الصين وأوروبا في الخليج: منافسة أم تعاون؟

الخميس 17 نوفمبر 2022 04:21 م

أدى استمرار حرب أوكرانيا إلى تحول في العلاقة بين أوروبا والخليج، فبعد أن قرر الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" غزو أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، زار كثير من القادة الأوروبيين منطقة الخليج في إطار سعيهم لتأمين مصادر بديلة للطاقة.

وفي مارس/آذار، توجه رئيس الوزراء البريطاني "بوريس جونسون" إلى الإمارات والسعودية فيما تم اعتباره جزءًا من الجهود المبذولة لتأمين المزيد من إمدادات النفط وزيادة الضغط على روسيا.

وبعد أسبوع واحد، قام وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي بزيارة قطر وعمان والكويت لمناقشة القضايا الثنائية والدولية في ضوء أزمة أوكرانيا وإمدادات الطاقة في أوروبا.

وفي نفس الوقت، زار وزير الاقتصاد الألماني الدوحة وأبوظبي في محاولة لزيادة إمدادات الغاز الطبيعي المسال لألمانيا. وتعد دبلوماسية النفط التي تتبعها أوروبا انعكاسًا للتطورات في علاقات أوروبا والخليج على خلفية أزمة أوكرانيا. 

ومن منظور جغرافي، فإن الاتحاد الأوروبي يقع على بعد 164 ميلاً فقط من الشرق الأوسط.

وفي الواقع جعلت الحقبة الاستعمارية أوروبا أكثر قربا للخليج؛ فقد هيمنت بريطانيا على منطقة الخليج لفترة تزيد على 150 عاما، حتى انسحابها في عام 1971، لكن المملكة المتحدة لا تزال تحتفظ بعلاقات قوية مع نخب ممالك الخليج، لا سيما العائلات المالكة.

أما القوى الأوروبية الأخرى، مثل البرتغال وفرنسا وهولندا، فقد امتدت تجارتهم ومصالحهم التجارية في منطقة الخليج في وقت مبكر يعود إلى القرن 17.

ووفقًا للأرقام الرسمية للمفوضية الأوروبية، فإن الاتحاد الأوروبي يعد ثاني أكبر شريك تجاري (بعد الصين) لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث يمثل 12.3% من إجمالي تجارة سلع دول مجلس التعاون الخليجي عالميًا في عام 2020.

كما تم تصنيف الاتحاد الأوروبي كشريك الاستيراد الأول لدول مجلس التعاون الخليجي. وبعد اندلاع الحرب الأوكرانية، تزايد توجه أوروبا نحو الخليج.

صعود الصين في الخليج

على الجانب الآخر من أوراسيا، أصبح لدى الصين اتصالاتها الاستراتيجية الشاملة مع دول الخليج. ففي يناير/كانون الثاني الماضي؛ أي قبل أزمة أوكرانيا، قام 4 وزراء خارجية في دول خليجية (من السعودية والكويت وعمان والبحرين) إلى جانب الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي بزيارة بكين لمناقشة تعزيز علاقات الطاقة واتفاقية التجارة الحرة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي.

وبعد ذلك بوقت قصير (في فبراير/شباط) تمت دعوة أمير قطر والحاكم الفعلي للإمارات آنذاك من قبل رئيس الصين لحضور حفل افتتاح الألعاب الأولمبية الشتوية الـ24 في بكين.

وكان هذا أيضا أول تفاعل مباشر بين الزعيمين الخليجيين منذ نهاية الززمة الخليجية التي استمرت 4 سنوات.

في غضون ذلك، أعلن الرئيس الصيني أن بلاده ستدعم قطر في استضافة مونديال قطر 2022 والألعاب الآسيوية 2030، فيما قدمت بكين زوجي الباندا "سهيل وثريا" كهدية لقطر بمناسبة استضافة كأس العالم، فيما ترسل الصين 800 كيلوجرامًا من الخيزران الطازج جوًا لقطر كل أسبوع لمن أجل هذا الزوج الثمين من الباندا.

إلى جانب "دبلوماسية الباندا"، ساهمت الشركات الصينية في البنية التحتية الضخمة لكأس العالم في قطر، بما في ذلك استاد لوسيل العملاق الذي سيحتضن المباراة النهائية.

أضف إلى ذلك منح قطر صفة "شريك في الحوار" ضمن منظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها الصين.

كما وقعت قطر العديد من عقود الغاز الطبيعي المسال طويلة الأجل مع الشركات الصينية، مثل "سينوبك" و"تشاينا ناشونال أوفشور أويل كورب" في عام 2021 ، وهو العام الذي شهد أهم زخم في العلاقات الثنائية.

ووفقًا لوزارة الخارجية الصينية فقد بلغ حجم التجارة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي 232.67 مليار دولار في عام 2021، بزيادة 44.1% عن 2020.

أصبح صعود النفوذ الصيني في منطقة الخليج تحديا مهما للولايات المتحدة وأوروبا، خاصة مع تصاعد المخاوف من تزايد انجراف الخليج نحو الصين وروسيا.

تعاون أم تنافس؟

على عكس المنافسة الممتدة بين الولايات المتحدة والصين في جميع أنحاء العالم، فربما تتشارك أوروبا والصين بعض المصالح التي تحمل آفاقا للتعاون في هذا المنطقة الاستراتيجية، فالخليج وصلة جغرافية طبيعية بين الصين وأوروبا.

وعلى سبيل المثال، فإن الإمارات محور حاسم لإعادة تصدير البضائع الصينية إلى الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا الشرقية.

ويعتبر مركز "دراجون مارت" في دبي (أكبر مركز تسوق صيني خارج البر الرئيسي للصيني) مثالًا ممتازًا على التجارة بين الصين والخليج وأوروبا.

واستلهمت الصين طريق الحرير القديم التاريخي، الذي كان شبكة طبيعية من طرق التجارة الأوراسية منذ ما يقرب من 1500 عام حيث حمل التجار الفرس والعرب الحرير من الصين إلى أوروبا عبر منطقة الشرق الأوسط، لتخرج بمبادرة "الحزام والطريق" التي تعد مفيدة لأوروبا ومنطقة الخليج من منظور اقتصادي.

كما تتشارك الصين وأوروبا المصالح الأمنية في منطقة الخليج؛ بما في ذلك الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة والشحن، باعتبارهما أهم شريكين تجاريين للشرق الأوسط.

ويمكن القول إن أي اضطراب أو نزاعات في منطقة الخليج تثير مخاوف كبيرة لدى الصين والدول الأوروبية لأن الجانبين بحاجة إلى إمدادات الطاقة من هذه المنطقة، خاصة في ظل منافسة القوى العظمى وأزمة أوكرانيا.

لذلك تعزز الصين انخراطها في أمن المنطقة وتسعى للوجود المستدام فيها، كما تعود أوروبا بشكل أكبر إلى الخليج لاعتبارات جيوسياسية في ظل أزمة الطاقة. 

لكن لا تستطيع الصين أو أوروبا الهيمنة على هذه المنطقة الحاسمة. وصحيح أن النفوذ الاقتصادي للطرفين لا يمكن إنكاره، إلا أن دول الخليج تطور استراتيجية موازنة تجاه القوى العظمى.

وبالفعل تسعى هذه الممالك الحذرة لتجنب التورط في "منافسة القوى العظمى"، مثلما قال السفير الأمريكي السابق في اليمن "جيرالد فييرستين".

أما الأهم فهو أن الصين وأوروبا ليس لديهما وجود عسكري بارز في هذه المنطقة، ومن غير المرجح أن تتمكن أي منهما من محاكاة الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج في المستقبل القريب.

وهكذا، فإن كلا الجانبين لا خيار لديهما سوى التعاون حول قضايا الخليج.

ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من التحديات أمام التعاون المحتمل بين الصين وأوروبا في الخليج. فأولاً، لدينا منافسة القوى العظمى التي تمزق العالم، ومن الواضح أن أوروبا والصين في جانبين مختلفين.

وثانيًا، فإن التحيز الأيديولوجي وسوء الفهم قد يؤديان إلى تعميق عدم الثقة وسوء التقدير بين كلا الجانبين. وقد يؤدي ذلك إلى انهيار جهود التعاون المحتمل ويحفز منافسة خطيرة في المستقبل.

المصدر | تنجي وانج/ مركز دراسات الخليج - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

منافسة القوى العظمى حرب أوكرانيا العلاقات الخليجية الصينية منظمة شنغهاي للتعاون الحزام والطريق

الصين تتطلع إلى منطقة الخليج لإبراز قوتها العسكرية في الخارج