عاصمة مصر الإدارية.. إعادة تشكيل المستقبل بمحو هوية الماضي

السبت 8 أكتوبر 2022 12:57 م

"تعيد تشكيل الهوية الوطنية".. هكذا وصفت الباحثة "حفصة حلاوة" مشاريع البنية التحتية التي توسع نظام الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" في تنفيذها خلال السنوات الماضية، مشيرة إلى أن تلك المشروعات، وعلى رأسها العاصمة الإدارية الجديدة، "ألحقت أضرارا بالغة بالهوية الثقافية والعمارة التقليدية في البلاد".

وذكرت "حفصة"، في تقرير نشره موقع المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، أن مصر شهدت تغييرات عمرانية هائلة عبر خطة لإصلاح البنية التحتية تبناها نظام "السيسي"، معتمدا على "استسلام" المصريين لمسار بلادهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، القائم على قبول مصادرة الحقوق السياسية والاجتماعية مقابل الأمن والاستقرار.

فعديد المشاريع تطلبت إزالة مساكن آلاف المصريين الذين أصيبوا بصدمة من التحولات السياسية الزلزالية بين عامي 2011 و2013، وقررا أغلبهم قبول أي صيغة للاستقرار بعد سنتين من الاضطرابات.

وفي حين رحب المصريون في البداية بمشروعات البنية التحتية الجديدة التي من شأنها تسهيل تنقلاتهم اليومية وسفرهم داخل البلاد، قضى العديد من تلك المشروعات على التراث الثقافي للبلاد، خاصة في القاهرة الكبرى والإسكندرية.

فالمباني الجديدة المتصلة عبر طرق سريعة متعددة المسارات ألحقت أضرارًا بالغة بالهوية العمرانية في المدينتين، في إطار تخطيط عمراني "يوحي بمحاولة من الدرجة الثانية لتقليد المدن الحديثة في دول الخليج" حسب تعبير الباحثة.

 وضربت "حفصة" مثالا بالمنطقة المحيطة بالهرم الأكبر في محافظة الجيزة (أحد عجائب الدنيا السبع)، مشيرة إلى أن "امتدادات الطرق السريعة أزالت أي إحساس بالحياة الفرعونية" بالمنطقة.

وأضافت أن العديد من النخبويين المصريين انتقلوا خلال السنوات العشر الماضية إلى مدن توفر مساحات خضراء وفيلات كبيرة، ما زاد من عزلهم عن عموم الطبقة الوسطى والفقيرة في القاهرة، مشيرة إلى أن مشهد الجسور الجديدة التي تربط بين المباني الشاهقة في المدينة بات معتادا في العاصمة المصرية القديمة، ما ألحق ضررا بالغا بهويتها المعمارية التاريخية.

وامتد هذا الضرر إلى "العوامات" التي سكنها مصريون على ضفاف نهر النيل، ورغم جهود حملة عالمية لإنقاذهم على مدى أسابيع، إلا أن السلطات صادرت مساكنهم ودمرتها في وقت سابق من هذا الصيف، تاركة سكانها الذين ولد بعضهم على متنها وعاشوا فيها لعقود يدبرون أمورهم بأنفسهم، والاكتفاء بصرف تعويضات هزيلة للقليل منهم.

 وتحت شعار "النيل للجميع"، يشير التقرير إلى أن الحكومة المصرية تسعى إلى استبدال العوامات بمطاعم ومقاه، واصفا ذلك بأنه "عملة استئصال تكررت مع معظم المساحات الخضراء في القاهرة"، إذ تم استبدال كثير من المتنزهات الصغيرة بأماكن لوقوف السيارات أو أكشاك للطعام والبضائع.

وأدى ذلك إلى نزوح الآلاف من السكان قسراً لإفساح المجال أمام المباني السكنية الشاهقة التي لا يستطيعون تحمل تكاليفها.

كما أعادت الحكومة المصرية إسكان آلاف المواطنين، الذين تم إجلاؤهم من الأحياء الفقيرة في القاهرة، إلى مساكن بضواحي العاصمة، ما أدى إلى إبعادهم عن سبل عيشهم، ومحو وجودهم فعليًا من الأماكن العامة الحيوية.

لكن القاهرة ليست المدينة الوحيدة الخاضعة لهذا الواقع الجديد، بل الإسكندرية أيضا، وهي ثاني أكبر مدينة في مصر، حيث سلط التقرير الضوء على "تدمير كورنيش المدينة والمناطق المحيطة به لإفساح المجال أمام المزيد من الطرق السريعة والجسور، التي تم بناء بعضها على الشاطئ نفسه".

وكما هو الحال في نيل القاهرة، يعيد النظام المصري تصميم ممر كورنيش  الإسكندرية بطول ساحل البحر الأبيض المتوسط، في إطار "أجندة أوسع لمحو الماضي"، بحسب التقرير.

وترى الباحثة "حفصة" أن هذه الأجندة كانت واضحة للكثيرين في وقت مبكر، وتحديدا مع إعادة تصميم ميدان التحرير الشهير في القاهرة عام 2020، مع حظر التجمعات فيه، في علامة على تحريف التاريخ عبر إزالة رمز ثورة يناير/كانون الثاني 2011.

ففي السنوات التي تلت الربيع العربي، استهدفت إعادة تصميم الميدان "تغيير علاقة المواطنين بالدولة وبهويتهم الخاصة"، وهو ما جرى تنفيذه عبر مشاريع البنية التحتية وما يرافقها من تغيرات اجتماعية وثقافية.

وفي السياق، أشارت الباحثة إلى استخدم "السيسي" بانتظام "لغة سلبية ومهينة للتعبير عن إحباطه من عموم المواطنين"، مشيرة إلى وصفه للمصريين، في خطابات مختلفة منذ عام 2013، بأنهم "كسالى ومسرفون وأنانيون".

ولذا اعتبرت "حفصة" حث "السيسي" للمصريين على مزيد من الانخراط السياسي لدعم جهوده التنموية "مفارقة" لا تدعمها مشروعاته على الأرض.

المصدر | المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

مصر عبدالفتاح السيسي العاصمة الإدارية القاهرة الإسكندرية

قرارات خاطئة وخسائر فادحة.. ماذا وراء استقالة رئيس مجلس إدارة العاصمة الإدارية بمصر؟