السبت 21 مايو 2022 10:29 ص

على مدار أشهر، كان الخلاف بين الرئيس الأمريكي "جو بايدن"، وولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" على أشده، في توتر للعلاقات السعودية الأمريكية، ظهر على السطح، لكن الأسابيع الماضية، شهدت بوادر انفراجة قد تشي بلقاء مرتقب بين الاثنين، خلال الشهر المقبل.

ومع مضي ما يقرب من عام ونصف على تولي الرئيس الديمقراطي "جو بايدن" السلطة، حدث خلال هذه الفترة تحوّلا هائلا في السياسة الخارجية الأمريكية في فترة وجيزة.

وعلى عكس بعض التحولات الإيجابية التي حدثت في المنطقة بعد مجيء "بايدن" كالدفع باتجاه إنهاء الأزمة الخليجية وإعادة التأكيد على التزام الولايات المتحدة بحل الدولتين للصراع الفلسطيني الإسرائيلي بعدما تراجع خلال ولاية سلفه "دونالد ترامب"، فإن السياسة التي انتهجها في العلاقة مع السعودية، الحليف العربي الأكبر لواشنطن في المنطقة، تسببت بتوتر غير مسبوق في العلاقات.

فلم تكن وعوده في حملته الانتخابية بجعل السعودية "منبوذة" في عهده، للاستهلاك الانتخابي، لكنّه في غضون أسابيع قليلة من توليه السلطة، أثبت أنه جاد فعلا في تحقيق وعده.

خلاف من اليوم الأول

وفي أول خطاب له عن السياسة الخارجية، أعلن "بايدن" إنهاء الدعم العسكري الأمريكي للتحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن، أعقبه برفع الحوثيين عن قائمة الإرهاب.

وبعد ذلك بأسابيع قليلة، سمح بنشر أجزاء من التقرير السري للاستخبارات الأمريكية حول قضية الصحفي "جمال خاشقجي"، والتي تدين ضمنيا القيادة السعودية وعلى رأسها "بن سلمان".

وعلى الرغم من أن هذه القرارات كانت متوقعة منذ البداية، فإن كثيرين اعتقدوا وقتها أن سياسة "بايدن" تجاه السعودية ستوازن بين الضغط عليها من جهة، وبين الحفاظ على حد مقبول من التواصل التقليدي معها من جهة أخرى.

لكنّ هذا الاعتقاد كان خاطئا، وقد تجنب المسؤولون الكبار في الإدارة الأمريكية، على غرار وزيري الخارجية والدفاع زيارة السعودية، رغم أنّهم أجروا جولات في المنطقة.

كما تجنب "بايدن" التواصل الهاتفي مع "بن سلمان"، في سابقة في تاريخ الشراكة السعودية الأمريكية الممتدة منذ نحو 8 عقود.

وجاء ترشيح "بايدن" لشخص "مايكل راتني" لمنصب سفير الولايات المتحدة لدى السعودية، تصعيدا وإصرارا على التخفيض من مستوى التمثيل الأمريكي في المملكة، في خطوة مخيبة لآمال السعوديين، إن لم تكن إهانة لولي العهد، حيث إن السفراء الأمريكيين للسعودية، كانوا من الناحية التاريخية من المعينين سياسياً بعلاقات قوية مع الجيش، وهو أمر غير متوفر لـ"راتني".

هذا فضلا عن مساعي "بايدن" للتقارب مع إيران لإبرام صفقة تعيدها للاتفاق النووي، وهي الخطوة التي تثير حفيظة السعوديين.

الخلاصة أن "بايدن" اعتقد أن مواصلة تجاهل السعودية والضغط عليها، سيُساعده في إبرام تسوية سياسية للصراع اليمني وترويض "بن سلمان" بأقل الأضرار على العلاقة مع الرياض.

كل هذا دفع السعودية للتفكير في التعويل على عودة "ترامب" إلى السلطة، من خلال رفض مساعدة الولايات المتحدة في معاقبة روسيا على غزو أوكرانيا، وعن طريق وضع ملياري دولار في صندوق استثمار جديد غير مجرب يديره "جاريد كوشنر" صهر "ترامب" ومستشاره.

لكنّ الحرب الروسية الأوكرانية سُرعان ما غيّرت من الحسابات الأمريكية، وعلى مدى الأشهر الثلاثة الماضية، كثّفت إدارة "بايدن" تواصلها مع الرياض وأبوظبي لإقناعهما بزيادة إنتاج النفط لكبح ارتفاع الأسعار، لكنّ جهودها باءت بالإخفاق.

ورأى مراقبون، في الطلب الأمريكي والرفض السعودي، مدى السوء الذي يمر فيه تحالف إستراتيجي تاريخي غيّر من الوجه الأمني والسياسي لمنطقة الشرق الأوسط.

صحيح أن هذا التحالف لم يخل من هزات في بعض الفترات، كأزمة الحظر النفطي العربي في 1973، وتداعيات هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على العلاقات، والتدهور الإضافي الذي سلكته عقب إبرام إدارة "باراك أوباما" للاتفاق النووي مع إيران في 2015، حيث لم تصل إلى المستوى الحالي من التوتر.

وتكمن المشكلة الواضحة في العلاقات في العداء الشخصي الذي يكنه "بايدن" للأمير "بن سلمان"، لكن ذلك ليس السبب الرئيسي، فالحقيقة هي أن العلاقات بدأت تتراجع بالفعل في عهد "أوباما" عندما بدأت الولايات المتحدة تحت قيادة الديمقراطيين، تحويل اهتمامها من الشرق الأوسط، نحو آسيا لمواجهة الصعود الصيني، وهذا يفسر على نحو كبير التراجع في الشراكة.

ويفسره أيضا النجاحات التي حققها "بايدن"، خلال فترة ولايته، بعيدا عن الشرق الأوسط، حيث أعادت إدارته الحيوية للتحالف بين ضفتي الأطلسي بعدما ضعفت بشكل كبير خلال عهد "ترامب"، واستضاف قمة الديمقراطيات لإعادة التأكيد على تمسك الولايات المتحدة بالقيم الديمقراطية في سياساتها الخارجية، بعدما انحرفت عن هذا النهج خلال عهد سلفه.

كما حشد الغرب بشكل مثير للاهتمام ضد روسيا بعد غزوها لأوكرانيا، وزار أوروبا أكثر من مرّة لإظهار التزام بلاده بالأمن الأوروبي، ودفع الأوروبيين للشروع في عملية التخلص من الاعتماد على الغاز الروسي وزيادة إنفاقهم العسكري.

ولكن وجد "بايدن" نفسه مضطرا في النهاية إلى التواصل مع السعودية، بحثا عن استقرار سوق النفط، ليرسل في منتصف أبريل/نيسان الماضي، مدير الاستخبارات "وليام بيرنز"، في زيارة غير معلنة إلى المملكة ليجتمع بولي العهد في جدّة.

وعلى الرغم من أن واشنطن والرياض لم تؤكدا الزيارة، فإن صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية التي نشرت مؤخرا معلومات مثيرة حول التوتر الأمريكي السعودي، قالت إن المحادثات سرت بشكل جيد.

تقييم إيجابي

وكان ذلك بمثابة أول تقييم أمريكي غير رسمي "إيجابي" لمسار العلاقات بين الطرفين في عهد "بايدن".

وسبق أن شغل "بيرنز" مناصب عديدة في منطقة الشرق الأوسط ويُتقن اللغة العربية ولديه خبرة واسعة في الدبلوماسية السرية.

ويبدو أن اختياره من جانب "بايدن" لمهمة إصلاح العلاقات، يرجع إلى قدرته على الإنصات بشكل أفضل للرياض، وفهم أعمق لهواجسها واحتياجاتها.

ما يضغط على "بايدن" اليوم للتخلي عن نهج تجاهل السعودية هو النفط بصورة رئيسية، ولا يرتبط الأمر بالعواقب التي ترتد على الاقتصاد الأمريكي، بل أصبح النفط الذي تمتلكه السعودية بوفرة سلاحا رئيسيا في الصراع الغربي الروسي.

ولا تبدو السعودية في الوقت الحالي مستعدة لمنح ما تريده الولايات المتحدة منها في قضية النفط من دون الحصول على ضمانات أمنية منها لحماية نفسها ومنشآتها النفطية من الهجمات التي يشنها وكلاء إيران في المنطقة.

وتقديم مثل هذه الضمانات يتطلب من "بايدن"، تغيير نهجه في العلاقات مع قادة المملكة والضغط على إيران والحوثيين لإبرام اتفاق سلام في اليمن يُلبي المصالح الأمنية السعودية والخليجية.

كما يتطلب منه رفع سقف الشروط الأمريكية لكبح النشاط الإقليمي الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة وتقييد قدرة طهران على إنتاج سلاح نووي ومعالجة ملف الصواريخ لديها قبل العودة للاتفاق النووي.

ويبدو أن إدارة "بايدن" بدأت تفهم بشكل أكبر هذه المتطلبات بترددها في رفع الحرس الثوري الإيراني عن قائمة الإرهاب، وإبداء صرامة في شروطها في المفاوضات النووية مع الإيرانيين.

ولا يملك الرئيس الأمريكي، خيارات كثيرة بهذا الخصوص، إذا ما أراد دفع السعودية إلى دعمه في قضية النفط مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحلفاء الأوروبيين يتضررون بشدة من تداعيات الصراع مع روسيا على أمن الطاقة، وسيلجؤون عاجلا أم آجلا إلى الضغط على واشنطن لإصلاح علاقاتها بالرياض.

وتحقيق هذه الغاية مرهون بوصول "بايدن" إلى قناعة كاملة بأن الشخص الذي يسعى لنبذه في السعودية هو ولي العهد وليس أحدا آخر، ويقود المملكة نحو تحولات كبيرة داخلية وخارجية.

وربما يعتقد الأمريكيون بأن السعودية لا يُمكن أن تجد بديلا عنهم في ضمان أمنها، لكنّ الأزمات عادة ما تخلق فرصا كبيرة، ويبدو أن الأمير "بن سلمان" مستعد أكثر من أي وقت مضى لتحويل الأزمة في العلاقات مع الولايات المتحدة، إلى فرصة إذا ما وجد أن الشراكة مع واشنطن لم تعد ذات جدوى.

ويبدو الطريق إلى إصلاح العلاقات واضحا، ولا يحتاج للكثير من التفكير، والعبء الرئيسي في ذلك يقع بشكل أساسي على "بايدن" لتقرير ما إذا كانت السعودية لا تزال حليفا إستراتيجيا مهما للولايات المتحدة.

وإذا كان "بايدن" يرى أن الضغط على السعودية سيدفعها إلى تغيير نهجها في القضايا التي هي محل خلاف في العلاقات، فإن مثل هذا الضغط قد يأتي بنتائج عكسية.

وأمام ذلك، تصدر خلال اليومين الماضيين، أحاديث عن زيارة "بايدن" إلى السعودية، ضمن جولة في الشرق الأوسط، لم يعلن إلا عن إسرائيل فيها الآن.

لماذا الآن؟

وإذا تمت الزيارة، فإنه قد يعقد لقاء مع "بن سلمان"، في تحول كبير في موقفه، الذي أصر عليه خلال الفرة الأخيرة، باقتصار تواصله مع المملكة في العاهل السعودي "سلمان بن عبدالعزيز".

يحصل ذلك في ظلّ زحمة أفكار تتداولها منذ مدّة وسائل إعلام أمريكية، خاصة الديمقراطية التوجّه منها، حول الشروط التي قد تتضمّنها تسوية ما للخلاف العميق بين البلدين، وبعضها يَرِد على شكل "نصائح" لـ"بايدن" بإبطاء عملية إعادة العلاقات مع المملكة إلى طبيعتها، واستخدام ما تملكه واشنطن من أوراق لتحقيق أقصى ما يمكن من المصالح الأمريكية.

غير أن ثمّة تسليماً لدى وسائل الإعلام تلك، بأن الوقت قد حان للانتقال بالعلاقات إلى مرحلة ما بعد اغتيال "خاشقجي"، ما يوحي بأن "بايدن" قد يكون مستعدّاً للمساومة على دم الرجل، على رغم حساسية الملفّ في الداخل الأمريكي، ولاسيّما بعد التبعات القانونية التي رتّبها، ومن ضمنها حظر سفر عدد كبير من المسؤولين السعوديين الذين اعتُبروا متورّطين في الجريمة.

بالنسبة لـ"بن سلمان"، يندرج الأمر في سياق أوسع من تأمين التأييد الكافي للنظام، والذي يمكّنه من تنفيذ عملية انتقال سلسة للحكم، مشابهة لتلك التي حصلت في الإمارات قبل أيام بعد وفاة "خليفة بن زايد"، واختيار "محمد بن زايد" خلَفاً له في ظلّ مبايعة دولية تمثّلت بتوافد الكثير من القادة في الإقليم والعالم إلى أبوظبي، ولاسيّما نائبة الرئيس الأمريكي "كمالا هاريس".

أكثر من ذلك، يعمل وليّ العهد السعودي، منذ مدّة، على هدْي السياسة التي سبقه إليها "بن زايد" بمحاولة الخروج من التوتّرات التي كان قد زجّ بلاده فيها، عبر الانفتاح على تركيا وإيران، وفي المقابل التطبيع المبالَغ فيه مع إسرائيل، خصوصاً بإدخالها إلى الخليج كبديل للأمريكيين الذين يخفّضون تواجدهم في هذه المنطقة، مع تراجع مصالحهم فيها.

لكن الرهان الأساسي لـ"بن سلمان"، مِثل "بن زايد"، يبقى إسرائيل، التي وصفها في مقابلته الأخيرة، بأنها "حليف محتمل"، ليبقى السؤال يدور حول ما إذا كان سيتمكّن من السير في عملية تطبيع معلَنة، أم أنه سيكتفي بمزيد من تطوير العلاقات في السرّ.

وفي كلّ الأحوال، تقوم إسرائيل بوساطة بين "بن سلمان" و"بايدن"، وقد تدخّلت أكثر من مرّة لتخفيف الضغط الأمريكي عليه، ومن الطبيعي أن أيّ مقاربة أمنية جديدة للولايات المتحدة في الخليج، سوف تشمل انخراطاً إسرائيلياً أكبر في العملية، مقابل التزامات أمريكية أقلّ.

ومع كلّ فشل أمريكي في الضغط على روسيا اقتصادياً جراء عمليتها في أوكرانيا، تزداد احتمالات اضطرار "بايدن" للتصالح مع "بن سلمان" بشروط أفضل للأخير، خاصة أن فكرة حظر النفط الروسي أوروبياً صارت مستبعدة، مع تصاعد الضغط على الاقتصادات الغربية التي يكاد ارتفاع أسعار النفط يخنقها.

وبالطبع، فإنّ ما عرضته "هاريس" على "بن زايد" خلال زيارتها الإمارات ينطبق على "بن سلمان"، أقلّه في ما يتعلّق بمقايضة رفع إنتاج النفط بتحقيق مطالب أمنية خليجية.

ولا تقتصر فوائد واشنطن من إعادة العلاقات الأمريكية السعودية عند النفط، فـ"بايدن" يضغط لإنهاء ملفّ المعتقلين في السعودية، ولا سيّما أبناء الأسرة، وهو ما ذكره المغرد الشهير "مجتهد" حين توقع انفراجة قريبة في هذا الملف.

كما ظهر عرض للمستشار الأمني السعودي السابق "سعد الجبري" المقرب من الولايات المتحدة، لـ"تسوية جميع الخلافات المالية والقانونية مع السعودية"، في حال أطلقت سلطات المملكة سراح أبنائه المعتقلين لديها.

أخيرا، بالنسبة لـ"بايدن"، يُعتبر التوصّل إلى اتفاق مع السعودية، بحلول موعد زيارته لإسرائيل، مهمّاً، لأنه يحتاج إلى أن يخلّف مثل هذا الاتفاق مفاعيله على أسواق النفط قبل الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

على أنه من غير المرجّح، بحسب الأطروحات الأمريكية المتداولة، أن يؤدي أيّ اتفاق سعودي - أمريكي إلى عودة واشنطن عن القرار الاستراتيجي بتخفيف التواجد في الشرق الأوسط، وبالتالي فإن أيّاً من الطرفين لن يتراجع تماماً عن تنويع رهاناته.

بالنسبة للسعودية، قد تقبل بالتخلّي عن ما يزعج الأمريكيين في علاقتها مع الصين، مثل التلويح بشراء صواريخ باليستية ضمن برنامج سرّي أُطلق عليه اسم "التمساح"، أو التعامل باليوان في تجارة النفط، لكن الرياض ستُواصل تحسين علاقتها ببكين، وكذلك بموسكو، وإن كان سيتوجّب عليها بلا شكّ رفع مستوى إنتاج النفط، والذي يعني عملياً فكّ التحالف غير المعلَن مع موسكو في إطار "أوبك بلس".

المصدر | الخليج الجديد