودها في الجنوب، ودعمت الانفصاليين الجنوبيين، ووسعت وجودها في جزيرة سقطرى الاستراتيجية.

وقد أثار دعم الإمارات للانفصاليين الجنوبيين المناهضين لـ"هادي"، وتخليها عن التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين، شكوكا في أن أبوظبي تعمل بشكل أساسي ضد الرياض وليس إيران.

وتساعد هذه العوامل، إضافة إلى تعثر المفاوضات النووية في فيينا، في تفسير الأساس المنطقي لزيارة "طحنون بن زايد" إلى طهران. وتعكس الرحلة رغبة أبوظبي في تجنب التعرض لأضرار إذا قررت الولايات المتحدة استخدام "الخطة ب" مع فشل محادثات فيينا النووية. 

وبعد انسحاب الرئيس "دونالد ترامب" من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، عانت الإمارات من أضرار اقتصادية جانبية كبيرة جراء العقوبات المفروضة على إيران. ونظرا لأن الكثير من ثروة دبي مستمدة من أنشطتها كمركز تجاري ومالي للمنطقة، فقد علقت آمالها على إعادة فتح التجارة المشروعة مع إيران.

ومن شأن فشل مفاوضات فيينا أن يلحق المزيد من الضرر باقتصاد الإمارات. وبالمثل، إذا أدت "الخطة ب" إلى أعمال عدائية مسلحة، فإن الإمارات بحاجة إلى تجنب أن تصبح هدفا لرد إيراني غير متكافئ.

وبغض النظر عن نتائج المفاوضات النووية فإن زيارة "طحنون بن زايد" تمثل استمرارا للممارسة الإماراتية المعتادة المتمثلة في إبقاء خطوطها مفتوحة مع جميع اللاعبين المهمين. وفي نفس السياق، تندرج التكهنات الأخيرة حول الانفراجة بين الإمارات وتركيا، فضلا عن انفتاح أبوظبي على الصين وروسيا.

المصدر | باتريك ثيروس/منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد