الخميس 30 يونيو 2022 02:15 ص

تفاجأ الجميع عندما استقال نواب كتلة "الصدر" في البرلمان العراقي بأمر من زعيمهم القائد الشيعي البارز "مقتدى الصدر". واعتبر البعض هذه الخطوة فعلا أحمقا حيث تخلى "الصدر" عن أوراق قوة كونه قائد أكبر كتلة برلمانية تشمل 74 مقعدًا، وعن قيادة تحالف الأغلبية الذي يضم 182 مقعدًا.

لكن النظرة الأكثر تدقيقًا تكشف عن استراتيجية محسوبة جيدًا وأن المفاجأة هي أحد عناصرها فحسب.

الحاجة لتدخل إيراني

تلقى "الإطار التنسيقي" المنافس لـ"الصدر" والمؤيد لإيران، هدية غير متوقعة على شكل عشرات المقاعد البرلمانية الشاغرة التي خلفتها كتلة "الصدر". ويعطي ذلك "الإطار التنسيقي" ما بين 120 و 130 مقعدًا، وهو ما يكفي لقيادة عملية تشكيل الحكومة وبدء المعركة الصعبة المعتادة على الغنائم.

لكن النزاعات الداخلية العديدة داخل "الإطار التنسيقي"، والتي تم تجاهلها خلال مواجهته التي استمرت 6 أشهر مع "الصدر"، ستصعّب عليها جدًا تشكيل حكومة دون تدخل إيراني كبير.

وستكون هناك حاجة إلى فرض الانضباط داخل "الإطار التنسيقي" والضغط على السنة والأكراد المترددين (والذين تم شيطنتهم من قبل لتحالفهم السابق مع "الصدر") للانضمام إلى حكومة وحدة وطنية هشة لا يُتوقع أن تدوم مع غياب الصدريين.

ويمكن أن تكون الخطوة التالية لإيران حاسمة، حيث إنها تدرك جيدًا أن حكومة يهيمن عليها الشيعة بدون الصدريين تعني تكرار الاحتجاجات على نطاق أوسع بكثير من مظاهرات 2019 و 2020، حيث سيكون نفوذ إيران وحلفائها العراقيين في "الإطار التنسيقي" (والذي تحداه الصدريون بوضوح في الأشهر الأخيرة) هدفًا للمتظاهرين.

وبدا غضب إيران من "الصدر" واضحا، حيث هاجمت وسائل الإعلام الإيرانية "الصدر" بعد الاستقالة ووصفته بأنه "عائق أمام الوحدة".

وأخبرت مصادر مطلعة موقع "ميدل إيست آي" أن السياسيين الشيعة يتوقعون مبادرة إيرانية "لحل الأزمة" والمساعدة في إبقاء الصدريين داخل السياسة المؤسسية وبعيدًا عن سياسة الشوارع. ولكن ذلك سيعني فعليًا قبول طلب "الصدر" بتشكيل حكومة تقودها الأغلبية الصدرية.

ووفقًا لهؤلاء المطلعين، كانت إيران قبلت اقتراح "الصدر" سابقًا، لكنها طلبت ضمانات بعدم تفكيك الميليشيات المؤيدة للإيران ووقف جهود مكافحة الفساد التي تقوض لاعبي "الإطار التنسيقي"، خاصة رئيس الوزراء السابق "نوري المالكي".

ورفض "الصدر" إعطاء مثل هذه الضمانات، ولكن مع قرار الانسحاب من البرلمان قد تضطر إيران إلى إعادة النظر في موقفها لاستيعاب "الصدر" وقبول فقدان بعض الحلفاء في محاولة لتجنب خسائر أكبر في وقت لاحق.

هنا تأتي أهمية التوقيت، فقد قام "الصدر" بتحركه هذا في نهاية الفصل التشريعي الأول الذي استمر 4 أشهر، وقبل عطلة  تمتد شهرًا. وبالرغم أن رئيس البرلمان "محمد الحلبوسي" قبل رسميًا استقالة أعضاء الكتلة الصدرية - بناءً على طلب "الصدر" نفسه - فإن هذه الخطوة يمكن التراجع عنها.

البحث عن صفقة

في الطرق المظلمة للسياسة العراقية، تكتسب الصفقات أهمية أكثر من القانون، وتصبح هذه الاستقالات لا رجعة فيها فقط عندما يؤدي البرلمانيون البديلون اليمين الدستورية. ولن يحدث هذا قبل أن يبدأ الفصل التشريعي الجديد في 9 يوليو/تموز.

وإذا تم تأجيل أداء اليمين الدستورية لوقت لاحق، فإن هذا يتيح المزيد من الوقت للصفقات.

ويعد التظاهر بأن هذه القرارات نهائية ولا رجعة فيها جزءا من الضغط من أجل اتفاق لاستيعاب مطالب "الصدر". ولدى إيران و"الإطار التنسيقي" وقت كاف للعمل على هذه الصفقة إذا أرادوا تجنب مواجهة خيار أكثر صعوبة لاحقًا.

أما إذا لم تنجح هذه الصفقة، فسيتعين على "الإطار التنسيقي" قيادة الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة، والتي ستكون مهمة صعبة للغاية هذه المرة، حيث ستقف أكبر نقاط ضعف "الإطار التنسيقي" في طريقه: عجز أعضائه عن العمل معًا والسياسات قصيرة النظر التي أدت إلى تدمير علاقاته مع الحلفاء المحتملين، أي الأحزاب الكردية والسنية التي تحالفت مع "الصدر".

واتهم سياسيو "الإطار التنسيقي" هذه الأحزاب بالتعامل مع إسرائيل وزرع بذور الخلاف بين الشيعة. وكان الجناح المسلح لـ"الإطار التنسيقي" قد قصف أربيل (عاصمة إقليم كردستان)، ومقرات الأحزاب السنية. وسيتطلب تشكيل حكومة وحدة وطنية مشاركة هذه الأحزاب.

وتعد العقبة الرئيسية أمام تشكيل الحكومة هي "الثلث المعطل" الذي يعرقل انتخاب رئيس الجمهورية (عبر غياب 109 برلمانيًا عن جلسة انتخاب الرئيس)، ويمكن لهذه الأحزاب استخدامه لمنع تشكيل الحكومة أيضا لإجبار "الإطار التنسيقي" على تنازلات صعبة.

واستخدم "الإطار التنسيقي" استراتيجية "الثلث المعطّل" كأداة ابتزاز ضد التحالف الثلاثي الذي يقوده "الصدر"، لكن من المحتمل أن تُستخدم ضده هذه المرة.

ملاذ "الصدر" الأخير

سيكون اختيار "الصدر" النهائي إذا لم تحقق إيران و"الإطار التنسيقي" مطالبه، هو استخدام الشارع لإجبار الاثنين على قبول ما رفضوه من خلال البرلمان.

وإذا تمكن الصدريون من إصلاح العلاقات مع حركة الاحتجاج التي استهدفوها سابقا بحملة تشويه وهجمات مسلحة، فيمكنهم إنشاء قوة هائلة في الشوارع والاستفادة من غضب الناس المتصاعد من الطبقة السياسية الفاشلة التي يقودها "الإطار التنسيقي" الآن.

ويعد هذا التحالف الذي يحتمل أن يكون قويًا (وهو هدف يمكن للصدريون تحقيقه) هو أفضل رهان لكلا الجانبين - المتظاهرون والصدريون - لإقالة الطبقة السياسية الحالية.

وإذا نجح "الإطار التنسيقي" في تكوين حكومة جديدة، فمن المرجح تكرار الإخفاقات المعتادة لحكومات الوحدة الوطنية السابقة في ظل سوء الخدمات العامة وعدم وجود فرص اقتصادية والفساد المتصاعد وعدم المساءلة.

وفي ظل هذه الحكومة، فلن يتطلب الأمر سوى شرارة مناسبة لبدء الاحتجاجات التي تطيح بالحكومة الجديدة.

لكن أكبر مشكلة لدى الصدريين قد تكون في "لحظة النصر" حيث قد يرغب معظم المتظاهرين غير الصدريين في الإطاحة بالنظام السياسي بأكمله، في حين أن هدف الصدريين هو التخلص من المنافسين السياسيين الشيعة من خلال انتخابات مبكرة أخرى تأتي بفوز أكبر للصدريين يضمن حكومة يسيطر عليها الصدريون.

في النهاية، قد لا يكون التحدي الأكبر لـ"الصدر" هو "الإطار التنسيقي"، وإنما التحكم في القوى الهائلة التي سيساعدون في إطلاق العنان لها.

المصدر | عقيل عباس/ ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد