الاثنين 15 أغسطس 2022 06:21 ص

استراتيجية غاز أوروبا.. وفد إسباني يزور الجزائر سرا لتجاوز الأزمة

يبقى التساؤل: هل ستغامر مدريد بعلاقات مع شريك استراتيجي مثل المغرب من أجل الاستراتيجية الأوروبية للغاز؟

لم يقف الاتحاد الأوروبي إلى جانب إسبانيا في الأزمة بل استغلت بعض الدول وعلى رأسها إيطاليا الأزمة لتطوير العلاقات مع الجزائر.

تتسبب الأزمة مع الجزائر في عرقلة طموح إسبانيا للتحول لعنصر فعال في استراتيجية الطاقة في أوروبا للتقليل من الاعتماد على الغاز الروسي.

لا ترغب أسبانيا بضياع فرصة تحصيل كميات أكبر من الغاز لتنفيذ مشروع ربط الغاز من إسبانيا عبر فرنسا ثم ألمانيا لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي.

ترغب إسبانيا بمصالحة مع الجزائر بعد وصول الأزمة لمستوى حرج واستمرار الجزائر بالقطيعة التجارية وحظر الواردات من إسبانيا واستثناء صادرات الغاز لإسبانيا.

*  *  *

زار وفد إسباني رفيع المستوى بطريقة سرية العاصمة الجزائر الجمعة الماضية، وقد يكون موضوع الزيارة بدء مصالحة بين البلدين لا سيما وأن مدريد لا ترغب في ضياع فرصة التوصل لكميات أكبر من الغاز لتنفيذ مشروع الربط الغازي من إسبانيا عبر فرنسا ثم ألمانيا للتقليل من الاعتماد على الغاز الروسي.

وتمر العلاقات بين إسبانيا والجزائر بقطيعة شبه تامة بعدما سحبت الجزائر سفيرها من مدريد وعلقت اتفاقية الصداقة وأوقفت التبادل التجاري باستثناء صادرات الغاز المحمية بالقانون الدولي.

واتخذت الجزائر هذا الموقف ردا على ما تعتبره انحياز أسبانيا لصالح المغرب في نزاع الصحراء الغربية ودعمها لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب حلا للنزاع.

ويجري الحديث عن زيارة سرية رفيعة المستوى قام بها وفد إسباني إلى الجزائر الجمعة الماضية، وأوردت الخبر جريدة "أوكي دياريو" بتوجه طائرة تابعة للقوات العسكرية إلى مطار عسكري بالقرب من العاصمة الجزائر. ويستنتج من اختيار المطار العسكري بوفاريك إبقاء الزيارة في إطار السرية.

والطائرة هي من صنف فالكون التي يستعملها الوزراء والملك فيليبي السادس في رحلاتهم الرسمية، وهي الطائرة نفسها التي ذهب على متنها الملك إلى كولومبيا لحضور مراسم تنصيب الرئيس الكولومبي الجديد غوستافو بيترو أوريغو خلال بداية الأسبوع.

وعلى ضوء هذه الأخبار، وجه النائب البرلماني عن "الفريق المشترك"، بابلو إميريتو بيكيراس سؤالا إلى وزير الخارجية الإسباني خوسي مانويل ألباريس يطالب بتوضيحات حول نوعية الوفد الذي كان على متن الطائرة والمهام المكلف بها ثم الوضع الحالي للعلاقات بين مدريد والجزائر بعد الأزمة الأخيرة. وتلتزم حكومة مدريد الصمت حتى الآن، ولم تؤكد ولم تنف الخبر.

ويبدو أن إسبانيا ترغب في تحقيق مصالحة مع الجزائر بعدما وصلت الأزمة إلى مستوى شائك للغاية. وتقف عوامل وراء قرار حكومة مدريد، وأبرزها هو استمرار الجزائر في القطيعة التجارية بحظر الواردات من إسبانيا والحفاظ فقط على صادرات الغاز نحو السوق الإسبانية. ثم عدم وقوف الاتحاد الأوروبي إلى جانب إسبانيا في هذه الأزمة بل استغلت بعض الدول وعلى رأسها إيطاليا الأزمة لتطوير العلاقات مع الجزائر.

وانتقدت الطبقة السياسية والإعلامية الإسبانية تصرف بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا وإيطاليا، خاصة بعدما فشلت في استصدار قرار أوروبي يدين حظر الجزائر للصادرات الإسبانية. ويبقى العامل الأخير والمهم هو رغبة حكومة برلين في مد أنبوب غاز من إسبانيا عبر فرنسا إلى ألمانيا وسيكون الغاز الجزائري ركيزة أساسية في المشروع.

وكان المستشار الألماني أولاف شولز قد صرح يوم الخميس الماضي بضرورة تضامن أوروبي في الغاز، ودعا إلى تشييد أنبوب من إسبانيا نحو وسط أوروبا وبالخصوص ألمانيا عبر فرنسا. وينقص هذا المشروع فقط الربط بين فرنسا وإسبانيا وهو مشروع "ميدكات".

ويقوم هذا المشروع على توصل إسبانيا بالغاز المسال عبر سفن وتحويله إلى وضعه الطبيعي وتصديره نحو أوروبا، بحكم توفر إسبانيا على سبع موانئ بها بنيات عملية التحويل وخزانات هائلة، وتشكل 35% من القدرة الأوروبية في هذا الشأن. ويضاف إلى هذا، الأنابيب المتواجدة بين إسبانيا والجزائر.

وتوجد أنابيب بين إسبانيا وفرنسا ولكنها بالكاد تنقل 8 مليار متر مكعب سنويا، في حين أن أنبوب الغاز الروسي الجديد نورد ستريم 2 يحمل لوحده 55 مليار مكعب سنويا.

وإذا كانت إسبانيا قادرة على استقبال كميات كبيرة من الغاز المسال وتحويله إلى باقي الدول كما تفعل حاليا مع مساعدة المغرب بتحول الغاز عبر أنبوب "المغرب العربي-أوروبا" بعدما قطعت الجزائر الغاز عن المغرب، إلا أن الشطر الثاني من هذه الاستراتيجية يحتاج إلى التوصل بكميات أكبر من الجزائر عبر أنبوب "ميدغاز".

وتتسبب الأزمة مع الجزائر في عرقلة طموح مدريد للتحول إلى عنصر فعال في استراتيجية الطاقة في أوروبا للتقليل من الاعتماد على الغاز الروسي.

وكانت الجزائر قد قامت بتخفيض كميات الغاز الإضافية نحو إسبانيا وأبقت فقط على تصدير الكميات المنصوص عليها في الاتفاقية الثنائية. وعملت على تحويل الكميات المضافة إلى إيطاليا.

في هذا الصدد، تبحث إسبانيا عن مصالحة مع الجزائر، وفي هذا الإطار تأتي الرحلة السرية لوفد رفيع المستوى نحو الجزائر الجمعة الماضية. غير أن الجزائر اشترطت مسبقا أن كل مصالحة تمر عبر مراجعة مدريد لموقفها من الصحراء وتأييد تقرير المصير.

ويبقى التساؤل: هل ستغامر مدريد بعلاقات مع شريك استراتيجي مثل المغرب من أجل الاستراتيجية الأوروبية للغاز؟

* د. حسين مجدوبي كاتب وباحث مغربي

المصدر | القدس العربي