مكاسب اقتصادية وسياسية.. كيف تستفيد قطر من المونديال؟

الاثنين 21 نوفمبر 2022 07:15 ص

من المتوقَّع أن تتجاهل بطولة كأس العالم في قطر، الجدل المثار حول مزاعم انتهاك حقوق العمال وحظر المثليين، وتحقق إيرادات قياسية تصل إلى 17 مليار دولار للدولة المضيفة ومليارات أخرى للدول المجاورة، وأكثر من 6 مليارات دولار للمنظمين في الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).

وتسعى قطر، لتنظيم نسخة استثنائية، فريدة ومميَّزة على جميع المقاييس لم يسبق لها مثيل على مدار تاريخ تنظيم بطولات كأس العالم، خاصة أنها تُقام لأول مرة في بلد عربي، وللمرة الثانية في قارة آسيا، حيث تتضافر جهود مختلف شرائح المجتمع، من شتى المجالات والجنسيات والخبرات، كفريق واحد.

وسخَّرت قطر إمكانات مالية ضخمة لبناء وتشييد هياكل البنية التحتية اللازمة لإعادة بناء الدولة وتقديم نسخة فريدة من المونديال، تترك أثراً إيجابياً كبيراً على قطر يتوافق مع تحقيق رؤيتها لعام 2030.

وأمام ذلك، ضخَّت أكثر من 220 مليار دولار في الاستعدادات للحظة انطلاق المونديال التي طال انتظارها، في 20 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، سعيا منها لترك بصمة قويّة الأثر في الساحة الرياضية العالمية، وأذهان عشاق الساحرة المستديرة، وهي الميزانية الأعلى في تاريخ مسابقات كأس العالم قاطبة.

الجدير بالذكر أن مونديال البرازيل عام 2014 كأن يُعد الأغلى، فيما أحتل مونديال روسيا عام 2018 المرتبة الثانية، حيث وصلت تكلفة البطولتين معا أقل من 15 مليار دولار.

ويقول خبير تمويل كرة القدم والمحاضر في جامعة شيفيلد هالام "دان بلوملي"، إنه عندما جرى منح قطر حق استضافة مونديال عام 2022 في عام 2010، أشارت التقديرات الأولية بأن التكلفة المحتملة سوف تصل 65 مليار دولار.

ويضيف أن بعض التقديرات الحديثة تشير إلى أنه من المحتمل أن "تتجاوز التكلفة 220 مليار دولار"، مضيفا: "سيكون مونديال قطر الأضخم من حيث التكلفة على الإطلاق رغم أننا حتى لا نعرف المقدار بشكل دقيق".

يشار إلى أن مبلغ الـ220 مليار دولار الذي ضخته قطر لم يكن مخصصاً فقط لتشييد ملاعب وغيرها من احتياجات كأس العالم، بل كان موجهاً لتمويل مشروعات البنية التحتية للدولة بالكامل من طرق ومواصلات وأنفاق وكباري وتشييد مترو الدوحة وتوسعات مطار حمد الدولي وغيرها.

من الناحية العملية والفعلية، تعتبر هذه الميزانية الضخمة التي رصدتها قطر لتنظيم بطولة كأس العالم 2022 جزءاً مهمّاً ومتكاملاً من رؤية قطر الوطنية 2030 الهادفة إلى إنشاء بنية تحتية عالمية المستوى.

وتترقب قطر، المباراة النهائية في 18 ديسمبر/كانون الأوّل، لتتزامن مع الاحتفال باليوم الوطني للدولة، ليشهد العالم في هذا اليوم تتويجاً لجهود 12 عاماً من العمل المتواصل، استعداداً لأكبر حدثٍ رياضي عالمي، بداية بخطوة الترشُّح وتقديم الملف، مروراً بلحظة نيل شرف الاستضافة، وصولاً إلى الاستحقاق التاريخيّ الذي يؤسِّس لمرحلة جديدة من الازدهار القطري غير المسبوق.

وبعد هذا الجهد، من المُتوقَّع أن تصل قيمة المكاسب الاقتصادية التي ستحقِّقها قطر من استضافة بطولة كأس العالم 2022 إلى 17 مليار دولار، مقارنة بـ3.31 مليارات دولار في مونديال ألمانيا عام 2006، ومكاسب مماثلة تنوَّعت ما بين مساهمة اقتصادية بقيمة 509 ملايين دولار في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لعام 2010 وفوائد اقتصادية بقيمة 769 مليون دولار للأسر في جنوب أفريقيا عام 2010، ونحو 13.4 مليار دولار في البرازيل عام 2014، و14.5 مليار دولار في روسيا عام 2018.

ووفقاً لتوقُّعات صندوق النقد الدولي، سيرتفع معدل النمو الاقتصادي في قطر إلى 3.4% في عام 2022 (ونمو قدره 4.1% في القطاع غير النفطي) نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات واستضافة المونديال.

ووفق عضو مجلس إدارة الاتحاد العربي للاستثمار "كريم إسماعيل"، فإن الاستثمار أو الصناعة الرياضية أصبح لها مفهوم مختلف، وعوائد كبيرة، وهناك حاليًا اقتصاد رياضي وطب رياضي وسياحة رياضية.

ويضيف: "قطر لن تحقق 10% عوائد من تكاليف تنظيم كأس العالم، ولكن هذا المبلغ تم ضخه لما بعد المونديال، خصوصا وأن قطر ليست دولة سياحية، والرقم الضخم الذي تم صرفه، لتفتح البلد مصارد جديدة لدخلها".

يشار إلى أن 8 ملاعب ستحتضن الفعالية بتقنية عالية ومزودة بأحدث التكنولوجيات لضمان أقصى درجات الراحة للمتفرجين؛ حيث من المتوقع أن يزور قطر 1.2 مليون مشجع لحضور هذا الحدث التاريخي الذي سيعزز قطاع السياحة في البلاد.

لكن مع انتهاء البطولة، فإن قطر التي يبلغ عدد سكانها 2.8 مليون نسمة، لن تكون في حاجة إلى مثل هذا العدد من الملاعب.

وسبق أن مثلت الاستثمارات الكروية غير المرغوب فيها أو غير المربحة، إشكالية للدول التي استضافت بطولات كأس العالم الأخيرة، لكن قطر تطمح في التغلب على ذلك؛ إذ ستعمل على إبقاء 3 من الملاعب الـ8 فيما سيُجرى تفكيك الملاعب الـ5 المتبقة أو إعادة تحويلها لأغراض بديلة أو حتى سيتم تقليص قدراتها بشكل كبير.

ويعتقد خبير تمويل كرة القدم في جامعة ليفربول "كيران ماجواير"، أن قطر ستستخدم هذه المرافق والملاعب الكروية للحصول على حق استضافة نهائيات بطولات أوروبية مثل نهائي دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي؛ ما سيعزز حضورها الرياضي والسياحي مستقبلا.

بشكل عام، فإن التأثير الاقتصادي الإيجابي لهذا الحدث الكروي العالمي لا يقتصر على قطر فحسب، بل سيكون لجاراتها الخليجية أيضاً نصيب منه، فمن المُتوقَّع أن تنتعش السياحة وترتفع نسب إشغال الفنادق في السعودية والإمارات والكويت وسلطنة عمان.

كما سيستفيد من المونديال الأردن ومصر وإيران.

ووفقا لتقرير نشره موقع "يورو نيوز"، ستحظى الشركات والمؤسسات في المنطقة، بدفعة قوية تُسهم في تعزيز أعمالها بسبب مونديال قطر.

ويتوقع أن يسهم المونديال في تحقيق أرباح ضخمة لشركات الطيران الخليجية، وقطاعات الفنادق والمطاعم، والنقل الداخلي.

العائدات الكبيرة ستصل كذلك إلى الاتحاد الذي يدير بطولات كرة القدم "فيفا"، حيث من المتوقع أن تفوق الإيرادات التي حققها كأس العالم في روسيا 2018، والتي بلغت حينها 5.4 مليارات دولار تقريباً.

فـ"فيفا" باع حقوق البث مسبقاً، فضلاً عن 240 ألف باقة ضيافة تقريباً، ونحو 3 ملايين تذكرة للبطولة.

كما أنَّ مبيعات التسويق لدورته 2019-2022 ستتفوق على الرقم المدرج في الميزانية، والذي يناهز 1.8 مليار دولار.

كما ترعى نخبة من العلامات التجارية الكبرى كأس العالم، بما في ذلك "أديداس" و"كوكا كولا".

من المتوقَّع أن يتفوق "فيفا" على هدف الإيرادات البالغ 6.4 مليارات دولار لدورته 2019-2022، ومعظمها يأتي من المونديال.

وبالعودة إلى قطر، تتطلَّع الدولة الخليجية إلى تحصيل مكاسب أخرى تفوق في أهميتها المكاسب الاقتصادية، حيث ترغب في الوصول إلى مكانة دولية مؤثِّرة، تعزيز أدائها الدبلوماسي وحضورها الدولي، إبراز قوَّتها الناعمة، وتحسين الصورة المرسومة عن المنطقة العربية الموبوءة بالصراعات.

فمن شأن استضافة هذا الحدث الرياضي العالمي الضخم أن يعزِّز ثقة العالم بقطر، ويزيد من حظوظها في إقامات شراكات استراتيجية أكثر، وتكثيف جهود الوساطة لوضع حدًّ نهائي للخلافات والأزمات السياسية المعقَّدة.

ويأتي هذا الحدث الكروي العالمي ليتوِّج جهود قطر الأخرى كالمساهمة في ضمان أمن الطاقة لبقية العالم من خلال إمدادات الغاز الطبيعي والتوسُّط لتوقيع اتِّفاق تاريخي للسلام بين الولايات المتَّحدة وحركة "طالبان" الأفغانية.

بدوره، يعتبر "بلومي" مونديال قطر "رهانا كبيرا على القوة الناعمة" للدولة الخليجية، لكنه من الناحية التجارية يمثل خسارة، مضيفا هذا الأمر لا يثير قلق قطر الغنية بالغاز في ضوء ما تزخر به من ثروات كبيرة في مجال الطاقة.

وفي هذا الصدد، قال إن المكاسب الرئيسية التي تسعى قطر إلى تحقيقها من وراء استضافة كأس العالم ليست "تجارية" فقط، مضيفا أن الدافع الرئيسي يتمثل في "تعزيز العلاقات الدولية ودور قطر الاستراتيجي والدفاعي كقوة ناعمة فيما يبدو أن المال ليس هدف قطر".

وعلى عكس كل الدول التي سبق لها تنظيم بطولة كأس العالم، لا تنظر قطر لمونديال 2022 من زاوية الربح والخسارة الضيِّقة فقط، بل تسعى حقّاً لإيجاد موضع استراتيجي لها في الساحة الدولية وموقع متقدِّم في لعبة التوازنات، وتطمح لأن تكون أيضاً "الحصان الأسود" الذي يجمع بين يديه خيوطاً كثيرة تجعل منه طرفاً ضرورياً في النظام العالمي الجديد الآخذ في التشكُّل.

خلاصة القول، لن تقع قطر في فخّ المكاسب قصيرة الأجل لاستضافة بطولة كأس العالم كما حدث مع البرازيل وغيرها، بل على العكس تماماً يهيِّئ هذا البلد الخليجي نفسه ليصبح مركزاً رياضياً وسياسياً واقتصادياً ذا مواصفات عالمية في الشرق الأوسط.

المصدر | الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

قطر مكاسب اقتصاد قطر مونديال قطر المونديال كأس العالم

جمهور مختلف وتعديلات قوانين وحكم امرأة.. مونديال قطر يشهد تغييرات لأول مرة