الخميس 30 ديسمبر 2021 11:00 م

لن يقدم تأجيل الانتخابات الليبية حلا للخلافات حول كيفية تنظيم الاقتراع ولا الجدل الدائر حول كبار المرشحين. لذلك فإن التصويت، متى تم إجراؤه، سيفشل في توحيد البلاد على النحو المنشود. بل يمكن أن تؤدي الانتخابات في النهاية إلى مزيد من العنف من خلال تعميق الانقسامات بين الفصائل الليبية المتحاربة.

وفي 21 ديسمبر/كانون الأول، ألغت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا الانتخابات الرئاسية المقررة في 24 ديسمبر/كانون الأول، وألقت باللوم على مجلس النواب لفشله في حل الخلافات حول قانون الانتخابات، وقالت إن الأمر متروك لمجلس النواب لتحديد موعد جديد.

وفي اليوم التالي، اقترحت اللجنة تأجيلا لمدة شهر واحد حتى 24 يناير/كانون الثاني، حيث يمكن أن يتزامن التصويت الرئاسي مع الانتخابات البرلمانية التي تثير الانقسامات هي الأخرى. واجتمع مجلس النواب في 27 ديسمبر/كانون الأول لمناقشة المسار المستقبلي، ولكن سرعان ما انهار المناقش حول نفس القضايا، مع عدم وجود مسار واضح متفق عليه للمضي قدما.

وتهدف الانتخابات الرئاسية والبرلمانية إلى إنهاء الأزمة السياسية المستمرة منذ أكثر من 7 أعوام وتتجلى في وجود حكومتين متنافستين في شرق وغرب ليبيا منذ الانتخابات الأخيرة في عام 2014.

وتشكلت حكومة الوحدة الوطنية الحالية في مارس/آذار 2021 كحكومة واحدة موحدة بعد مفاوضات مكثفة بين الأطراف الليبية المتصارعة. لكن حكومة الوحدة الوطنية ليست سوى حكومة تصريف أعمال مكلفة بتنظيم الانتخابات.

وكان من المتوقع تأجيل الانتخابات بالرغم من ضغوط الدول الغربية حيث فشلت لجنة الانتخابات في تقديم قائمة المرشحين النهائيين الذين تمت الموافقة عليهم لخوض الانتخابات. وكشفت الخلافات حول العملية الانتخابية عن الانقسامات الصارخة التي قد تؤدي إلى مزيد من التأخير في موعد الاقتراع.

وفي إطار عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة، التي بدأت منذ عام 2014 لإنهاء الحرب الأهلية الليبية، كان من المفترض أن ينظم كل من حكومة الوحدة الوطنية في بنغازي ومجلس النواب في طبرق استفتاء دستوريا مع الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الوطنية. كما كان من المفترض أن يقروا قوانين تدعم كلا من الانتخابات والاستفتاء.

لكن أعضاء الحكومة ومجلس النواب لم يتفقوا بعد على قانون انتخابي (ومن المحتمل ألا يفعلوا ذلك أبدا) بسبب الخلافات الأساسية حول من هو المؤهل لإدارة الدولة ودور الجيش وكيفية تقاسم الحكم والإيرادات المالية بين شرق وغرب ليبيا. وفي غضون ذلك، تم التخلي عن الاستفتاء الدستوري منذ البداية بسبب الصعوبات في التوصل إلى اتفاق حول مواضيع حساسة مثل عائدات النفط وتوزيع الموارد الوطنية.

ودفع رئيس مجلس النواب "عقيلة صالح" قانون الانتخابات الرئاسية الحالي إلى المجلس في سبتمبر/أيلول دون تقديم المسودة النهائية للتصويت، وبالتالي تجاوز الإجراءات البرلمانية. ومنذ ذلك الحين، أعلن "صالح" ترشحه للرئاسة، وكذلك فعل الجنرال "خليفة حفتر" بفضل بند في القانون يسمح للقادة العسكريين بالترشح في الانتخابات.

وأعرب عدد من قادة غرب ليبيا عن قلقهم من هذا البند وترشح "حفتر" الذي شن هجوما على طرابلس للسيطرة عليها بالقوة عام 2019 وأعلن في مناسبات عدة الانقلاب على الحكومات المتمركزة في طرابلس.

وفي سبتمبر/أيلول، مرر مجلس النواب أيضا اقتراحا بحجب الثقة عن حكومة الوحدة الوطنية ورئيس الوزراء "عبدالحميد الدبيبة" في محاولة للضغط على حكومة "الدبيبة" والمجتمع الدولي لقبول الانتخابات بموجب القانون الانتخابي الجديد.

ومن غير المرجح أن يؤدي تأجيل الانتخابات لمدة شهر أو حتى عام إلى إنهاء الخلافات حول قانون الانتخابات وانعدام ثقة الليبيين في المرشحين الرئاسيين البارزين. وكلما طال تأخر الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، زاد خطر تجدد الصدام بين الأطراف المتحاربة.

وبعد ألغى مجلس النواب بالفعل الاعتراف بحكومة "الدبيبة"، سيحاول في نهاية المطاف إما دعم فرع تنفيذي أو سلطة حكومية مركزية تنافس "الدبيبة" إذا أصبح من الواضح أنه لن تكون هناك انتخابات. ويمكن القيام بذلك بشكل أكثر "رسمية" من خلال تعيين رئيس وزراء جديد لمنافسة "الدبيبة" أو من خلال الأمر الواقع عبر هياكل السلطة الخاصة بـ"حفتر" أو "صالح"، التي تعيق بشكل أساسي قدرة "الدبيبة" على الحكم في شرق ليبيا.

ومن شأن مثل هذا الانقسام أن يعيد ليبيا إلى ما كانت عليه قبل تشكيل حكومة الوحدة الوطني. وقد يدفع هذا "حفتر" أو "صالح" لوقف صادرات النفط من شرق البلاد، كما فعل "حفتر" بين يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول في 2020. وقد يشن "حفتر" هجوما عسكريا آخر ضد غرب ليبيا لكن ذلك يظل غير مرجح بالنظر إلى انتشار القوات الأجنبية في البلاد.

ويعد تجدد العنف في المناطق الريفية الليبية هو الأكثر احتمالا، حيث يتقاتل الخصوم على الهامش للسيطرة على مناطق مثل فزان التي تضم أكبر حقل نفط في البلاد. ومع ذلك، إذا تحول الوضع المتوتر في أوكرانيا إلى أزمة أكبر، فقد تفكر روسيا في دعم التصعيد العسكري في ليبيا كوسيلة لتحويل انتباه الغرب بعيدا عن أوكرانيا.

وبالفعل، قام حرس المنشآت النفطية بإغلاق حقل الشرارة النفطي في فزان، إلى جانب 3 حقول أخرى قريبة تنتج النفط والغاز، قبل موعد الانتخابات بسبب نزاعات على الأجور. وقد يؤدي تزايد المنافسة والعنف بين الفصائل الليبية إلى أن تصبح قوات حرس المنشآت النفطية أكثر تسييسا.

وفي استطلاع رئاسي أجرته مؤسسة "ديوان" للأبحاث ومقرها طرابلس في مطلع ديسمبر/كانون الأول على 1106 ناخبين مسجلين، حصل "الدبيبة" على دعم بنسبة 50%، يليه "سيف الإسلام القذافي" الذي حصل على 14% و"حفتر" الذي حصل على 7%. وحصل جميع المرشحين الرئاسيين المسجلين الباقين على دعم أقل من 5%. ومع ذلك، فإن هؤلاء المرشحين الثلاثة أمامهم تحديات هائلة مرتبطة بترشيحهم وبالتالي شرعية حكمهم.

فمن الناحية الفنية، لا يُفترض أن يُسمح لـ"الدبيبة" بالترشح في الانتخابات، وقد تم رفع عدة دعاوى قضائية ضد ترشحه. وفضلا عن ذلك، فقد خلص تحقيق للأمم المتحدة في عملية اختيار رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية في مارس/آذار إلى أن انتخاب "الدبيبة" بأغلبية 5 أصوات فقط كان جزئيا بسبب الرشوة وأن عائلته، وهي من أكثر العائلات التجارية ثراء في ليبيا، عرضت رشاوى تصل إلى 200 ألف دولار للتصويت له.

كما أوضح "الدبيبة" صراحة للدبلوماسيين الغربيين أنه ينوي قيادة ليبيا لفترة أطول من تفويض حكومة الوحدة الوطنية. ومن الصعب أن يقبل "حفتر" بشرعية "الدبيبة"، ما يعني أنه لن يكون لديه سلطة تذكر في شرق ليبيا.

أما "سيف الإسلام" فهو ثاني أكبر أبناء "معمر القذافي" وأقوى عضو متبقٍ في عائلة "القذافي". وفي وقت سابق من عام 2021، ظهر "سيف الإسلام" على الملأ في مقابلات مع وسائل الإعلام الأجنبية للمرة الأولى منذ بداية الحرب الأهلية وذلك لحشد الدعم من قبيلة القذاذفة وأولئك الذين يريدون العودة إلى الاستقرار الذي شهده عهد والده في ليبيا.

ومع ذلك، من غير المرجح أن يقبل الثوار (الذين يقودون بعض الميليشيات) بحكم "سيف الإسلام" كما لن يقبل به "حفتر" الذي كان في المنفى يعارض "القذافي" قبل العودة إلى ليبيا بعد الإطاحة به. علاوة على ذلك، سيجد الغرب صعوبة في التعامل مع "سيف الإسلام" حيث وجهت إليه المحكمة الجنائية الدولية لائحة اتهام بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وأصدرت مذكرة توقيف بحقه في عام 2011. كما حكمت محكمة في طرابلس على "سيف الإسلام" بالإعدام غيابيا.

ومن غير المرجح أن يحظى "حفتر" بدعم كبير في منطقة طرابلس التاريخية، التي تضم أكثر من نصف سكان البلاد، بسبب هجومه في 2019-2020 على طرابلس وإعلانه الانقلاب على الحكومة التي كانت كانت تتخذ من المدينة مقرا لها.

وبالرغم من نفوذ "حفتر" في شرق ليبيا، فإن قلة عدد سكان تلك المنطقة يعني أنه من غير المرجح أن يفوز في الانتخابات دون وجود اختلافات كبيرة في إقبال الناخبين بين شرق وغرب ليبيا.  وبالرغم أنه ألمح إلى أنه قد يرضخ لسلطة زعيم مدني منتخب من قبل الليبيين، فمن الصعب تخيل أن يفعل ذلك إلا إذا كان هذا الرئيس حليفا وثيقا له.

ومع عدم ظهور مرشح رئاسي يمكنه تجاوز الانقسامات الليبية، فإن الانتخابات قد تؤدي إلى ظهور حكومات متنافسة أو حكومة غير قادرة على فرض سلطتها على نصف البلاد، ما يلقي بمزيد من الشكوك حول مستقبل الهيكل السياسي في ليبيا.

ومن المرجح أن تستغل الميليشيات، التي قد تخسر سياسيا واقتصاديا بوجود حكومة أكثر "شرعية"، أي خلافات لترسيخ نفسها وحماية رعاتها السياسيين، ما يعني أن أي حكومة تتشكل سيكون لها تأثير محدود في جميع أنحاء البلاد وأن مستوى معين من الصراع قد يكون حتميا في المستقبل.

وهناك احتمال أن تتجدد الحرب الأهلية بالنظر إلى نزاعات 2014 و2019-2020 التي شهدت قتالا في ضواحي طرابلس. في حين من المؤكد أن يتواصل الصراع على المياه والطرق والبنية التحتية للنفط والغاز.

ولكن الأهم من ذلك، أن فشل عملية السلام وغياب أي أفق للاستقرار سيؤدي إلى طرح المزيد من الأسئلة حول ضرورة وجدوى أن تكون ليبيا الموحدة هدفا نهائيا. وقد تعزز الأيام فكرة أن التقسيم هو طريق واعد أكثر نحو الاستقرار.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد