الجمعة 16 سبتمبر 2022 01:50 م

رغم أن الاشتباكات توقفت بين المليشيات في "المنطقة الخضراء" وسط بغداد، بعد سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى مؤخرا، إلا أن نيران الحرب الأهلية ما زالت تهدد "البيت الشيعي" العراقي، لاستمرار الأزمة بين أنصار الزعيم الشيعي "مقتدي الصدر" و"الإطار التنسيقي" المدعوم من إيران.

وفيما تنتهي مهلة التهدئة التي دعا إليها "الصدر"، مع انتهاء "الزيارة الأربعينية" (مناسبة دينية شيعية) رسمياً الجمعة، تعود الأنظار إلى المشهد السياسي المتأزم في العراق، لا سيما أن كافة المساعي على ما يبدو لم تنجح في تهدئة الصراع القائم منذ أشهر.

بل إن المخاوف تصاعدت من الانزلاق إلى أتون حرب "شيعية- شيعية"، وفقا لتحليل مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، حيث اعتبر أن العنف الذي شهدته البلاد قبل أسبوعين، نجم مباشرة عن النفوذ الإيراني الذي يدفع على ما يبدو البلد إلى شفا "حرب أهلية".

وتمكن "الصدر" في غضون 24 ساعة من إظهار مدى قوته، عندما خضعت شوارع العاصمة العراقية بغداد للعنف، قبل أن يتوقف، بطلب منه.

وتؤكد المجلة، أن "دوامة الأحداث الكارثية التي بلغت ذروتها مع تحول أجزاء من بغداد إلى منطقة حرب، تم تجاهلها إلى حد كبير من قبل زعيم ديني، وهو آية الله كاظم الحائري الذي أعلن في أغسطس/آب الماضي تقاعده من منصبه كسلطة دينية بأثر فوري، والمفاجئ أنه شرع في مطالبة أتباعه بدعم آية الله علي خامنئي الإيراني بدلا من ذلك، بهدف الحد من نفوذ الصدر".

وترى المجلة أنه "رغم ذلك، فإن محاولة طهران لكسب النفوذ على أتباع الصدر لم تكن مدروسة بشكل جيد، وفشلت في اعتبار أن مؤيديه مخلصون له من دون تردد".

وتتابع "فورين بوليسي" أن "اعتزال الصدر السياسة، دفع أنصاره إلى النزول إلى شوارع بغداد، وبعدها منح الصدر أنصاره 60 دقيقة للانسحاب من البرلمان، ووقف كل أعمال العنف، وقد أطاع أنصاره مطالبه على الفور".

وتلفت إلى أن ما جرى "رسالة إلى طهران مفادها أنه بغض النظر عن الطريقة التي قد تحاول بها التأثير على السياسة العراقية، فإن الصدر لا يزال مسيطرا على الأرض".

ووفق المجلة الأمريكية، فإن "هذه المعركة مع إيران مستمرة منذ أن تركت الانتخابات العراقية في أكتوبر/تشرين الأول 2021 البلاد في مأزق سياسي، وبدون فائز صريح في صناديق الاقتراع، لم يكن لدى أي حزب سياسي أغلبية لتشكيل حكومة، مما دفع البلاد إلى أشهر من عدم الاستقرار السياسي المستمر".

وبفوزه بأكبر كتلة في الحكومة، حصلت كتلة "الصدر" على 73 مقعدا من أصل 329 مقعدا، متفوقا بشكل كبير على التحالف المدعوم من إيران، ووجه ضربة قوية لطهران.

وتشير إلى أن "البلاد وجدت نفسها في مواجهة ارتفاع معدلات الفقر، وزيادة عمالة الأطفال، ومعدلات البطالة القياسية، بعدما منعت الحكومة المؤقتة دستوريا من تمرير مشروع قانون الميزانية".

وتتحدث المجلة الأمريكية، أنه "مع رفض إيران فقدان نفوذها في العراق ورفض الصدر التراجع عن موقفه المناهض لإيران، وجد الجناحان السياسيان المستقطبان نفسيهما في مأزق تحول أخيرا إلى العنف نهاية الشهر الماضي".

وترى المجلة في تحليلها أن "ذلك يمثل أسوأ صراع شيعي داخلي في العراق منذ سنوات، وحتى الآن، بعدما ظلت الأغلبية الديموغرافية الشيعية في العراق موحدة إلى حد كبير منذ سقوط النظام السابق".

وحسب "فورين بوليسي"، فإنه "على مدى أشهر عانى الصدر من ضربات متكررة من إيران بعد أن تعهد باستبعاد الأحزاب المدعومة من إيران من المشاركة في تشكيل حكومة عراقية".

وتضيف: "في فبراير/شباط من هذا العام، وفي محاولة أخيرة للتعاون مع الصدر، أرسلت إيران (قائد فيلق القدس بالحرس الثوري) الجنرال إسماعيل قاآني لمقابلته، ويُزعم أن الصدر رد غاضبا من محاولة التودد: (ما علاقة السياسة العراقية بك؟)".

وفي نهاية المطاف، وفقاً للمجلة، فإن "إصرار إيران أجبر الصدر على التخلي عن انتصاره في 12 يونيو/حزيران، ونقل المعركة بدلا من ذلك إلى شوارع العراق".

وتقول المجلة إن "الصدر يدعو منذ ذلك الحين إلى إجراء انتخابات مبكرة، ولكن مع استمرار الاضطرابات السياسية في العراق، من غير المرجح أن تؤدي انتخابات أخرى إلى إصلاح الأضرار الهيكلية العميقة التي لحقت بها".

ويخلص التحليل إلى أن الصراع الشيعي الداخلي هو الأسوا في العراق منذ سنوات. حتى الآن، بعدما بقت الأغلبية الديموغرافية الشيعية في العراق موحدة إلى حد كبير منذ سقوط نظام الرئيس السابق "صدام حسين".

ويلفت التحليل إلى أن الفوضى التي استمرت 24 ساعة، تظهر ما يمكن أن يحدث إن ظل الصدريون بدون قيادة مسؤولة، وهي مؤشر أيضا على مدى السرعة التي يمكن أن تدخل فيها البلاد في حرب داخلية شاملة بالنظر إلى السكان المدججين بالسلاح.

وعلى الرغم من أن طهران ربما لم تطلب مباشرة العنف في شوارع بغداد، إلا أن محاولاتها المستمرة للتأثير على العراق تساهم في تصاعد التوترات في البلاد، وفق المجلة.

يشار إلى أنه خلال العملية الانتخابية الأولى في عام 2005، دعم آية الله "علي السيستاني"، وهو أيضًا الزعيم الروحي لمعظم المسلمين الشيعة على مستوى العالم، التحالف العراقي الموحد، مما أدى إلى انتصار ساحق لتجمع الحزب ذي الأغلبية الشيعية، لكن بمرور الوقت، تفكك هذا التحالف.

إلى جانب عدم ثقة الجمهور العراقي بالنخبة السياسية، أدى ذلك إلى مشهد استقطابي متزايد بين الشيعة، مع انقسام عميق بين جماعة "الصدر" الوطنية، وقوات "الحشد الشعبي" المتأثرة بشدة بإيران.

ويشهد العراق أزمة سياسية، زادت حدتها منذ 30 يوليو/تموز الماضي، حين بدأ أتباع التيار الصدري اعتصاما داخل المنطقة الخضراء في بغداد، رفضا لترشيح تحالف الإطار التنسيقي "محمد شياع السوداني" لمنصب رئاسة الوزراء، ومطالبة بحل مجلس النواب وإجراء انتخابات مبكرة.

وحالت الخلافات بين القوى العراقية، لا سيما الشيعية منها، دون تشكيل حكومة منذ إجراء الانتخابات الأخيرة في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2021.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات