الخميس 6 يناير 2022 06:36 ص

مشاجرة الأردن… وفانتازيا السياسة العربية

هل صحيح ما يتداوله البعض من أن المشاجرة والفوضى تهدف لتمرير سريع لهذه التعديلات الدستورية؟

قوى الشد العكسي وقوى الثورات المضادة، سرعان ما تعمل على إفساد العمل الديمقراطي، وإظهاره بأنه حالة فوضى.

ما مدى أهلية هذه النخبة للقيام بهذه المهمة؟ هل كانت الشجار مفتعلاً لإظهار العملية الديمقراطية والممارسة البرلمانية لا تنجح عربيا؟

تستطيع الشعوب العربية أن تضرب أروع الأمثلة في العمل الديمقراطي، الذي يقوم على احترام الحقوق والحريات ويتفاعل بالحوار البناء.

لماذا تصل كل تجربة ديمقراطية عربية لنهاية بائسة؟ ولماذا يُراد إقناعنا بأننا لا نستطيع ممارسة الديمقراطية ولا نتقبلُ الرأي الآخر، ولا نؤمن بالحريات ولا احترام بعضنا بعضا؟!

*      *      *

مشهد المشاجرة الطاحنة تحت قبة البرلمان الأردني يبعث على الضحك والسخرية بكل تأكيد، لكنه في الوقت نفسه يُخفي وراءه واقعاً سياسياً مأساوياً يكشف حجم الفانتازيا السياسية في العالم العربي بأكمله، وليس فقط في الأردن.

المشهد يكاد يكون نسخة طبق الأصل من المقطع الكوميدي للفنان المصري عادل إمام في فيلمه «الواد محروس بتاع الوزير» عندما يفتعل مشاجرة كبيرة داخل البرلمان (كان يُسمى في مصر مجلس الشعب) وهو المقطع الذي سرعان ما انتبه له الأردنيون وتداولوه للسخرية مما حدث في البرلمان.

بل حتى بعض الشتائم والألفاظ الخارجة، التي سبقت المشاجرة تم استخدامها في المشهدين على حد سواء، فضلاً عن بعض التفاصيل الأخرى التي تكررت في الحالتين.

لكنَّ الأهم من هذا المشهد الساخر أنه يكشف واقعاً سياسياً مأساوياً في العالم العربي، إذ إن هؤلاء المتصارعين بالأيدي والقاذفين الشتائم لبعضهم بعضاً، هم النخبة السياسية والتشريعية التي كانت تناقش «تعديلات دستورية» من شأنها أن تؤثر في مستقبل البلاد والعباد، ومعروف أن الدستور هو القانون الأساس والأعلى في أي بلد، وهو الذي يرسم ويُشكل النظام السياسي للبلاد.

وهذا يفتح الباب واسعاً أمام جملة من الأسئلة الكبيرة والمشروعة أهمها:

ما مدى أهلية هذه النخبة للقيام بهذه المهمة؟ وهل كان الشجار مفتعلاً، لإظهار أن العملية الديمقراطية والممارسة البرلمانية لا تنجح في بلادنا العربية؟ وهل صحيح ما يتداوله البعض من أن المشاجرة والفوضى تهدف لتمرير سريع لهذه التعديلات الدستورية؟

ثمة الكثير من الأسئلة وراء مشهد المشاجرة الأردنية، وجميعها أسئلة مشروعة يتداولها الأردنيون في ما بينهم، لكنَّ السؤال الأهم: لماذا تصل كل تجربة ديمقراطية في عالمنا العربي إلى نهاية بائسة؟ ولماذا يُراد إقناعنا دوماً بأننا لا نستطيع ممارسة الديمقراطية ولا نتقبلُ الرأي الآخر، ولا نؤمن بالحريات ولا احترام بعضنا بعضاً؟!

في الأردن يوجد شعب متحضر ومثقف وواع ومتعلم، إذ يكفي الاشارة الى أن نسبة الأمية في البلاد وصلت إلى خمسة في المئة، وهي واحدة من أقل النسب في العالم، أما نسبة الالتحاق بالتعليم العالي فتصل إلى 2.5% من إجمالي عدد السكان، وهي نسبة مماثلة لتلك التي يتم تسجيلها في بريطانيا، وأعلى مما يتم تسجيله في الولايات المتحدة، والكثير من دول العالم المتحضر.

يُضاف الى ذلك أن المؤسسات البحثية والعلمية الكبرى في العالم تزدحم بالأردنيين المؤهلين من مختلف التخصصات وفي المجالات كافة.. وهذه البيانات كلها تدفع إلى الاعتقاد بأن الأردن لديه المقومات والمؤهلات كافة، لممارسة ديمقراطية متحضرة لا تنتهي بتحويل قبة البرلمان إلى حلبة مصارعة، ومنصة لتبادل الشتائم والألفاظ النابية.

في عالمنا العربي يتم إفساد وإفشال كل عملية ديمقراطية، ويتم تخريب كل مسار قد يؤدي إلى تعزيز الحريات وحقوق الإنسان، وهذا لا يتوقف عند تحويل برلمان الأردن إلى حلبة مصارعة بدلاً من جهاز تشريع، إذ الأمر ذاته حدث في مصر وتونس وليبيا واليمن وأكثر من مكان.

إذ أن قوى الشد العكسي وقوى الثورات المضادة، سرعان ما تعمل على إفساد العمل الديمقراطي، وإظهاره بأنه «حالة فوضى» لإقناع الناس بأنهم لا يصلحون لحكم أنفسهم، ولا يصلحون لممارسة الحرية، وإنما يصلحون فقط للالتفاف حول الحاكم على كل علاته وسوءاته.

حقيقة الأمر أن برلمان الأردن لا يمثل الشارع الحقيقي هناك، وقد تشكل نتيجة لانتخابات سجلت أدنى نسبة مشاركة في تاريخ البلاد، ولذلك يسميه المثقفون «برلمان 29%» في اشارة الى أنَّ الذين انتخبوه هم 29% فقط من الناخبين.

أما الأردنيون فلديهم القدرة بكل على تأكيد على خلق نموذج ديمقراطي متحضر ومنتج وبنَّاء وقد فعلوا ذلك من قبل ونجحوا. والأمر ذاته ينسحب على أقطارنا العربية الأخرى.

إذ لا شك في أن شعوبها تستطيع أن تضرب أروع الأمثلة في العمل الديمقراطي، الذي يقوم على احترام الحقوق والحريات ويتفاعل بالحوار البناء، وقد شوهدت هذه الصور الباهية في ثورة الياسمين في تونس، وثورة يناير في مصر وفي أكثر من مكان من عالمنا العربي، قبل أن يأتي من يُفسد على الناس ديمقراطيتهم، وقبل أن يبدأ إقناع عوام الناس بأن الديمقراطية والحرية لا تصلح لهم.

* محمد عايش كاتب صحفي فلسطيني

المصدر | القدس العربي