الخميس 22 سبتمبر 2022 10:09 ص

ناقشتُ الأسبوع الماضي طبيعة الأسلحة النووية التكتيكية. لقد تم بناؤها من أجل الأثر التكتيكي وليس الاستراتيجي.

يمكن للأسلحة النووية الاستراتيجية، مثل تلك التي أُلقيت على هيروشيما وناجازاكي، أن تدمر مساحة كبيرة من خلال الانفجار ذاته والتداعيات النووية للاحقة، فالانفجار يدمر المنطقة التي يحدث فيها بينما تزيد التداعيات النووية من معدل الوفيات، ويمتد التدمير إلى مسافة كبيرة في اتجاه الريح.

ومع ذلك، يجب أن نتذكر أنه في السابق بغض النظر عن عدد الضحايا، لم يتم التخلي عن أي من المدينتين تمامًا، وكلاهما أصبح مأهولًا بالسكان ويعمل بمستوى معقول بعد حوالي عام من تفجير القنابل.

وتعد قوة الأسلحة النووية التكتيكية (حسب النوع) أقل من 1% من انفجار هيروشيما. وبقدر أهميتها، فإنها تسفر عن القليل من التداعيات النووية.

ويمكن للأسلحة النووية التكتيكية أن تحدد نتيجة المعركة وليس الحرب، كما يجب التذكر أنها لن تجعل الأرض غير صالحة للعيش. لذلك، فإن الخيار النووي الآخر لروسيا هو خيار استراتيجي: تدمير المدن الأوكرانية بسلاح من نوع هيروشيما. وهذا الخيار له نقطتا ضعف.

ويتمثل الخطر الأول في اتجاه الرياح، على سبيل المثال فإن الرياح في شرق أوكرانيا تتجه نحو الشمال الشرقي. وقد يؤدي أي تفجير نووي استراتيجي إلى تداعيات على روسيا. وفي هذا المثال ستكون التداعيات باتجاه فورونيج وهي مدينة روسية استراتيجية.

أما الخطر الثاني، وإن كان غير مرجح، فهو يتعلق بردود الفعل الغربية حيث تمتلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا أسلحة نووية استراتيجية.

وقد يرى أي منهم الضربة الروسية لأوكرانيا كتهديد محتمل لهم، مما يؤدي إلى نقاش حول ضرورة الرد بالمثل. قد يكون هذا الخيار مستبعدا لدى أي من الثلاثة، ولكن في مركز القيادة تتضخم المخاوف.

وبالنظر إلى القيمة المحدودة للأسلحة النووية التكتيكية والكارثة المحتملة للأسلحة النووية الاستراتيجية، فإن التهديدات النووية الروسية هي حرب نفسية لا تستطيع حل المشكلة العسكرية الروسية.

وفي الواقع ترجع المعضلة الروسية إلى  4 مشكلات متداخلة

المشكلة الأولى هو أن الروس انتشروا في أوكرانيا عندما بدأوا الحرب. وبالرغم أن الانسحاب لأغراض دفاعية قد يبدو منطقيًا لكن سيكون له أيضًا عواقب سياسية خطيرة، لأنه قد يشير إلى تراجع آخر بعد التراجع الذي حدث في الشمال في وقت سابق من الحرب.

أما المشكلة الثانية فهي عدم كفاية وضعف تدريب القوات وعدم استعدادها لشن هجوم مضاد يكفي لفرض انسحاب أوكراني كبير.

والمشكلة الثالثة هي المشكلة الروسية / السوفيتية طويلة الأمد: اللوجستيات. ومن أجل شن هجوم مضاد، يجب ألا يكون لدى الروس إمدادات أولية فحسب، بل يجب أن يكون لديهم أيضًا إمدادات إضافية ضخمة تصل بشكل موثوق إلى حيث تكون هناك حاجة إليها.

وهذا يؤدي إلى مشكلتهم الرابعة، حيث توفر الأقمار الصناعية الأمريكية معلومات استخباراتية دقيقة عن جميع القوات، بما في ذلك الحركات اللوجستية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن المدفعية الأمريكية من مختلف الأنواع قادرة على قطع خط الإمداد الروسي وشل الهجوم. وأخيرًا، فإن القوات الأوكرانية متباعدة بشكل بكافٍ لدرجة أن ضربة نووية تكتيكية أخيرة قد لا تؤثر كثيرا.

ويبدو أن روسيا أجبرت على اتخاذ موقف دفاعي. ولو كانت هذه الحرب العالمية الثانية، لكانت روسيا قادرة على التحرك في أكثر من جبهة، لكن روسيا لم تخض حربًا متعددة الأطراف منذ 77 عامًا.

وقد رأينا الروس يبدأون الحرب بثلاث دفعات مدرعة غير قادرة إلى حد كبير على التعامل مع المشاكل اللوجستية والأسلحة المضادة للدبابات. وفي الواقع، أُجبروا على التراجع عن المهام الهجومية، وإعادة تجميع صفوفهم، وانتهى بهم الأمر في الوضع الذي هم فيه.

إنهم يقاتلون عدوًا ليس لديه مشكلة لوجستية بفضل الولايات المتحدة التي لديها أيضًا نصيبها من الفشل ولكن أقوى قدراتها هي الخدمات اللوجستية.

ومن الواضح أن الروس يجب أن يغيروا ديناميكية الحرب إذا لم يتم إجبارهم على تسوية سياسية. والمفتاح هو تشكيل تهديدات للأوكرانيين من اتجاهات متعددة، تكتيكيًا واستراتيجيًا.

وفي الواقع، فإن الروس بحاجة لقطع الخدمات اللوجستية التي تقدمها الولايات المتحدة من خلال خلق تهديد عسكري خطير لحليف أمريكي آخر أو مهاجمة أحدهم بشكل مباشر.

ليس من الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستفشل في تغطية جبهتين، لكن ذلك قد يهز توازن الولايات المتحدة وتيجبرها على تقليل الدعم لأوكرانيا، مما قد يفتح فرصًا لروسيا.

توفر الجغرافيا خيارات قليلة لهذا الخيار، ولكن الأكثر احتمالية هي مولدوفا ورومانيا، وهما دولتان متصلتان ببعضهما البعض.

ولا يمكن أن يكون الهجوم هجومًا بريًا ولكن سيتعين الاستفادة من البحر الأسود وإسقاط قوات كبيرة في رومانيا (وهي عضو في الناتو ومضيفة لقوة بحرية أمريكية).

ولتحقيق ذلك، سيتعين على الروس أولاً استخدام الصواريخ للقضاء على الصواريخ الأوكرانية المضادة للسفن مثل تلك التي أغرقت "موسكوفا". وبعد بذلك، سيتعين عليهم تحقيق التفوق الجوي أو الصاروخي والحفاظ عليه فوق البحر الأسود ثم الهبوط وإنزال القوة الكافية.

وبالنظر إلى وجود قوات بحرية أمريكية خارج مضيق البوسفور، وبالنظر إلى أن تفويض الناتو أو الضرورة المطلقة ستجبر تركيا على إدارة المضيق بحسب المصلحة الغربية، فإن هذا سيشكل تهديدًا خطيرًا للروس.

أضف إلى ذلك احتمال شن هجوم جوي على القوات الروسية، لذلك من المرجح أن تفشل هذه العملية.

ومن شأن الهجوم على دول البلطيق أن يجلب هجومًا بولنديًا كبيرًا على الجناح الروسي، كما أن شن هجوم على فنلندا على سبيل المثال سيتم اكتشافه وتوقعه. وينطبق الشيء نفسه على رومانيا، ولكن مع فرص أقل إلى حد ما.

وبالطبع، يوجد شكوك في "المغامرة الرومانية" إلى حد كبير، لكننا هنا نفترض أن روسيا اضطرت للدفاع وأنها غير مستعدة للتخلي عن الحرب. وفي هذه المرحلة فإن الخيارات الجذابة قليلة، لكن التكلفة السياسية للتخلي عن الحرب هائلة.

وإذا كان على الروس الاستمرار ولم يتمكنوا من استعادة زمام المبادرة، فإن الخيارات الانتحارية المفاجئة ستكون مطروحة.

والخيار الأخير وقد كتبت عنه من قبل، وهو حشد القوات في الشرق ثم مهاجمة أوكرانيا بقوات جديدة. ويظل هذا هو الحل الأكثر ترجيحًا لروسيا، بافتراض أنها تستطيع حشد وتدريب وتحفيز قوة كبيرة.

وإذا لم يكن الأمر كذلك، فقد تحقق روسيا توازنا ضعيفًا، لكنها لن تستطيع فرض إرادتها على أوكرانيا.

المصدر | جورج فريدمان/ جيبوليتكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد