وجه استشراقي قبيح.. هذا ما كشفته التغطية الغربية لمونديال قطر 2022

الاثنين 28 نوفمبر 2022 07:54 م

تذكرنا الحملة التي تشنها وسائل الإعلام الغربية ضد استضافة قطر لكأس العالم 2022، بأن الاستشراق القديم مستمر، ولن يتم التخلي عنه بسهولة.

ويحاول الغرب حاليا تذكير قطر وغيرها من الدول غير العربية فضلا عن سائر دول المنطقة أو الجنوب العالمي عمومًا بأن الغرب هو النموذج الذي ينبغي على "البقية" أن يحذوا حذوه. وتعد هذه الغطرسة الفجة امتدادا لعصر الاستشراق الكلاسيكي.

هناك أشياء كثيرة بخصوص قطر تستحق أن يتم انتقادها ووضعها تحت الأضواء، ولكن هناك فارق كبير بين انتقاد بلد لخطأ محدد وبين التصريحات المستهينة بالثقافة والتنميط الذي يعكس عنصرية ضمنية.

وتجلى ذلك في الحادثة التي ضغط فيها مذيع على مراسل فرنسي في الدوحة أثناء بث تلفزيوني مباشر بشأن المشاكل التي يراها، ولم يكن لدى الصحفي شئ بخلاف أن الدوحة "لديها الكثير من المساجد".

ومن بين العديد من الصور المذهلة المتوفرة لاستاد البيت (الذي استضاف في 20 نوفمبر/تشرين الثاني حفل افتتاح كأس العالم وأول مباراة في البطولة) اختار مراسل في صحيفة "نيويورك تايمز" نشر لقطات للاستاد الذي يتسع لـ60 ألفًا من زاوية تظهر المساحات الشاسعة الفارغة حوله.

وغرد قائلًا: "بعد مرور 12 عامًا، يفتتح كأس العالم هنا في غضون ساعات قليلة. من اللافت التفكير في أن هذا الاستاد مبنيّ على بعد أميال من الأنقاض والرمال".

كما خلقت الكثير من وسائل الإعلام التي تحدثت عن استضافة قطر لكأس العالم تصورًا عن بلد همجي يخاطر الناس بحياتهم إذا تجرؤوا على زيارته. وكتبت مستخدمة على "تويتر": "بصفتي أنثى مصابة بإعاقة، فلن أخاطر أبدًا بالذهاب إلى قطر. ليس لدي حقوق في البلاد. كيف يمكنني احترام بلد لا يحترمني؟".

ولكن، بالنسبة لأولئك الذين عملوا وعاشوا في قطر لعدة سنوات، فإن هذه الادعاءات والعديد من الادعاءات المماثلة مثيرة للاندهاش.

حملة تشويه

لماذا يكون لدى شخص لم يسبق أن جاء إلى قطر أبدًا الانطباع بأن هذا البلد لا يحترم المعاقين؟، الحقيقة أن الواقع عكس ذلك تمامًا، حيث توفر قطر وبقية دول الخليج الثرية عامة مرافق ممتازة للأشخاص ذوي الإعاقة.

وخلال حفل الافتتاح، ظهر نجم هوليوود "مورجان فريمان" برفقة الشاب القطري الملهم "غانم المفتاح"، البالغ من العمر 20 عامًا، والذي وُلد بمتلازمة التراجع الذيلي، الذي أعاق تطور النصف السفلي من جسده، وأرسل ذلك رسالة دعم رائعة للأشخاص ذوي الإعاقة في كل مكان ولمس معظم الذين رأوه.

وتضاعف قوة وسائل الإعلام الغربية وحجمها العالمي تأثير الصور النمطية وتعززها، ولكن أي جزء من العالم تمثله وسائل الإعلام هذه؟.

بالكاد يصل عدد سكان العالم الغربي مجتمعين (بما في ذلك أوروبا الغربية والولايات المتحدة وكندا وأستراليا) إلى 600 مليونًا، أي أقل من 8% من سكان العالم.

تشمل المجموعات الديموجرافية الأخرى أكثر من 1.4 مليار صيني، وحوالي 1.4 مليار هندي، وأكثر من 1.2 مليار أفريقي. ومقارنة بالغرب المسيحي، يضم العالم ما يقرب من ملياري مسلم و1.2 مليار هندوسي.

وعلى مثل هذه التركيبة السكانية والأمم الشاسعة والعدد الهائل من المعتنقين لأديان أخرى، تريد الأقلية الغربية فرض ما تراه حقًا على كل العالم وسكانه المتنوعين.

جدل "الشذوذ"

أحد أهم القضايا التي هاجمت وسائل الإعلام الغربية قطر بسببها هي القيود التي وضعتها الدولة على الزوار بخصوص "الشذوذ". وبالرغم أن الدوحة رحبت بجميع الناس بغض النظر عن "توجههم"، إلا إنها لم تسمح بالتعبير العام عن التوجهات التي تصطدم مع ثقافة المجتمع القطري، وهنا ردت وسائل الإعلام الغربية بشراسة.

وكانت الرسالة الضمنية لوسائل الإعلام الغربية هي: "نريد أن نأتي إلى بلدك وأن نفعل الأشياء بطريقتنا الخاصة حتى لو كانت ضد قواعد وذوق وتقاليد ودين مجتمعك، ويجب أن تقبل هذا لأن هذا حدث دولي، وليس حدثًا محليًا قطريًا".

وترى وسائل الإعلام أن "دولي" هنا تعني بشكل غير مباشر "غربي"، ومن اللافت أنه لا توجد حملات مماثلة في وسائل الإعلام الآسيوية أو الأفريقية.

بالطبع، لا تتحرك كل وسائل الإعلام الغربية بدوافع استشراقية وتحامل ضد الآخر، ولكن حتى الحملات العادلة وحسنة النية التي تدعم بعض القضايا والمجموعات يمكن أن تأتي بنتائج عكسية إذا كانت لغتها ولهجتها مبالغًا فيها بشكل واضح.

النقطة المهمة هنا ليست الموافقة أو عدم الموافقة على موقف قطر إزاء الشذوذ الجنسي، ولكن ينبغي رؤية الأشياء من منظور أوسع يأخذ في الاعتبار حساسيات الثقافات المحلية.

ولدى المجتمعات غير الغربية أولوياتها ومشاكلها الخاصة التي تتعامل معها، كما إنهم يتعاملون مع القضايا الثقافية والمجتمعية الحساسة بطرق مختلفة وسرعات متفاوتة. وينبغي الإشارة إلى أن معظم الدول الغربية كانت تجرّم الشذوذ الجنسي حتى التسعينيات.

منع الكحول

نشأ هجوم محموم آخر من وسائل الإعلام الغربية بسبب حظر الكحول في الملاعب والمناطق المجاورة لها. ومرة أخرى، لم يشاهد أي غضب مواز في وسائل الإعلام الخاصة ببقية العالم.

وأصبح "تقليد" مشاهدة الألعاب مع شرب الكحول جزء لا يتجزأ من تجربة كرة القدم، لكن معظم المجتمعات في جميع أنحاء العالم تحتقر مشاهد السكارى شبه العراة وهم يترنحون ويصرخون في الشوارع. إذن، لماذا يقبل مجتمع محافظ هذه الممارسات خلال كأس العالم؟، هل سيسمح الناس في الهند مثلًا لمجموعة من الأجانب بالاحتفال في قلب دلهي من خلال ذبح الأبقار؟.

كرة القدم لعبة جميلة والبطولة دولية بالفعل، لكن الممارسات الأخرى ليست دولية، كما إنها ليست جزءًا لا يتجزأ من التجربة. أما الشئ الدولي حقًا فهو الاحترام المتبادل لمعايير وثقافات الآخر.

العمال المهاجرون

كانت القضية الكبيرة الأخرى التي تم استخدامها لمهاجمة قطر هي الظروف السيئة التي يواجهها العمال المهاجرون. وكان جزء من هذا النقد له وجاهة بالفعل وكان هناك حاجة ماسة له، وهنا لعبت وسائل الإعلام دورًا بناءً.

فقد أجبر هذا النقد الدولة على الاستماع وتحسين ظروف هؤلاء العمال بشكل كبير، وهناك اختلاف كبير في ظروف العمل بين عام 2010 (عندما فازت قطر باستضافة كأس العالم) والآن.

وهناك ادعاء آخر غالبًا ما يُشاهد في وسائل الإعلام الغربية، وهو أن قطر أنفقت 220 مليار دولار على الاستعدادات لكأس العالم. وأي بحث على "جوجل" باستخدام هذا الرقم يعرض العديد من تقارير وسائل الإعلام الغربية التي تكرر هذا الرقم الهائل بلغة مليئة بالاحتقار والتعصب والعنصرية الضمنية.

لكن هذه التقارير نادرًا ما تذكر الرقم الرسمي الذي يسرد التفاصيل ويكشف أن التكلفة المباشرة كانت حوالي 8 مليارات دولار فقط، وحتى لو ذهبنا لتقبل رقم 220 مليار دولار، والذي يفترض أنه أُنفق بين عامي 2010 و 2022، فقد تم استخدام هذه الأموال - كما يمكن أن يرى أولئك الذين يعيشون في قطر بوضوح - لبناء مشاريع بنية تحتية جديدة ضخمة، ومدن صغيرة، وطرق سريعة، وجسور، وحدائق وموانئ وغيرها من الأشياء الأخرى.

وكل هذا على مدى 12 عامًا، ويعني هذا حوالي 18 مليار دولار سنويًا في المتوسط​​، وضمن الميزانية المتوقعة لبلد ثري صغير.

وكملاحظة أخيرة، فإذا قارنا المدن الأوروبية الكبرى مثل لندن وباريس وأمستردام ومدريد وغيرها، بالمدن الآسيوية مثل كوالالمبور والدوحة ودلهي والرياض ودبي، فيجب أن نتذكر أن هذه المدن الأوروبية كانت مبنية على الثروة المنهوبة من الدول الأخرى في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، فيما تم بناء مدن المجموعة الثانية بواسطة ثروات تلك الدول، وليس الثروة المسروقة من البلدان المستعمرة.

هناك شعور متجذر بعمق في النفسية الغربية باستحقاق الثروة العالمية، ويعني ذلك أن الثروة يجب أن تكون في أيدي المتحضرين؛ أيّ الغرب، وأن المتحضرين فقط هم القادرون على تنظيم الأحداث العالمية الضخمة بكفاءة.

لكن وجود دولة صغيرة لديها كل من الثروة الكبيرة والقدرة على تنظيم حدث ضخم مثل كأس العالم، يتعارض مع "طبيعة الأشياء" وفق تصور الاستشراق الكلاسيكي العائد للقرن الـ 19، والذي يبدو أنه لا يزال يهيمن على وسائل الإعلام الغربية اليوم.

المصدر | خالد الحروب/ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

مونديال قطر كأس العالم استشراق عنصرية غانم المفتاح وسائل الإعلام الغربية الغرب