زيارة "رد الاعتيار".. هكذا يمكن وصف الجولة التي قام بها ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان"، إلى أوروبا، وهي الأولى له منذ اغتيال الصحفي السعودي المعارض "جمال خاشقجي".

الزيارة التي شهدت توقيع اتفاقيات في اليونان، وتأكيدا على تعزيز التعاون مع فرنسا ومناقشة المستجدات الإقليمية والدولية، جاءت وسط انتقادات حقوقية واسعة، وملاحقات وشكاوى قضائية ضد ولي العهد الشاب.

وتأتي الجولة الأوروبية، بعد أقل من أسبوعين من زيارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن"، لمدينة جدة السعودية للمشاركة في قمة لقادة دول عربية، أجرى خلالها لقاء ثنائيا مع ولي العهد الشاب وتصافحا بقبضة اليد.

ومثلت الخطوة تراجعا لـ"بايدن" الذي كان قد وعد خلال حملته الانتخابية بتحويل المملكة، لدولة "منبوذة" على خلفية قضية مقتل الصحفي "جمال خاشقجي"، وسجلها في مجال حقوق الإنسان.

كما شكلت الزيارة خطوة جديدة "لرد الاعتبار" لولي العهد، التي كرست بشكل قاطع عودة "ابن سلمان" إلى الساحة الدولية، في أجواء حرب روسيا بأوكرانيا وارتفاع أسعار الطاقة.

يقول الخبير في شؤون المملكة بمعهد أبحاث الدراسات الأوروبية والأمريكية "كانتان دي بيمودان"، إن "الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قام بالجزء الأكبر من أعمال رد الاعتبار، بزيارته شخصيا ابن سلمان"، في الرياض خلال ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وتابع الخبير نفسه: "لكن هنا وصلنا إلى مستوى آخر.. يصل (ولي العهد) إلى فرنسا وماكرون غير موجود (كان في زيارة إلى أفريقيا).. لم يعد ابن سلمان مضطرا للتحرك بحذر، كما كان الوضع قبل سنة أو سنتين، بل يتنقل كما يشاء".

وأضاف أن "ماكرون بدأ رد الاعتبار وبايدن استكمله وبينهما (بوريس) جونسون"، الذي زار الرياض أيضا في مارس/آذار الماضي.

وكانت أجهزة الاستخبارات الأمريكية، أشارت إلى مسؤولية "ابن سلمان"، في اغتيال "خاشقجي"، ما أدى إلى تسميم العلاقات بين الرياض وواشنطن.

وبعد أقل من 4 سنوات على قضية "خاشقجي"، تسبب غزو روسيا لأوكرانيا في 24 فبراير/شباط الماضي بارتفاع جنوني في أسعار الطاقة.

وسعت الدول الغربية منذ ذلك الحين، إلى إقناع السعودية المصدر الرئيسي للخام، بزيادة الإنتاج من أجل التخفيف عن الأسواق والحد من التضخم.

لكن الرياض تقاوم ضغوط حلفائها، مشيرة إلى التزاماتها حيال منظمة البلدان المصدرة للبترول وحلفائها في "أوبك+"، تحالف الدول النفطية الذي تشارك في قيادته مع موسكو.

اتفاقيات في اليونان

وبالعودة إلى الزيارة، فقد فكانت المحطة الأولى في اليونان، حيث وقعت الرياض وأثينا، مذكرات تعاون عسكرية واقتصادية وأمنية، بعد مباحثات بين "ابن سلمان" ورئيس وزراء اليونان "كيرياكوس ميتسوتاكيس"، في قصر مكسيموس بأثينا.

ومن أبرز مذكرات التعاون، اتفاقية تعاون في المجال العسكري بين البلدين، فضلا عن أخرى لمحاربة الجريمة.

كما شملت مجالات التعاون أيضاً المجال الاقتصادي، من خلال التوقيع على اتفاقية لحماية وتشجيع الاستثمار.

وكذلك تم توقيع اتفاقيةٍ للتفاهم والتعاون في المجال الصحي، بالإضافة لمذكرة تفاهم في مجال التعاون العلمي والتقني.

ولفت ولي العهد السعودي، إلى أن "العلاقات بين البلدين تاريخية وستكون لدينا فرصة وضع اللمسات الأخيرة" على سلسلة مشاريع ثنائية.

من بين هذه المشاريع مدّ خطّ كهرباء يربط المملكة باليونان، سيتيح تزويد أوروبا "الطاقة (بأسعار) أرخص بكثير".

مباحثات في فرنسا

وفي فرنسا، حيث الضوء الأبرز لجولة "ابن سلمان" الأوروبية، اتفق مع "ماكرون"، على تعزيز الجهود الدولية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وضمان سلمية برنامجها، وشددا على أهمية التعاون بين البلدين لتعزيز العلاقات.

جاء ذلك، عقب "عشاء عمل"، جممعهما في قصر الإليزيه، سبقه مصافحة طويلة على باب القصر، تكشف عمق العلاقات بين البلدين.

وحث الجانبان وفق بيان المشترك، إيران، على التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، و"المحافظة على مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة".

وأكد الطرفان ضرورة التقييم المستمر للتهديدات المشتركة لمصالح البلدين ولأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط، وأهمية تعزيز التعاون والشراكة في المجالات الدفاعية.

وتناولت المباحثات، مناقشة سبل تطوير وتعزيز التعاون والتنسيق حيال الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، ومنها مكافحة الإرهاب وتمويله ومكافحة الجرائم بجميع أشكالها، وتبادل الخبرات والتدريب.

وأكدت السعودية وفرنسا ضرورة بحث سبل تعميق الشراكة الاستثمارية بين البلدين عبر رفع وتيرة التعاون الاستثماري والاقتصادي، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والتعاون في مجال الهيدروجين النظيف، والالتزام بمبادئ الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي واتفاقية باريس، وضرورة تطوير وتنفيذ الاتفاقيات المناخية بالتركيز على الانبعاثات وليس على المصادر.

وتطرقت المباحثات بين "ابن سلمان" و"ماكرون"، إلى جوانب الشراكة الاستراتيجية وسبل تطويرها، وأهمية استقرار أسواق الطاقة العالمية، واستقرار الإمدادات الغذائية من القمح والحبوب لكافة دول العالم وعدم انقطاعها، والحفاظ على وفرة المعروض واستقرار الأسعار.

وأكد الجانبان دعمهما سيادة لبنان وأمنه واستقراره، وأهمية تنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة، كما شددتا على أهمية الوصول إلى حل سياسي للأزمة في سوريا، بما يحافظ على وحدة أراضي سوريا وسلامة شعبها.

انتقادات حقوقية

ولم تخل الزيارة من انتقادات وغضب واسع بين الحقوقين ليس في أوروبا فحسب، بل في العالم كله، منتقدين تخلي فرنسا على وجه الخصوص، عن انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية، وتورط "بن سلمان" في اغتيال "خاشقجي".

وقالت "أنييس كالامار" التي قادت تحقيقا في اغتيال "خاشقجي"، عندما كانت المقررة الخاصة للأمم المتحدة لحالات الإعدام خارج إطار القانون، إن "زيارة ابن سلمان لفرنسا وبايدن للسعودية لا تغير من واقع أن ابن سلمان ليس سوى قاتل".

من جهتها، كتبت مديرة منظمة "هيومن رايتس ووتش" في فرنسا "بينيديكت جانرود"، على "تويتر": "يبدو أن ابن سلمان يمكن أن يعتمد على ماكرون لرد اعتباره على الساحة الدولية، رغم القتل الوحشي للصحفي خاشقجي، والقمع القاسي للسلطات السعودية ضد أي انتقاد، وجرائم حرب في اليمن".

وأضافت أن عودة حظوته لدى رؤساء الدول الغربية "يثير صدمة أكبر لأن العديد منهم في ذلك الوقت عبروا عن اشمئزازهم (من عملية القتل) والتزامهم عدم إعادة ابن سلمان إلى المجتمع الدولي"، مُدينة سياسة "الكيل بمكيالين".

أما "جوليان بايو"، رئيس حزب الخضر المعارض فقال إنه "مصعوق" من أن فرنسا "بدأت تتخلى بشكل كامل عن فكرة الدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم".

وأضاف أن "ماكرون كان مجبراً على فرش السجادة الحمراء، لأننا نحتاج إلى النفط، وأن الاعتماد على الطاقة الأحفورية يعني أننا نبيع مبادئنا بالرخص".

فيما تقدمت منظمتان غير حكوميتين، بشكوى قضائية في فرنسا، ضدّ "ابن سلمان"، بتهمة "التوطؤ في التعذيب" و"الإخفاء القسري" في اغتيال "خاشقجي".

وحسب الحقوقية البارزة "سارة ليا ويستون"، فقد تقدم بالشكوى منظمة "Dawn"، ومقرها الولايات المتحدة التي أسسها "خاشقجي" في 2018 قبل وفاته، والثانية هي منظمة سويسرية تطلق على نفسها اسم "Trial International".

وقالت "ويستون"، مديرة "Dawn" إن فرنسا "بصفتها موقعة على اتفاقيات مناهضة التعذيب والاختفاء القسري، فهي ملزمة بالتحقيق مع مشتبه به مثل بن سلمان إذا كان موجوداً على الأراضي الفرنسية".

أما "عبدالله العودة"، مدير منطقة الخليج في المؤسسة، فوصف زيارة الأمير "ابن سلمان" إلى فرنسا بـ"المخزية".

وأضاف: "نعتقد أنه يحاول تبييض جرائمه.. إنه ديكتاتور غير مستقر، والمشي جنباً إلى جنب معه أمر مشين".

واستبعد خبراء قضائيون، أن يتم استدعاء ولي العهد خلال بقائه في فرنسا، ذلك أن الجهاز القضائي بحاجة إلى أسابيع قبل الاستجابة على شكوى من هذا النوع.

غير أنهم يقولون إنها قد تمنع "بن سلمان" من العودة إلى فرنسا مستقبلاً.

المصدر | الخليج الجديد