السبت 26 فبراير 2022 05:02 م

العراق.. و«الفيدرالية النفطية»

ما مصير العقود المبرمة مع الشركات العالمية في الإقليم والتي اعتبرتها حكومةُ بغداد باطلةً؟

أبطلت المحكمة عقودَ أبرمتها حكومة كردستان مع شركات وأطراف ودول وألزمتها بتسليم النفط والغاز بالإقليم وجواره لحكومة بغداد.

العراق بلد فيدرالي وليس كونفيدرالي، وثروته ملك للشعب، وبالتالي تكون إدارة تجارته الخارجية من اختصاص الحكومة المركزية.

تداعيات خطيرة قد تؤدي لمواجهة تحديات «الفيدرالية النفطية» في ضوء علاقة الحكومة الاتحادية بالمحافظات والأقاليم المنتجة للنفط خاصة تحديد التوزيع العادل للثروة.

رفضت حكومة أربيل قرار المحكمة الاتحادية واعتبرته غير عادل وغير دستوري ويتعارض مع حقوقها وسلطاتها الدستورية وستتخذ الإجراءات الدستورية والقانونية والقضائية لحماية العقود المبرمة.

* * *

بعد انتظار دام نحو 10 سنوات، واستناداً إلى شكويين قُدمتا في عامي 2012 و2019، ومع الأخذ في الاعتبار التطورات الأمنية والخلافات السياسية التي ساهمت في تأخير البت بهما، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في بغداد، يوم 15 فبراير الجاري، حكمها بعدم دستورية قانون النفط والغاز المعتمد من قبل حكومة إقليم كردستان منذ عام2007.

واعتبرت العقودَ التي أبرمتها حكومة الإقليم مع شركات وأطراف ودول عقوداً «باطلة»، وألزمتها بتسليم كل النفط والغاز في الإقليم ومناطق جواره إلى الحكومة الاتحادية في بغداد. مع التأكيد على أن هذا الحكم «دستوري وقطعي» ولا جدال فيه.

وفي المقابل، رفضت حكومة أربيل قرار المحكمة واعتبرته «غير عادل وغير دستوري»، ويتعارض مع الحقوق والسلطات الدستورية لإقليم كردستان، مؤكدةً أنها ستتخذ جميع الإجراءات الدستورية والقانونية والقضائية، لضمان حماية العقود المبرمة، وهي تتمسك بتنفيذ المادتين 112 و115 من دستور الجمهورية «لإدارة النفط والغاز اللذين يتم استخراجهما في الإقليم، من حقول لم تكن مستثمرةً قبل عام 2005»، أي تقريباً كل الحقول المستثمرة حالياً.

ولوحظ أن المجلس الوزاري للأمن الوطني، تحرك بسرعة مستدركاً أهمية وخطورة التداعيات، وعقد اجتماعاً في 16 فبراير، برئاسة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وقرر تكليفَ وزارة النفط بالتواصل والتنسيق مع حكومة أربيل والشركات والدول المعنية، لإعداد الآليات والخطوات الكفيلة بإدارة هذا الملف، وفقاً لأحكام الدستور والمصلحة الوطنية العليا.

لقد أحدث هذا التطور ردات فعل إيجابية مع تأييد القرار، انطلاقاً من أن العراق بلد فيدرالي وليس كونفيدرالي، وثروته هي ملك للشعب، وبالتالي تكون إدارة تجارته الخارجية من اختصاص الحكومة المركزية ممثلةً بشركة «سومو» وفق المادة 110 من الدستور العراقي.

أما ردود الفعل السلبية فهي تهدد بتداعيات خطيرة قد تؤدي إلى مواجهة تحديات «الفيدرالية النفطية» في ضوء علاقة الحكومة الاتحادية بالمحافظات والأقاليم المنتجة للنفط، خصوصاً لجهة تحديد التوزيع العادل للثروة، ودخول الكتل السياسية «ساحةَ المنافسة»، وتوسيع صلاحيات المناطق لتمكينها من تحقيق التنمية المستدامة والقضاء تدريجيا على الفقر الذي يعانيه سكانُها.

مع العلم أن هذا التطور قد يدفع المحافظات غير المنتجة للمطالبة باستخراج النفط من مناطقها، في إطار تحقيق الإنماء المتوازن، الأمر الذي يفقد أهمية تماسك الصناعة النفطية الوطنية ويضرب وحدتها.

وإذا كان إقليم كردستان ينتج أقل من 500 ألف برميل يومياً، فإن محافظة البصرة تنتج 3 ملايين برميل يومياً، وذلك من أصل 4.2 مليون برميل يومياً هي مجموع الإنتاج العراقي.

لكن يظهر الفرق الكبير بين حصة كل منهما في الموازنة الاتحادية، ففي العام الماضي بلغت حصة الإقليم 13 تريليون دينار، مقابل فقط 1.1 تريليون دينار للبصرة.

ويحذر نواب المنطقة من الغبن والاستخفاف بحقوق المحافظة في موازنات الدولة، ويطالبون بضرورة منحها حقوقَها المشروعةَ لدورها التاريخي والاستراتيجي والمستقبلي في حياة العراقيين. لكن يبقى السؤال: ما هو مصير العقود المبرمة مع الشركات العالمية في الإقليم والتي اعتبرتها حكومةُ بغداد باطلةً؟ تقوم حالياً 40 شركةً أجنبيةً من 19 دولةً بالاستثمار في حقول كردستان (منها أميركية وأوروبية وتركية وصينية).

ورغم معرفتها مسبقاً بحجم المخاطر السياسية، وتداعيات الخلاف المزمن بين أربيل وبغداد، فقد أقدمت هذه الشركات على الاستثمار في الإقليم، للاستفادة من شروطه التجارية المغرية، إلى درجة تجعلها تتقبل تلك المخاطر.

أما بالنسبة لمصير أعمالها فهو مرهون بنتائج الاتفاق المرتقب لحل الخلاف القائم، وإسراع مجلس النواب بتشريع قانون النفط والغاز، بما يتلاءم مع نصوص الدستور ومصلحة الشعب العراقي الممتد من كردستان إلى البصرة.

* عدنان كريمة كاتب لبناني متخصص في القضايا الاقتصادية

المصدر | الاتحاد