الخميس 23 ديسمبر 2021 06:34 ص

تدفع إيران بشكل مباشر لوقف الاضطرابات الداخلية بالعراق، التي قد تتسبب بها الفصائل العراقية المقربة منها، في وقت تسعى فيه طهران إلى الحفاظ على نفوذها العميق في البلد، ضمن نسق تخوض فيه مفاوضات متوترة حول طموحاتها النووية مع واشنطن.

وعرّت الانتخابات التشريعية المبكرة التي جرت مؤخرا في العراق، حالة التشظي وصراع النفوذ بين القوى الشيعية المسنودة بمليشيات مسلحة، وهو أمر لم تعد إيران تطيقه مخافة أن يزعزع نفوذها في العراق وفي المنطقة.

ومؤخرا، أجرت إيران محاولات للحد من التوترات والاضطرابات الداخلية التي أثارتها المليشيات التابعة لها في العراق بعد الانتخابات.

وأحدث هذه المحاولات وأبرزها جاء عبر تدخل رفيع المستوى، الشهر الماضي، وجرى بعد ساعات من هجوم استهدف مقر إقامة رئيس الوزراء العراقي "مصطفى الكاظمي"، وحمل بعض المسؤولين في بغداد مسؤوليته على الجماعات المدعومة من إيران.

ووفقا لما أفاد به مسؤولون في المليشيات وسياسيون عراقيون مقربون منها ودبلوماسيون غربيون ومصدر أمني عراقي مطلع، هرع قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني "إسماعيل قآاني"، إلى بغداد بعد الهجوم، والتقى عددا من قادة المليشيات.

وحمل "قاآني" رسالة للمليشيات الرافضة للاعتراف بنتائج الانتخابات البرلمانية، التي جرت في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وفاز بها تيار رجل الدين الشيعي "مقتدى الصدر"، ومفادها ضرورة "تقبل النتائج".

وقال "قآاني"، لاثنين من قادة المليشيات، إن "السياسات التافهة تهدد سلطة الأغلبية الشيعية الحاكمة في العراق، التي تمارس إيران من خلالها نفوذها"، بحسب أشخاص مطلعين على الاجتماعات.

وكان الهجوم الذي استهدف منزل "الكاظمي"، في 7 نوفمبر/تشرين الثاني، ونُفذ بواسطة طائرات مسيرة، بمثابة تصعيد دراماتيكي في التوترات التي كانت تتصاعد خلال الأشهر الأخيرة بين الجماعات الشيعية المتنافسة في العراق.

وخلال اجتماع مقتضب، جرى في مكتب سياسي مخضرم تدعمه إيران في بغداد، وبخ "قاآني" اثنين من قادة المليشيات، واتهمهما بالتعامل بشكل سيئ مع تداعيات الانتخابات.

ونقلت "رويترز"، عن أحد مسؤولي المليشيات وسياسيين عراقيين اثنين، إن "قاآني"، الذي كان يرافقه فريق صغير، طلب من الرجلين السيطرة على مؤيديهما ومليشياتهما.

ووفق المصادر، فإن الرجلين الذين التقاهما "قاآني" في بغداد، هما زعيم منظمة بدر "هادي العامري"، وزعيم مليشيا عصائب أهل الحق "قيس الخزعلي".

ولم يستجب مكتبا "العامري" و"الخزعلي" لطلبات التعليق. 

وأضاف مسؤول الميليشيا أن "الإيرانيين كانوا غاضبين"، لافتا إلى أن مسؤولا إيرانيا تساءل قائلا: "هل تريدون حربا أهلية شيعية؟".

وتعد التوترات بين الشيعة في العراق، بمثابة تشتيت غير مرحب به بالنسبة لطهران، فيما تخوض محادثات غير مباشرة مع واشنطن بشان احياء الاتفاق النووي المبرم العام 2015.

واتسمت فترة ولاية "قآاني" بجهود متزايدة للسيطرة على المليشيات، في حين أن إيران في السابق كان بإمكانها بشكل أسهل نسبيا توجيه وكلائها في العراق.

ويشتكي بعض قادة المليشيات بشكل خاص من أن "قاآني" يفتقر إلى الكاريزما وإتقان اللغة العربية التي كان يتمتع بها سلفه "قاسم سليماني".

وقُتل "سليماني" في ضربة أمريكية استهدفت موكبه قرب مطار بغداد الدولي، في يناير/كانون الثاني 2020، كما قُتل في الضربة نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق "أبومهدي المهندس".

ويقول مسؤولون عراقيون إن المليشيات التي دربتها وسلحتها إيران في السابق، أصبح حضورها القوي يشجع بعض قادتها على التصرف بشكل أكثر استقلالية عن طهران.

ونقلت "رويترز"، عن 5 مسؤولين آخرين في المليشيات ودبلوماسيين غربيين ومسؤول أمني عراقي وجميعهم تم اطلاعهم على ما جرى في الاجتماع القول، إن "قاآني" هو من كان يقود الاجتماعات، وإنه أبلغ الجميع بضرورة وقف تأجيج الاضطرابات في العراق.

ولم ترد الحكومة الإيرانية، التي أدانت الهجوم الذي استهدف منزل "الكاظمي" في وقت سابق، ولا الحرس الثوري، على طلبات للتعليق.

وكذلك لم يرد مكتب رئيس الوزراء العراقي على طلب للتعليق.

يشار إلى أن محاولة اغتيال "الكاظمي"، جاءت عقب حملة تحريض وتجييش ضده، شنتها فصائل موالية لإيران، منضوية ضمن الحشد الشعبي.

واتهم مسؤولون في كل من حركة عصائب أهل، وكتائب حزب الله، وسيد الشهداء، رئيس الحكومة بالتورط في الاشتباكات التي اندلعت بين القوات الأمنية ومناصري تلك الفصائل في بغداد قبل الاستهداف بأيام، وأدت إلى مقتل أحد المحتجين ضد نتائج الانتخابات النيابية التي جرت في 10 أكتوبر/تشرين الأول.

كما اعتصمت فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران، في قلب العاصمة العراقية قبل أسبوعين من الحادث، متهمة الحكومة والمفوضية بتزوير نتائج الانتخابات، التي أظهرت تراجعا كبيرا في شعبيتها، وانخفاضا واضحا ومريرا في عدد المقاعد البرلمانية.

وتعد هذه الرواية لمهمة "قاآني" في بغداد، والتي لم يسبق نشر شيء عنها، فصلا من عدة فصول من التدخل الإيراني على مدار الأشهر الأخيرة، بهدف منع العنف المتصاعد بين فصائل شيعية متنافسة، والذي ينذر بإضعاف النفوذ الإيراني في العراق المجاور وزعزعة استقرار المنطقة.

فقد سبق أن تدخل المسؤولون الإيرانيون في محاولات لتهدئة التوترات بين الشيعة في مناسبات أخرى، بما في ذلك خلال فترة الاستعدادات للانتخابات، خاصة عندما أعلن "الصدر" مقاطعة الانتخابات.

وحاول وزير المخابرات الإيراني في ذلك الوقت "محمود علوي"، والقيادي في الحرس الثوري "حسين طيب"، ومسؤولون آخرون مع بعض أعضاء الفريق السياسي لـ"الصدر" في بغداد؛ حيث سعوا لإقناع الأخير بعدم مقاطعة التصويت، وذلك بحسب مسؤول في المكتب السياسي لـ"الصدر".

وقال المسؤول إن "الصدر قرر العودة لتجنب التصعيد، بعد طلب مشورة المرجع الشيعي العراقي البارز علي السيستاني"، مضيفا: "حينها.. نجحت الوساطة الإيرانية".

وتأتي التوترات في الصفوف الشيعية بالعراق كمصدر انشغال غير مرغوب فيه لطهران في وقت تُجري فيه مباحثات غير مباشرة مع واشنطن لإحياء الاتفاق النووي المبرم في 2015.

وكان ذلك الاتفاق قد خفف العقوبات الاقتصادية السارية على إيران مقابل تقييد برنامجها النووي، غير أن الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" انسحب منه في 2018، قبل أن يعيد فرض عقوبات على طهران.

المصدر | الخليج الجديد + رويترز