الثلاثاء 31 مايو 2022 07:07 ص

كان رد فعل المجتمع الدولي سريعًا على الغزو الروسي لأوكرانيا حيث قدمت دول الناتو دعما عسكريا مباشرا لكييف وجرى فرض عقوبات غير مسبوقة ضد روسيا، فضلا عن بيانات الإدانة في المؤسسات الدولية. وفي النهاية، تسللت الجغرافيا السياسية للحرب إلى عالم كرة القدم أيضًا.

وبالرغم أن الفيفا حاولت تاريخيا تجنب تأثير الجغرافيا السياسية على الرياضة، إلا أنها أعلنت استبعاد منتخب روسيا وأنديتها من جميع البطولات الدولية بما في ذلك مونديال قطر 2022.

وكان استبعاد روسيا من قبل الفيفا لافتا لسببين؛ أولاً: لم تعاقب الفيفا تاريخياً أيا من المنتخبات على الصراعات التي تخوضها بلادهم. وثانياً: فهذه هي المرة الأولى التي تنحاز فيها الفيفا إلى الدول التي تفرض حملة مقاطعة على بلد ما.

عقاب على الصراع والانحياز للمقاطعين

وخلال تصفيات المونديال، كان من المفترض أن تستضيف روسيا منتخب بولندا في 24 مارس/آذار لكن قائد فريق بولندا "روبرت ليفاندوفسكي" قاد حملة لماقطعة المباراة، وحصل على الدعم الكامل من اتحاد بلاده الذي أعلن لاحقًا - بالاتفاق مع اتحاد التشيك والسويد – رفض اللعب مع روسيا في مباريات التصفيات. وبعد استجابة أولية ضعيفة، رضخت الفيفا في النهاية للضغط العام واستبعدت روسيا من جميع المنافسات.

ومنذ الحرب العالمية الثانية، لم تؤد النزاعات بين الدول إلى قرار من الفيفا باستبعاد فريق ما، وهناك مثالان بارزان على ذلك. فقد شاركت إنجلترا والأرجنتين في كأس العالم في إسبانيا عام 1982 بالرغم أن المملكة المتحدة كانت تدرس الانسحاب خلال حرب فوكلاند التي حدثت في وقت سابق من ذلك العام. بالإضافة إلى ذلك، خاضت إيران والعراق حربًا وحشية لمدة 8 سنوات خلال الثمانينيات، لكن الفيفا لم تستبعد أيا منهما من كأس العالم 1982 و1986.

وسابقا، حاولت الفيفا فصل النزاعات والتجاذبات السياسة عن كرة القدم، وحتى إنها كانت تراقب اتحادات كرة القدم لكل دولة لضمان عدم وجود تدخل سياسي من الحكومات.

وقد تكون قضية روسيا مختلفة بسبب دفعة التفاعل الهائل في جميع أنحاء أوروبا. ولكن الأهم من ذلك، أن رد فعل الفيفا جاء بعد أن أدانت اللجنة الأولمبية الدولية روسيا على كسر "الهدنة الأولمبية"، مما قد يفسر جزئياً استجابة الفيفا.

وتجدر الإشارة إلى أنه عندما يحدث تدخل سياسي محلي في عمل اتحاد الكرة، يكون رد فعل الفيفا سريعًا في معاقبة هذه الدول. وفي الآونة الأخيرة، استبعدت الفيفا كينيا وزيمبابوي من جميع المنافسات بسبب التدخل السياسي المزعوم من قبل حكوماتها في عمل اتحادات كرة القدم الوطنية.

وبعد قرار الفيفا بخصوص روسيا، اتخذت اللجنة البارالمبية الدولية واتحادات كرة القدم الأوروبية قرارات مماثلة، ما يضع عالم الرياضة في طليعة الجهود المبذولة لمقاطعة روسيا.

وتمثل حادثة استبعاد روسيا المرة الأولى التي تنحاز فيها الفيفا للمقاطعين بدلاً من الفريق الذي تمت مقاطعته، ومن اللافت أن هذا الأمر جاء بشكل سريع وبدون قرار سابق من الأمم المتحدة. وتاريخيًا، لم تعاقب الفيفا الدول التي تواجه مقاطعة.

وعلى سبيل المثال، كادت مقاطعة إسرائيل أن تصل بها إلى مونديال 1958 دون خوض مباراة واحدة نتيجة رفض كل الدول الإسلامية في مجموعة التصفيات اللعب أمام إسرائيل، واضطرت الفيفا إلى عقد منافسة استثنائية بين إسرائيل وويلز فازت فيها الأخيرة، فيما لم يتم التفاعل مع الدول الإسلامية المنسحبة (مصر والسودان وإندونيسيا).

لكن في حالة روسيا، فإن الدول المقاطعة - بولندا والسويد والتشيك - لم تفقد فرصتها في التصفيات، بل إن هذه الفرق أصبحت تواجه منافسة أقل للوصول إلى كأس العالم.

استغلال إيجابي للنفوذ السياسي

مع استعداد العالم لمونديال 2022، أصبحت كرة القدم الآن جزءًا من ترسانة قطر الدبلوماسية، حيث تعتبر الدوحة فعليًا كأس العالم فرصة للترويج لنفسها وترسيخ نفوذها في منطقة الخليج، وهي الجهود التي تكثفت بعد الحصار الذي قادته السعودية في عام 2017. 

ومع ذلك، يقدم مونديال قطر فرصًا للدول الأخرى في الخليج لممارسة القوة الناعمة والحصول على دفعة كبيرة - سواء كانت إعلامية أو لوجستية - من خلال جهودها لاستضافة المشجعين وتشجيع السياحة التي تعد ركيزة رئيسية في استراتيجيات التنويع الاقتصادي.

بالإضافة إلى ذلك، فمع تعافي اقتصادات دول الخليج من جائحة "كوفيد"، فإن هذا الحدث العالمي الضخم فرصة فريدة لهذه البلدان لإحياء روح مجلس التعاون الخليجي وتبنيه ككأس عالمي لجميع العرب.

وكما قال رئيس الفيفا "جياني إنفانتينو" في عام 2021: "أظهرت كرة القدم طوال الأزمة الخليجية أنها قادرة على تجاوز الخلافات وتوحيد شعوب الخليج، وأنا متأكد من أن اللعبة ستستمر في توحيد المنطقة في المستقبل القريب".

مع اقتراب انطلاق المونديال في 21 نوفمبر/تشرين الثاني، يبقى أن نرى كيف ستترجم وحدة مجلس التعاون الخليجي خلال حدث رياضي ضخم في المنطقة إلى علاقات أفضل. هناك آفاق كبيرة وتوقعات عالية للوحدة والتكامل. ويمكن أن تلعب كرة القدم دورًا رئيسيًا في لم شمل مجلس التعاون الخليجي.

تسييس المونديال

لا شك بأنه سيكون هناك المزيد من التسييس لكأس العالم مع انطلاق المنافسة، وقد يكون هذا العام أكثر كأس عالم مسيّس حتى الآن.

وفي 22 نوفمبر/تشرين الثاني، سيكون هناك مواجهة بين إيران والولايات المتحدة وستكون هذه هي المرة الأولى التي يتقابل فيها الفريقان في كأس العالم منذ عام 1998

ويعد قرار استبعاد روسيا مهما لها حيث استثمرت موسكو مبالغ هائلة من المال لغسل سمعتها بالرياضة خلال كأس العالم 2018 وأولمبياد شتاء 2014 في سوتشي لتعزيز سمعتها في الخارج بعد ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014.

وسيكون مونديال قطر بمثابة دليل على أن الرياضة أصبحت تتمتع بسلطة سياسية كبيرة ولم يعد بإمكانها تجاهل الأحداث خاصةً عندما تكون أحداثًا عالمية رئيسية تجتمع عليها أنظار الكثيرين في العالم.

ومع قرارات الحظر الأخيرة المفروضة على روسيا، أصبح هناك شيء واحد واضح: كرة القدم الآن مسيّسة وأي طرح يفترض عكس ذلك، لم يعد ممكنًا.

وبالرغم أن رد فعل الفيفا على الغزو الروسي مبرر، لكنه يفتح الباب لمزيد من الأسئلة في المستقبل. فالسابقة التي رسخها القرار سيتم استدعاؤها بلا شك في مواقف أخرى في المستقبل. على سبيل المثال، إذا غزت الصين تايوان هل ستستبعد الفيفا الصين من جميع المنافسات؟

وتنطبق مثل هذه الأسئلة على عدد لا يحصى من النزاعات العالمية، بما في ذلك في إثيوبيا وميانمار. ستحتاج الفيفا وغيرها من اللجان الرياضية إلى تحديد المعايير الأخلاقية للمشاركة مستقبلًا بدلاً من الاقتصار على الرد على الأحداث الجارية.

المصدر | حمد عباس وجوزي بيلايو | أتلانتيك كاونسل - ترجمة وتحرير الخليج الجديد