الإمارات وسوريا.. أبوظبي تمارس لعبة الشبكات مع الأسد وأمريكا تغض الطرف عمدا

السبت 14 يناير 2023 02:05 م

اعتبر تحليل نشره موقع "ميدل إيست آي" البريطاني أن الإمارات تحاول استغلال أية ثغرة لتعزيز العلاقات مع النظام السوري، دون أن تمضي قدما في إغضاب الولايات المتحدة لهذا السبب، في الوقت الذي تستخدم أبوظبي علاقتها المتنامية مع دمشق كورقة لتعزيز مكانتها كقوة إقليمية قد تلجأ إليها واشنطن في جهود وساطة مستقبلا مع "بشار الأسد".

ووفقا لوجهة النظر السابقة، يرى التحليل الذي كتبه "أندرياس كريج"، الخبير في الشؤون الأمنية والأكاديمي في جامعة كينجز كوليدج البريطانية، وترجمه "الخليج الجديد"، أن الولايات المتحدة قد تغض الطرف عمدا عن تقارب الإمارات والنظام السوري في سبيل جاهزية أبوظبي لتنفيذ جهود المساومة بين واشنطن ودمشق، إذا قررت الأولى تغيير سياساتها إزاء "الأسد" الذي بات متمسكا السلطة بحكم الأمر الواقع.

وفي تغريدة بتاريخ 6 يناير/كانون الثاني الجاري، حذر السناتور الأمريكي "جيم ريش"، الإمارات من مغبة مزيد من الانخراط مع حكومة "الأسد" في سوريا، وذلك بعد يوم واحد فقط من قيام وزير الخارجية الإماراتي "عبدالله بن زايد" بزيارته الثانية إلى دمشق للقاء رئيس النظام السوري.

ويقول الكاتب معلقا: "بصفته عضوًا في مجلس الشيوخ بلجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، يجب على ريش أن يدرك أنه مع قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا (عقوبات قيصر)، تمتلك واشنطن واحدة من أقوى الأدوات المتاحة لها لإبقاء الشركاء والحلفاء في الصف عندما تكون يأتي لتطبيع العلاقات مع دمشق".

بدلاً من أن تكون مجرد متفرج سلبي في سوريا، لا يزال لدى الولايات المتحدة نفوذ كبير على الشركاء العرب - إذا اختارت استخدامها، بحسب التحليل، وهو ما لا يبدو أن واشنطن تريد أن تفعله مع أبوظبي.

لماذا تتقارب أبوظبي مع الأسد؟

يحاول "كريج" الإجابة على هذا السؤال، قائلا إنه بالنسبة للإمارات، يعد النظام السوري أحد أصول بناء "سياسة الشبكات"، وتحاول أبوظبي استخدام العلاقات مع دمشق كورقة مساومة لتعزيز مكانتها كقوة وسطى إقليمية.

وفي حين أنه سيكون من الخطأ القول إنه لا يوجد حب بين اللاعبين الاستبداديين المعادين للثورات في الإمارات وسوريا، فمن المهم التأكيد على أن "الأسد" مجرد أداة يمكن للإماراتيين الاستفادة منها لوضع أنفسهم في موقع الوسيط العربي الرائد في سوريا ما بعد الثورة.

ويقول الكاتب إن إدارة الدولة الخليجية تعتمد على تطوير وإنضاج شبكات معقدة وسرية عبر جميع المجالات التي ترتبط جميعها بشكل مباشر أو غير مباشر بجهاز صنع القرار الاستراتيجي في أبوظبي، وهي الشبكات التي تجعل من الإمارات العربية المتحدة عقدة رئيسية للتأثير الإقليمي.

ويضيف: قدمت سوريا فرصة مثيرة للاهتمام للدولة الخليجية، لاسيما بعد أن بدأت الطاولات تنقلب لصالح حكومة "الأسد" المنبوذة عالميًا.

وبينما كانت دول الخليج الأخرى مثل المملكة العربية السعودية وقطر في طليعة تسليح الثوار والمعارضين الذين يقاتلون ضد دمشق، فإن تحركات "الأسد" المضادة هي شهادة على مرونة حكومته التي تمكنت، بدعم من روسيا وإيران، من التمسك بالسلطة.

وقد استغلت أبوظبي الفراغ الاستراتيجي لتقديم يد الدعم لدمشق في وقت بدا أن منافستها الإقليمية إيران تحرز تقدماً في المشرق العربي.

أكثر من ذلك، وجدت الإمارة حليفًا أيديولوجيًا في "الأسد"، الذي كان، مثل حاكم الإمارات، "محمد بن زايد"، يخوض "حملة شرسة معادية ضد الإسلاميين"، بحسب "كريج"، الذي يواصل: "لذلك لم يكن مفاجئًا أن الإمارات قررت في 2018 إعادة فتح سفارتها في دمشق، وسرعان ما أعيد تنشيط الشبكات الإماراتية ، لا سيما في المجالين المالي والتجاري".

ما قبل العلاقات

يقول الكاتب إنه لسنوات، حافظ وكلاء دمشق الرئيسيون على علاقات وثيقة مع الإمارات العربية المتحدة كملاذ آمن لأموالهم غير المشروعة - وقد ظهر العديد منهم في منتدى الاستثمار الإماراتي السوري الذي استضافته أبوظبي في يناير 2019.

وبدأت التجارة الثنائية في النمو حيث تمكن رجال الأعمال والشركات السورية من استخدام مكانة دبي كمركز مالي للوصول إلى الأسواق العالمية.

وتم تصنيف البعض من قبل وزارة الخزانة الأمريكية لمحاولة التهرب من العقوبات، مثل شركة "سامر فوز" للتجارة الدولية ومقرها الإمارات.

وعلى المستوى الاستراتيجي، أعادت أبوظبي تمهيد علاقاتها الأمنية مع دمشق، حيث قدمت لضباط المخابرات السورية دورات تدريبية في الإمارات.

ويضيف "كريج": "يذهب البعض إلى حد الزعم بأن محمد بن زايد عرض على الأسد 3 مليارات دولار في عام 2020 لجر تركيا إلى مواجهة عسكرية طاحنة في سوريا، لكن روسيا عطلت تلك الخطة".

انتهى كل هذا الارتباط الاستراتيجي العلني بين أبوظبي ودمشق مع تنفيذ إدارة "ترامب" لـ"عقوبات قيصر" في يونيو/حزيران 2020، لكن شغف أبوظبي في هذا التقارب لم يتوقف بالكلية.

فمنذ ذلك الحين، كان تفاعل الإمارات مع حكومة "الأسد" أكثر تركيزا، وهدفت المحادثات حول أن تصبح الإمارات العربية المتحدة "الشريك التجاري العالمي الأبرز لسوريا" إلى تشكيل التصور على المستوى الدولي لإمارة أبوظبي باعتبارها البوابة إلى دمشق.

نفوذ واشنطن

ويقول "كريج" إنه بينما باتت الإمارات تملك بوضوح مفاتيح إعادة التواصل مع دمشق وإنعاش العلاقات التجارية، فإن الأمر يتوقف في الأساس عن غض الطرف الأمريكين.

ومن هنا يمكن القول أن واشنطن، عبر أبوظبي، قوت نفوذها في سوريا، لاسيما أن قوة الدولار كسلاح للعقوبات تسمح للولايات المتحدة بتحديد حدود أي مشاركة مع "الأسد" - حتى بالنسبة للشبكات السرية الإماراتية غير الرسمية في كثير من الأحيان.

وقد اتخذت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءات مرارًا وتكرارًا ضد الكيانات والأفراد المشتبه في انتهاكهم للعقوبات في سوريا - وبعضهم لهم صلات بالإمارات، كما أنه لا شك في أن واشنطن ستتخذ إجراءات ضد أبوظبي إذا انتهكت العقوبات بشكل أوضح.

ومع ذلك، يقول الكاتب، فإن القضية بالنسبة للولايات المتحدة هي عدم وجود سياسة واضحة المعالم تجاه سوريا، حيث تدرك بعض المؤسسات الأمريكية التنافر المتزايد بين سياسة عدم القبول بوجود "الأسد" في أمريكا، والواقع على الأرض الذي يشير إلى أن الديكتاتور سيبقى.

ويشير التنازل من قبل إدارة "بايدن" في مسألة تبادل الطاقة (الكهرباء) من الأردن عبر سوريا إلى لبنان، مما يسمح لدمشق بجني عشرات الملايين من الدولارات من العائدات، إلى أن واشنطن تخفف موقفها من "الأسد" وتبحث عن استراتيجية خروج في سوريا.

ومن ثم، فإن تغيير اتجاه الولايات المتحدة بشأن سوريا قد يكون مجرد مسألة وقت - وعند هذه النقطة ستكون الإمارات جاهزة لتنفيذ "سياسة الشبكات".

علاوة على ذلك ستكون أبوظبي في قلب معادلة إعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع.

المصدر | الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

العلاقات الإماراتية السورية محمد بن زايد بشار الأسد العقوبات الأمريكية العلاقات الإماراتية الأمريكية