الأحد 19 يونيو 2022 08:36 ص

بعد أشهر من التردد، قرر الرئيس الأمريكي "جو بايدن" أخيرًا الذهاب إلى السعودية في يوليو/تموز المقبل، ومن المتوقع أن يلتقي ولي العهد "محمد بن سلمان".

وتأتي زيارة "بايدن" الرئاسية الأولى إلى الشرق الأوسط في وقت حساس، حيث تضغط إسرائيل ودول خليجية على واشنطن للتخلي عن المفاوضات النووية واللجوء إلى خيارات أخرى للتعامل مع طهران.

ومع ذلك، فالواقع هو أنه لا يوجد حل عسكري لقضية إيران.

وتعيدنا مطالبات المسؤولين الإسرائيليين بإنشاء محور عسكري إقليمي ضد إيران لرؤية الرئيس السابق "دونالد ترامب" لـ"الناتو العربي"، وهو مفهوم لم يكن ناضجا أو عمليا وبالتالي لم يكن ليردع إيران عن الانخراط في أنشطتها الإقليمية ناهيك عن إقناعها بالتخلي عن طموحاتها النووية.

كما أن الدعوات لزيادة البصمة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط لا تتسق مع أجندة واشنطن، فقد حاول الرؤساء الأمريكيون منذ "باراك أوباما" تقليل التزاماتهم في المنطقة، وتمكين الجهات الفاعلة المحلية من تحمل عبء الأمن، ولا يعد "بايدن" استثناء في هذا الصدد.

وترى إدارة "بايدن" أن الشرق الأوسط لا ينبغي أن يكون تشتيتًا يستهلك الموارد الحيوية المطلوبة في التوجه الجيو-استراتيجي نحو آسيا والمحيط الهادئ.

ومن الناحية المثالية، تود واشنطن أن يكون الاتفاق النووي خطوة أولى نحو إطار أمني إقليمي يشمل إيران، بحيث تختفي المواجهة في الخليج العربي مع الجمهورية الإسلامية ويحل بدلا منها الجهود الدبلوماسية.

أمريكا وفاتورة الأمن الإقليمي

من غير المرجح أن توسع الولايات المتحدة بصمتها العسكرية الحالية التي تتضمن حوالي 50 ألف جندي في منطقة القيادة المركزية الأمريكية.

ومع ذلك، فإن هناك حصصًا غير متناسبة من الميزانية العسكرية الأمريكية تذهب إلى الشرق الأوسط، حيث تبلغ ما يقرب من 6 مليارات دولار سنويًا، ناهيك عن الـ2.7 مليار دولار التي تذهب لأفغانستان (بالرغم من انتهاء العمليات الكبرى في العراق وأفغانستان).

وتتصدر إسرائيل قائمة المستفيدين، حيث تلقت أكثر من 146 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية منذ عام 1946. ويتلقى الشركاء الإقليميون ما قيمته عشرات المليارات من الدولارات من التكنولوجيا العسكرية الأمريكية كل عام.

وبالرغم من كل هذه الجهود، لم تتمكن الولايات المتحدة من إنشاء بنية تحتية أمنية ذاتية الاستدامة في المنطقة، بحيث تتمكن دول المنطقة من أن تقوم بمسؤولياتها دون قيادة الولايات المتحدة.

هشاشة شركاء أمريكا

من الناحية الاستراتيجية، لا يوجد أرضية مشتركة أو ثقة كافية تقوم عليها أي اتفاقية أمنية شاملة في الشرق الأوسط. بالنسبة للعراق وقطر والكويت وعُمان، تعد إيران جزءًا لا يتجزأ من البنية التحتية الأمنية الإقليمية ويجب إشراكها. أما على نطاق أوسع، فتختلف تصورات التهديد والتعريفات الأمنية بشكل كبير بين مختلف الدول العربية وإسرائيل.

حتى لو كانت هناك مجموعة صغيرة من الدول - بما في ذلك السعودية والإمارات والبحرين وإسرائيل - ترى أن إيران هي أكبر تهديد للأمن والاستقرار الإقليميين، فإن طرق ووسائل استعدادهم لمعالجة هذه القضية تختلف بشكل كبير.

ولا ترغب أي من دول الخليج في المخاطرة بالتصعيد العسكري مع إيران لأنهم سيكونون على الخطوط الأمامية وسيتحملون تداعيات أي انتقام إيراني. وقد أظهرت الهجمات التي ترعاها إيران على البنية التحتية للنفط في الخليج عام 2019 هشاشة هذه الدول.

حتى إسرائيل - التي تبدو على الأقل من الناحية الخطابية أكثر الجهات المناهضة لإيران في المنطقة - تعد هشة للغاية أمام أي انتقام إيراني. فعلى الرغم من التدريبات الأخيرة التي أجراها الجيش الإسرائيلي والترقيات في قدراته الجوية، فإن وضع الردع هذا لا يمكن أن يغير حقيقة أن أي ضربة ضد البرنامج النووي الإيراني سيكون لها تكلفة وتداعيات عسكرية واسعة بالنسبة لإسرائيل.

وبالتالي، فليس من المستغرب أن تحاول إسرائيل الحفاظ على المواجهة المستمرة مع إيران في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام، وذلك باستخدام الوسائل السيبرانية والعمليات بالوكالة.

الافتقار للثقة والتنسيق

على المستوى العملياتي، فإن الافتقار العميق إلى الثقة بين مختلف دول الشرق الأوسط - بما في ذلك تلك الموجودة في مجلس التعاون الخليجي - يعني أنه من المستحيل تحقيق تكامل ذي مغزى على مستوى الأدوات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية. وفي حين يفترض أن قمة العُلا وضعت نهاية للأزمة الخليجية، إلا أن الثقة بين المتنافسين لم تتعاف بعد.

وعلى مدى 40 عامًا، كافحت دول مجلس التعاون الخليجي لدمج قواتها وقياداتها العسكرية. وفي حين أن البنية التحتية للقيادة الموحدة موجودة على الورق، وأن قوات درع الجزيرة المشتركة لديها قوات يمكنها تحقيق هذا الغرض، لكن الرؤى الأمنية المتعارضة بين دول الخليج بعد الربيع العربي عرقلت أي جهود للتكامل العسكري الخليجي كما لا يتم تبادل المعلومات الاستخباراتية بالرغم من وجود نظام لتبادل المعلومات.

ومن الصعب تخيل أن العديد من الدول العربية - بخلاف الإمارات أو البحرين - ستتبادل المعلومات الاستخباراتية مع إسرائيل.

أما فيما يتعلق بتكامل الأدوات العسكرية بشكل مجرد، فإن دول مجلس التعاون الخليجي تواجه أيضًا عقبات بسبب الافتقار إلى برامج مشتريات منسقة، وهي مشكلة ستظهر بشكل أكبر في ظل اتفاقية أمنية شرق أوسطية تشمل جيوشًا أقل تقدمًا من الناحية التكنولوجية.

وتعد جيوش دول الشرق الأوسط بمثابة حقيبة مختلطة من المنصات والتقنيات المختلفة التي لا يمكن دمجها بسهولة. وعلى سبيل المثال، يوجد في القوات الجوية للدول الخليجية الـ6، حوالي 7 منصات طائرات مقاتلة مختلفة قيد التشغيل.

لذلك لن يكون أي اتفاق أمني في الشرق الأوسط فعالا بشكل كبير. ويتطلب أي اتفاق من هذا القبيل فهماً أوسع للأمن خارج المجال العسكري، بما في ذلك خصائص المنطقة الرمادية لردع العمليات الإيرانية بالوكالة.

كما سيتطلب الأمر من القيادة الأمريكية التقريب بين مختلف البلدان وقادتها المفرطين في الطموح، وهو دور قيادي قد لا ترغب الولايات المتحدة في لعبه على المدى الطويل مع تركيز أولوياتها الجيوستراتيجية بعيدًا عن المنطقة.

وبدون ثقة ورؤية أمنية مشتركة، فإن أي "تحالف" في المنطقة سيكون مجرد "نمر من ورق"، أي أنه سيبدو خطيرًا وقويًا لكن دون فعالية حقيقية على الأرض، وسيفتقر للعمق اللازم للتعامل مع عمليات إيران التي تعتمد على شبكة الوكلاء في جميع أنحاء المنطقة.

المصدر | أندرياس كريج | ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد