الخميس 10 مارس 2022 11:10 ص

أجبر تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الأسبوع الماضي حكومات الشرق الأوسط على كشف حقيقة مواقفها تجاه الغزو الروسي لأوكرانيا، وكانت هذه الجلسة الاستثنائية الأولى التي تعقدها الجمعية منذ 25 عامًا، أما النتيجة النهائية فكانت دعم 141 دولة لقرار إدانة روسيا، بينما هناك دول 3 فقط (بصرف النظر عن روسيا وروسيا البيضاء) تحالفت مع عدوان الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، وهي: إريتريا، وكوريا الشمالية، وسوريا.

وبما أن الولايات المتحدة قدمت نفسها كأنشط داعم دولي لأوكرانيا، فإن التصويت تطلب من كل دولة إجراء حسابات معقدة لمصالحها الوطنية والتعامل مع معضلة "ضرورة دعم طرف واضح" إما واشنطن أو موسكو.

في هذا السياق، تجلت عزلة روسيا بشكل واضح، فقد تبين أنها لم تحصد إلا القليل من سنوات الاستثمار في إقامة روابط دبلوماسية واقتصادية مع الشرق الأوسط في عهد "بوتين". فقد دعمت معظم دول الشرق الأوسط الموقف الأمريكي بما في ذلك الأردن والكويت ولبنان وعُمان وقطر والسعودية.

وقد فعل الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" نفس الشيء، وكذلك فعل الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان". حتى الإمارات، التي حاولت تجنب الانحياز والامتناع عن التصويت ضد روسيا في مجلس الأمن قبل أيام قليلة، عادت للاصطفاف في الصف.

وكما كان الحال من قبل، تمكنت الولايات المتحدة من الضغط على حلفائها ليظهروا عرضًا عامًا للولاء، أما روسيا فقد تم صدها بعنف. لكن كانت هناك لفتات منحت الكرملين ارتياحا حيث اختارت الجزائر والسودان والعراق وإيران عدم الانحياز وامتنعوا عن التصويت.

أما المغرب فقد تبنت نهجا أكثر تهربا، فقد اختارت الامتناع عن التصويت، وانضمت إلى القائمة القصيرة للبلدان التي اختفى سفيرها عندما حان وقت اتخاذ القرار ولم يتم تسجيل تصويت بالنسبة لها.

إهانة "بوتين"

من بين الممتنعين عن التصويت، ربما يكون العراق أكثر دولة تسببت في سعادة "بوتين". لكن قرار العراق بعدم الانحياز لأحد الجانبين لم يكن مدفوعًا باحترام موسكو، بل كان متأثرا بالصراع من أجل الهيمنة بين قادة الفصائل المؤيدين لإيران والمؤيدين لأمريكا في برلمان وحكومة بغداد، ولا علاقة له بسلوك روسيا في غزو أوكرانيا.

وترى موسكو أن أهم محاورها في الشرق الأوسط هي تركيا وإسرائيل وإيران، لذلك كان من المهين لـ"بوتين" بالتأكيد أن قادة اثنين منها، تركيا وإسرائيل، عرضا التوسط في أزمة أوكرانيا.

فبدلًا من أن تكون اللاعب والوسيط المهيمن، كما كان في صراع 2020 بين أرمينيا وأذربيجان بشأن ناغورنو كاراباخ، أصبحت هي مادة الوساطة وتحت ضغط دولي لتغيير سياساتها والتراجع، في اختزال كبير ومهين لوضعها.

وبذل "بوتين" جهوده في السنوات الأخيرة للتقرب من "أردوغان" لتخفيف علاقاته مع الناتو وواشنطن، وباع لتركيا منظومة الدفاع الجوي "S400" المتقدمة. وفي إغضاب لحليف موسكو "بشار الأسد"، أعطى "أردوغان" الضوء الأخضر لغزو شمالي سوريا ضد الميليشيات الكردية ودعم فصائل المعارضة في إدلب.

لكن روسيا لم تحصل في المقابل إلا على القليل. فقد أدانت تركيا غزو روسيا لأوكرانيا، ونددت به باعتباره انتهاكًا للقانون الدولي. كما أغلقت البوسفور أمام 4 سفن حربية روسية أرادت دخول البحر الأسود، وباعت الطائرات المسيرة إلى أوكرانيا. وتعد الميزة الوحيدة التي قدمتها تركيا لموسكو هي أنها لم تنضم إلى حملة العقوبات الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة ضد روسيا.

تودد إسرائيل

وبصرف النظر عن سوريا، فإن إسرائيل هي الدولة الشرق أوسطية الوحيدة التي يمتلك "بوتين" أفضل علاقات معها في أعقاب غزوه لأوكرنيا. وكان رد فعل الخارجية الإسرائيلية على الغزو الروسي لينًا لأقصى الحدود، ولم تذكر روسيا وإنما أعربت عن قلقها فقط بشأن "الخطوات المتخذة في شرق أوكرانيا".

ولم يدن رئيس الوزراء الإسرائيلي "نفتالي بينيت" الغزو. وكانت هذه مكافأة التجاهل الروسي للانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للمجال الجوي السوري من أجل قصف أهداف تابعة لإيران و"حزب الله". كما منعت روسيا قوات النظام السوري من استخدام صواريخ "S-300" ضد الطائرات الإسرائيلية.

وقال الكاتب الإسرائيلي "روي إيزاكوفيتز" إن "الاستراتيجيين الإسرائيليين يربطون بين فقدان البطاقة الروسية في سوريا والتوسع الذي لا يمكن تصوره في النفوذ الإيراني في كل من سوريا ولبنان"، وبالتالي يرى أن تكلفة إدانة روسيا ستكون عالية.

أما السبب الثاني للصمت الإسرائيلي هو التشابه الذي يرصده العديد من المراقبين بين القصف الروسي الوحشي للمدن الأوكرانية والقصف الإسرائيلي لغزة. وهناك أيضًا تشابه "بين محاولة روسيا فرض قوميتها العرقية على جيرانها وسياسة إسرائيل المماثلة التي استمرت 50 عامًا"، وفقًا لما يراه "إيزاكوفيتز".

بالتأكيد شعر "بوتين" بالرضا عن مقاومة إسرائيل للضغط الأمريكي كي تشارك في رعاية قرار مجلس الأمن الذي يدين روسيا. وبالرغم أن صوت إسرائيل الفعلي كان ضد روسيا، لكن "بينيت" سافر بسرعة إلى موسكو لشرح موقف إسرائيل ولكي يظهر للعالم أن "بوتين" لم يكن معزولًا. لكن عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي للتوسط لا يمكن أن يسعد ديكتاتور الكرملين.

في نهاية المطاف، لم يترك غزو "بوتين" لأوكرانيا إلا صديقًا واحدًا فقط له في الشرق الأوسط هو "بشار الأسد" الذي لا يستطيع أن يعض اليد الروسية التي تدعمه.

وعدا ذلك، فإن الحرب التي أطلقها "بوتين" كانت كارثة لاستراتيجية روسيا المبنية بعناية لتعزيز صورتها ونفوذها. وليس من المبالغة القول إن روسيا تواجه أكبر ضربة إقليمية لمصالحها منذ أن طرد الرئيس المصري "أنور السادات" المستشارين السوفييت قبل نصف قرن. وسوف يستغرق هذا الجرح الذي تسببت فيه روسيا لنفسها عقودًا كي يندمل.

المصدر | جوناثان ستيل | ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد