تتبنى الكويت سياسة خارجية تصالحية لإبراز دورها كوسيط بين أطراف النزاع في المنطقة، لكنها تحصر جهودها الدبلوماسية في ساحتها الخلفية، ونادراً ما تسعى الكويت إلى التوسط في القضايا الدولية خارج منطقة الشرق الأوسط. 

لكن هذا النهج يحتاج إلى مراجعة بالنظر إلى التداعيات الكبيرة التي تتعرض لها والتشابك الكبير بين ما هو إقليمي ودولي، وهو الأمر الذي يدفع دولا مثل قطر والإمارات لتبني سياسات خارجية نشطة. 

وشكّل تاريخ الكويت القصير كدولة نظرتها الخارجية، حيث شغل الراحل "صباح الأحمد الجابر الصباح" منصب وزير الخارجية لمدة 4 عقود (1963-2003) ثم أميرًا لمدة 14 عامًا أخرى (2006-2020)، ما يعني أنه قاد السياسة الخارجية للبلاد لما يقرب من 60 عامًا.

وقد تمسك بسياسة خارجية محايدة وأبقى الكويت على هامش الصراعات الدولية. وسار خليفته الأمير الحالي الشيخ "نواف الأحمد الجابر الصباح" على خطاه حتى الآن.

ويشرح موقع وزارة الخارجية الكويتية مبادئ وأهداف السياسة الخارجية للبلاد بما في ذلك "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، واحترام سيادة الدول، والوساطة، والمساعدات الإنسانية، وحماية مصالح الدولة"، من بين أمور أخرى.

ويبدو أن هذه هي الجوانب الأساسية للسياسة الخارجية الكويتية. وبالفعل، حاولت الكويت طوال تاريخها تعزيز مصالحها وفق هذه المبادئ. 

ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت "فيصل أبو صليب": "قبل غزو العراق في أغسطس/آب 1990، كانت السياسة الخارجية الكويتية شبيهة بسياسة قطر بعد عام 1995 من نواحٍ عديدة.

وكانت مواقف الكويتة مستقلة إلى حد كبير عن القوى الإقليمية والدولية"، لكن هذه الفترة لم تكن خالية من الأخطاء الفادحة، فقد مولت الكويت حرب "صدام حسين" ضد إيران لكنها لم تستطع وقف غزو "صدام" للكويت نفسها في عام 1990.

ويشير بعض النقاد إلى العزلة الكويتية كعامل مساهم في حرب الخليج 1990-1991. ومن وجهة نظرهم، أصبحت السياسة الخارجية الكويتية وقتها تتعارض مع سياسة جارتها الكبيرة (السعودية) في حين أدى رفضها لاستضافة القوات الأمريكية قبل عام 1990 إلى ضعف موقفها بشكل غير مباشر.

ويمكن القول إن الكويت اتبعت سياسة خارجية هادئة منذ حرب الخليج 1990-1991. ومع ذلك، فقد أظهرت تجربة العقود الثلاثة الماضية أن مثل هذا الموقف السلبي لم يعالج مشاكل الأمن والسيادة في البلاد. وكشف احتلال القوات العراقية للكويت ضعف النظرة الإستراتيجية المحايدة والتصالحية في بيئة مليئة بالتحديات.

وبطبيعة الحال، فإن اتباع سياسة التدخل ليس خيارًا أيضًا. وتُظهر التجربة الأخيرة لقطر، التي واجهت حصارًا دام 4 سنوات من قبل 3 دول إقليمية، عيوب السياسة الخارجية النشطة بشكل مفرط. لكن على عكس الكويت، استعدت قطر لأسوأ سيناريو باستضافة القوات الأمريكية والتركية على أراضيها.

وأثناء الحصار المفروض على قطر، انتشرت شائعات بأن الكويت نفسها يمكن أن تُحاصر بعد قطر. وبالرغم أن هذا لم يحدث، إلا أن هذا السيناريو يوضح الخطر شبه المستمر الذي تواجهه الكويت من جيرانها، بالرغم من إظهار علاقات ثنائية ودية مع الدول المجاورة.

وفي الواقع، تواجه الكويت واقعا صعبا، فهي دولة صغيرة محاطة بجيران أكبر تدفعهم أيديولوجية وتوسعية في السياسة الخارجية. لذلك، تدرك الكويت أن سياساتها يجب أن تعزز أمن وسيادة البلاد قبل كل شيء. 

وأجبرت حالة انعدام الأمن هذه الكويت على القفز في عربة القوى العظمى، والحفاظ على علاقات جيدة مع الجيران، واتباع استراتيجية تحوط (تطوير الكويت للعلاقات مع الصين وتركيا يجسد هذا النهج).

ولم يتضح بعد ما إذا كانت جهود الكويت ستؤتي ثمارها، لكن هذه التعديلات على السياسة الخارجية تعد ضرورية إذا كانت الدولة ترغب في الأمن المستدام في المستقبل.ويجب التأكيد على أن البنية السياسية التعددية في الكويت - الفريدة بين دول مجلس التعاون الخليجي - تؤثر أيضًا على السياسة الخارجية للدولة.

وقد تسير الكويت في مسار أكثر حزماً في المستقبل، لكن لا ينبغي أن تنسى أن صداقاتها الإقليمية تشكل دعامة لأمنها، ومع ذلك فإن السؤال الصعب يدور حول إمكانية تحمل الجيران سياسة خارجية أكثر حيوية ومرونة من هذا البلد الصغير.

إن الدبلوماسية والحياد سياسات جيدة في الوضع الصحيح، لكن جهود الكويت تقتصر على منطقة الشرق الأوسط ولا تنشط ما لم ينشأ نزاع واضح. وبالمقارنة، فإن السياسة الاستباقية للإمارات وقطر تسمح لهاتين الدولتين بتوسيع نفوذهما في جميع أنحاء العالم. ومن خلال المشاركة الإنسانية أثناء الكوارث الطبيعية، فضلاً عن الجهود الدبلوماسية الذكية خلال أوقات الصراع الدولي، حافظت أبوظبي والدوحة على مصالحهما مع تعزيز مكانتهما.

ويجب على الكويت أن تنتهج سياسة مماثلة خارج المنطقة ليس فقط لتحسين صورتها، ولكن أيضًا لتأسيس وتنمية علاقات دولية جديدة، كما يجب عليها تعزيز قوتها الناعمة مثل قطر والإمارات. على سبيل المثال، يجب أن يشمل تنويع الاقتصاد إنشاء علامات تجارية معروفة مثل "أوريدو" القطرية، والخطوط الجوية القطرية، واتصالات الإماراتية، وخطوط طيران الإمارات. قد تبدو هذه التوصية اقتصادية بطبيعتها، لكنها تصب في صالح القوة الناعمة للكويت.

وفي حين أن الكويت أكثر ارتباطًا ببقية العالم من حيث نظامها السياسي، إلا أنها فشلت في تحقيق التكامل الاقتصادي، كما تتخلف الكويت كثيراً عن جيرانها من حيث الإعلام والسياحة والاستثمار الأجنبي، وكلها مؤشرات مهمة على القوة الناعمة للدولة.

ويمكن للكويت أن تستخلص الدروس من الدول المجاورة الأكثر نجاحًا في صياغة إستراتيجية جديدة وأكثر فاعلية للسياسة الخارجية. وعندما كانت قطر محاصرة، حققت الردع من خلال وجود القوات الأمريكية والتركية، واعتمدت على قوتها الناعمة لرفع تكاليف الحصار على خصومها، فقد وقف لاعبون دوليون مهمون مثل الصين واليابان والاتحاد الأوروبي إلى جانب قطر ضد الحصار وساعدوا الدوحة طوال المحنة.

لم ينبع الدعم التركي والإيراني لقطر من سياسة قطر الخارجية الهادئة والتطلعات السلمية، بل من العلاقات الثنائية الوثيقة بين الدوحة وهاتين الدولتين. وكدولة صغيرة، يجب أن تعزز الكويت قوتها الناعمة والصلبة، وتتبع سياسة خارجية مستقلة، من خلال توسيع سياستها الخارجية لزيادة مكانتها الدولية خارج الشرق الأوسط وبالتالي تعظيم نفوذها الدولي.

المصدر | ابراهيم كاراتاش / منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد