الثلاثاء 24 مايو 2022 08:18 ص

معضلة علاقات دول الخليج الأمنية والحليف الأمريكي

تشهد العلاقات الخليجية الأمريكية امتحانا صعبا بسبب العلاقة غير المتوازية بين طرفي المعادلة.

الولايات المتحدة القطب الأكثر قوة ونفوذا عسكريا وسياسيا واقتصاديا على المستوى الدولي ودول الخليج التي مرت بأكبر أزمة.

أثبت بوتين بغزوه أوكرانيا وتهديده لأمن أوروبا وتغيير الجغرافيا والحدود في قلب أوروبا بعد 30 عاماً من انتصار الغرب، خطأ وتسرع إعلان الغرب انتصاره على الشرق.

تناقش نظرية «المعضلة الأمنية» في العلاقات الدولية العلاقة غير المتوازية بين حليفين، أحدهما قوي والآخر ضعيف، ويبقى الحليف الضعيف أسيرا المبالغة في علاقته بالحليف القوي.

رغم أن الصين الشريك التجاري الأول لدول الخليج، لا تملك القدرات والانتشار والخبرة العسكرية والإرادة السياسية والتحدي لتملأ فراغ التراجع الأمريكي بالمنطقة ما يضع دول الخليج أمام معضلة أمنية حقيقية.

* * *

شهدت العلاقات الخليجية الأمريكية إرهاصات وتقلبات خلال العقود الثلاثة الماضية منذ قيادة الولايات المتحدة الأمريكية تحالفاً دولياً لتحرير دولة الكويت، وأنهى احتلال العراق، وكُرس نظام عالمي وإقليمي خليجي ـ شرق أوسطي جديد، تزامن ذلك مع سقوط الاتحاد السوفياتي ومعه الشيوعية.

شجع سيطرة نظام أحادي القطبية بهيمنة أمريكية مطلقة بعض المفكرين البارزين مثل فرانسيس فوكوياما ليكتب مستعجلا انتصار الغرب ونهاية التاريخ.

لكن أثبت الرئيس الروسي بوتين بغزوه أوكرانيا وتهديده لأمن أوروبا وتغيير الجغرافيا والحدود في قلب أوروبا بعد ثلاثين عاماً من انتصار الغرب، خطأ وتسرع إعلان الغرب انتصاره على الشرق.

تشهد العلاقات الخليجية-الأمريكية امتحاناً صعباً بسبب العلاقة غير المتوازية بين طرفي المعادلة. الولايات المتحدة الأمريكية القطب الأكثر قوة ونفوذا عسكريا وسياسيا واقتصاديا على المستوى الدولي، ودول مجلس التعاون الخليجي التي مرت بأكبر أزمة من صنع بعض مكوناتها، عصفت بكيانها الضعيف وعرضتها للتهميش لثلاثة أعوام ونصف «الأزمة الخليجية» بين السعودية والإمارات والبحرين بالإضافة إلى مصر من طرف وقطر من طرف آخر في يونيو/حزيران 2017 ـ

وانتهت كما طالبنا وتوقعنا في كتابنا، أول كتاب أكاديمي عن «أزمات مجلس التعاون لدول الخليج العربية 2011-2019 بمصالحة وطي صفحة الخلاف «غير المكتمل» الأكثر تهديداً لكيان ودور أنجح تجمع إقليمي عربي.

تناقش نظرية «المعضلة الأمنية» في العلاقات الدولية، للباحث غلين سنايدر، العلاقة غير المتوازية بين حليفين، أحدهما قوي والآخر ضعيف. يبقى الحليف الضعيف أسيرا للمبالغة في علاقته مع الحليف القوي من معضلتين:

1. التبعية الدائمةـ

2. خشية هجران الحليف القوي للحليف الضعيف.

هذه المعضلة الأمنية تنطبق بشكل كبير على العلاقة بين الطرفين الخليجي ـ والأمريكي.

لعب الرئيس بوش الأب دوراً رئيسياً في تحرير دولة الكويت وبدأ بتكريس الوجود العسكري الدائم في المنطقة الذي تمدد ليصل إلى 50 ألف عسكري أمريكي في جميع دول مجلس التعاون الخليجي الستة من الكويت في أقصى شمال الخليج العربي إلى مسقط في جنوبه. مع قيادات للقوات البرية في الكويت والبحرية في البحرين والجوية في قطر. وحاملة طائرات وأسطولها المرافق وتخزين معدات عسكرية ثقيلة ضمن مسرح عمليات منطقة العمليات القتالية للقيادة المركزية المسؤولة عن جميع العلميات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.

بما فيها حروب أمريكا التي خاضتها في العراق وسوريا وأفغانستان واليمن والصومال وعلى تنظيم القاعدة وتنظيم داعش وغيرها، في حروب غير متناظرة.

عندما صُدمت دول مجلس التعاون الخليجي «بغدر إدارة أوباما» بعقد مفاوضات سرية مع إيران عام 2012 ـ للتوصل لاتفاق نووي يمنع إيران من أن تصبح دولة نووية في فترة رئاسته الثانية، وتراجعه عن توجيه ضربة عسكرية لبشار الأسد بعد خرق خطوطه الحمراء بشن هجوم بالسلاح الكيماوي على غوطتي دمشق في صيف 2013.

لنكتشف جميعاً أن ثمن ذلك التراجع كان لعدم إفشال مفاوضات النووي مع إيران!

ما أطلق يد إيران بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015 ـ لتفاخر وسط ذهول الحلفاء الخليجيين، بسيطرتها على أربع عواصم عربية تحت مرأى ومسمع الرئيس أوباما وفريقه السياسي والأمني والعسكري. ليكمل نائبه بايدن بترقية معظم قيادات أوباما، لمناصب أعلى في إدارته الحالية بمن فيهم انطوني بلينكن ووليم بيرنز وويندي تشيرمان.

كما صدم رد الرئيس دونالد ترامب على قصف إيران وأذرعها على الاعتداء على منشآت أرامكو في المنطقة الشرقية في ابقيق وخريص في السعودية الذي عطل انتاج وتكرار 5 ملايين برميل نفط سعودي يعادل نصف الإنتاج النفطي السعودي اليومي و5٪ من انتاج نفط العالم، بتبريره، «وقع الاعتداء في السعودية وليس في أمريكا»!

كذلك تكرر قصف جماعة أنصار الله الحوثيين على أهداف حيوية ونفطية ومطارات في الرياض وجدة وجيزان ونجران والطائف وظهران الجنوب دون موقف حازم من إدارة بايدن ـ واستهدف الحوثيون مطلع عام 2022-ابوظبي وقاعدة الظفرة الجوية قرب أبوظبي، يتمركز فيها 2000 عسكري أمريكي، ما تسبب بفتور في العلاقات بين دولة الإمارات العربية وإدارة بايدن ـ خاصة بعدما علقت الإمارات لخلافات مع إدارة بايدن، أكبر صفقة تسلح عسكرية لشراء 50 مقاتلة F-35 ـ ومعدات عسكرية وذخائر بقيمة 23 مليار دولار.

رافق ذلك كله، انسحاب إدارة بايدن المرتبك من أفغانستان بعد 20 عاماً من أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة، ما عمق ووسع أزمة عدم الثقة على المستويين الفردي والجماعي الخليجي بالولايات المتحدة ـ لمستويات غير مسبوقة. كما حدث مع شاه إيران وحسني مبارك وزين العابدين بن علي والأكراد في سوريا.

أما خشية دول مجلس التعاون الخليجي من التبعية ـ فكان بتهديد إيران بتوجيه ضربات لدول مجلس التعاون الخليجي في حال شنت الولايات المتحدة اعتداء عسكريا على إيران تكون إحدى الدول الخليجية قاعدة أو منصة انطلاق للاعتداء على مصالحها أو على أراضيها.

تجلي ذلك باغتيال الرئيس دونالد ترامب قاسم سليماني قائد فيلق القدس في مطار بغداد مطلع عام 2020.

ردت إيران بقصف بشكل مباشر للمرة الأولى أهداف أمريكية، قاعدة عين الأسد في العراق. صدمة دول مجلس التعاون، كان عدم تنسيق أو إطلاع إدارة ترامب الحلفاء الخليجيين على خططها حول اغتيال قاسم سليماني، باستثناء إسرائيل.

تبدو خيارات دول مجلس التعاون الخليجي الأمنية محدودة. بعد عام ونصف على المصالحة الخليجية غير المكتملة قي قمة العلا في السعودية في يناير 2021.

لكن لا وجود لسفير إماراتي وبحريني في الدوحة ولا سفير قطري في أبوظبي والمنامة، ولا تخطيط وتنسيق خليجي استراتيجي. كما لا يمكن التعويل واقعياً على قوى كبرى غير أمريكا.

وروسيا غارقة في مستنقع حرب متعثرة في أوكرانيا ومحاصرة وتخضع لعقوبات غربية. ورغم كون الصين الشريك التجاري الأكبر مع دول مجلس التعاون-لكنها لا تملك القدرات والانتشار والخبرة العسكرية والإرادة السياسية والتحدي لتملأ ولو جزئياً فراغ التراجع الأمريكي المتنامي في المنطقة. ما يضع دول المجلس أمام معضلة أمنية حقيقية.

* د. عبد الله خليفة الشايجي أستاذ العلوم السياسية، جامعة الكويت

المصدر | القدس العربي