الخميس 30 يونيو 2022 02:51 م

تركيا تضع بصمتها على قمة الناتو

بعد أن صنّف الناتو روسيا في مفهومه الاستراتيجي لعام 2010 على أنها «شريك»، تمثل روسيا الآن «الخطر الأكثر إلحاحاً» على المنطقة الأوروبية الأطلسية.

تصدرت تركيا القمة بتوقيع مذكرة تفاهم ثلاثية مع السويد وفنلندا تتعهدان فيها بعدم توفير الدعم لتنظيمي وحدات الحماية الكردية ومنظمة غولن الإرهابيتين.

أرادت تركيا ضمان توضيح التصور المتعلق بـ"التهديد" في خطط الناتو الدفاعية جنوبا والتأكيد على أن منظمة غولن ووحدات الحماية الكردية من مصادر التهديد.

اجتمع زعماء الدول الأعضاء في «قمة تحولية» لمناقشة مستقبل الحلف. ولا شك في أن الهجوم الروسي على أوكرانيا شكّل الدافع الرئيسي لهذه «الهبّة الاستثنائية».

أظهر الناتو تضامنا كبيرا ضد التهديد الروسي القائم، لكن لا يتوقع أن تستسلم روسيا، رغم العقوبات الشديدة المفروضة عليها في خضم حرب أوكرانيا المستمرة.

* * *

تنتهي اليوم القمة ذات الأهمية الحاسمة لزعماء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي بدأت يوم الثلاثاء الماضي، واستمرت 3 أيام في العاصمة الإسبانية مدريد. وتصدرت تركيا المشهد واضعة بصمتها على القمة، من خلال توقيعها على مذكرة تفاهم ثلاثية مشتركة مع السويد وفنلندا.

ونصّت المذكرة على أن السويد وفنلندا تتعهدان بعدم توفير الدعم لتنظيمي وحدات الحماية الكردية ومنظمة غولن المصنفين في قائمة الإرهاب لدى تركيا.

وحظيت المذكرة بتغطية واسعة في الصحافة العالمية. وفي هذا الصدد، وصفت مجلة «إيكونوميست» البريطانية، الاتفاق الذي نتج عنه رفع تركيا قرار استخدام حق النقض، خلال قمة مدريد حيال انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف، على أنه «انتصار لأردوغان».

كانت تركيا تستخدم حق النقض سنوات طويلة ضد الخطط الدفاعية الجديدة للجناح الشمالي لحلف الناتو، الذي يشمل بولندا ودول البلطيق. لكن أنقرة لا تعارض الخطة الدفاعية المصاغة ضد «التهديد الروسي»، وإنما هناك سبب آخر يقف وراء موقفها هذا.

أرادت تركيا ضمان توضيح التصور المتعلق بـ"التهديد" في الخطط الدفاعية للجناح الجنوبي للناتو، وبالتالي التأكيد على أن «منظمة غولن» ووحدات الحماية الكردية هما من مصادر هذا التهديد.

وهكذا جرى مساء أمس التوقيع على اتفاقية مشتركة بين تركيا والسويد وفنلندا بعد مفاوضات استمرت نحو 4 ساعات بوساطة الناتو، وبذلك تمت الموافقة على جميع مطالب تركيا. ومهّد هذا التطور الطريق أمام الدول الاسكندنافية أيضا للانضمام إلى التحالف ردا على الغزو الروسي لأوكرانيا.

قبل سنوات قليلة، قيل عن الناتو إنه أصبح من الكيانات التي «عفا عليها الزمن» وإنه في حالة «موت سريري». أمّا الآن، فقد اجتمع زعماء الدول الأعضاء في «قمة تحولية» لمناقشة مستقبل الحلف. ولا شك في أن الهجوم الروسي على الأراضي الأوكرانية في 24 فبراير الماضي، شكّل الدافع الرئيسي لهذه «الهبّة الاستثنائية».

علما أن الحلف كان قد صنف روسيا في مفهومه الاستراتيجي لعام 2010 على أنها «شريك». وتمثل روسيا الآن «الخطر الأكثر إلحاحاً» على المنطقة الأوروبية الأطلسية، وسيأخذ هذا الوضع مكانه في المفهوم الاستراتيجي لعام 2030.

عُقدت القمة بعد موافقة الاتحاد الأوروبي على منح أوكرانيا ومولدوفا صفة الدولة المرشحة، ووسط الجدل المستمر بين الغرب وروسيا حول الطرف المسؤول عن أزمة الغذاء العالمية.

كما يجتمع قادة الحلف بالتزامن مع تصريح لأحد الجنرالات الروس على خلفية أزمة كالينينغراد، قال فيه إن «لندن ستكون أول مدينة يتم قصفها»، فضلا عن سخرية قادة مجموعة الدول السبع من ركوب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على ظهر الخيل وهو عاري الصدر.

قمة مدريد التي انعقدت مباشرة بعد قمتي الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول السبع، تناولت قضايا مكافحة الإرهاب، والدعم الشامل المزمع تقديمه لأوكرانيا، و«تحدي» الصين، وطلبات العضوية من فنلندا والسويد.

تركيا التي قدمت مساهمات مهمة للغاية في الحلف طوال 70 عاما من عضويتها، أعلنت مرارا وتكرارا أنها تؤيد تعزيز وتوسيع الناتو، وبدلاً من التشكيك في موقف تركيا، كان من الضروري فهم مخاوفها الأمنية وتبديدها.

وكان المطلوب هو الامتثال لمبدأ الناتو نفسه في مكافحة حزب العمال الكردستاني ووحدات الحماية الكردية ومنظمة غولن والمنظمات الإرهابية الأخرى.

وبعد مناقشات استمرت سنوات طويلة، تمت الموافقة على مطالب تركيا خلال قمة مدريد. وكان الجانب التركي يطلب الالتزام بما يتطلبه التحالف من السويد وفنلندا، اللتين ترغبان في الانضمام إلى الناتو الذي يعمل وفقا لمبدأ «كلنا واحد»، ومن المنتظر أن تقدّما مساهمات في تعزيز أمنه.

أظهر الناتو تضامنا كبيرا في مواجهة التهديد الروسي القائم، ومع ذلك، ليس من المتوقع أن تستسلم روسيا، رغم العقوبات الشديدة المفروضة عليها في خضم حرب أوكرانيا المستمرة.

كما أن الموقف «القوي والموحد» للتحالف الغربي لا يخلو من المشاكل، فالتأثير المتزايد للولايات المتحدة في أوروبا من جهة، يرضي دول أوروبا الشرقية، ومن جهة أخرى، تواصل دول الاتحاد الأوروبي مساعيها للحصول على استقلالية استراتيجية.

وعلى عكس بريطانيا، لا تؤيد فرنسا وألمانيا قطع العلاقات مع روسيا بالكامل، وهناك غموض كبير حول مصير العلاقة بين أوروبا وروسيا على المديين المتوسط ​​والطويل، ومن الواضح أن بيئة الصراع المستمر ستلحق الضرر بأوروبا أيضا، بالإضافة إلى ذلك، لا تريد دول الاتحاد الأوروبي أن تضع الولايات المتحدة حلف شمال الأطلسي، بمواجهة الصين، وهنا تبرز تركيا باعتبارها قوة توفر الاستقرار والأمن في المنطقة المحيطة بها (آسيا الوسطى والقوقاز والبلقان والشرق الأوسط والخليج وشمال افريقيا)، وسط مرحلة يتشكل فيها الهيكل الأمني ​​الغربي من جديد. والإنصات لمطالب تركيا الأمنية المشروعة، سيعزز حتما الجناح الجنوبي الشرقي لحلف شمال الأطلسي.

* توران قشلاقجي كاتب تركي

المصدر | القدس العربي