الثلاثاء 9 فبراير 2016 09:02 ص

إذا كانت الولايات المتحدة وروسيا جادتين في محاربة تنظيم «داعش»، فقد آن الأوان - وقد تأخرتا كثيراً - لإظهار اتفاقهما السياسي بشأن هذا الهدف، وتكون التفاصيل العلانية عندئذ شأن القيادات العسكرية. ربما تنطوي على شيء من السذاجة، لكن سير الأحداث على الأرض أوحى حتى الآن بوجود أجندات مختلطة ومتشابكة.

فمن جهة لا تزال الأطراف العربية والإقليمية، المنضوية في «التحالف الدولي»، متمسكة بأحد الشروط التي تبنتها القيادة الأميركية، وهو عدم إشراك النظام السوري في هذه الحرب لأسباب ثلاثة على الأقل: أولها، أن التقارير الاستخبارية تؤكّد أن هذا النظام هو مَن اجتذب «داعش إلى سوريا، وثمة وقائع موثقة عن تعاونه معه ضد فصائل المعارضة - المعتدلة فعلاً. وثانيها، أن رقعة سيطرته لم تكن آنذاك تسمح له بتجاوز مناطق سيطرة المعارضة للوصول الى مواقع «داعش». وثالثها، الأهم، أن قدرات النظام لا تؤهله للمشاركة في هذه الحرب، وبالتالي فإنه سيعتمد على الميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية التي جلبتها إيران إلى سوريا، ما يطرح المشكلة نفسها التي طُرحت في العراق بالنسبة إلى"الحشد الشعبي".

من جهة أخرى، جاء التدخل العسكري الروسي بطلب من النظام وحليفه الايراني فغيّر المعادلة والمعطيات، إذ أعطى لنفسه عنوان «محاربة داعش»، لكنه اتّبع الإبادة و«الأرض المحروقة» لإنقاذ النظام أولاً، وسحق فصائل المعارضة ثانياً، وصولاً إلى مشارف المنطقة «الداعشية» ثالثاً. وأصبح معروفاً أن الطائرات الروسية لم تتعرّض للتنظيم إلا بنسبة عشرة في المئة من عملياتها، واستناداً إلى شهادات مدنيين غادروا «الرقّة» أخيراً، فإن الغارات الاميركية الأولى قبل خمسة عشر شهراً أوقعت خسائر مدنية ثم أصبحت أكثر دقة في استهدافها مراكز «داعش» ومقاتليه. أما القصف الروسي فنال أكثر من المدنيين ومساكنهم.

بعد انتقادات وإلحاح من واشنطن والدول الاوروبية والعربية، استجابت موسكو لفكرة البدء بعملية تفاوضية بحثاً عن حل سياسي للأزمة السورية الداخلية. ودعيت الفصائل السياسية والعسكرية للمعارضة إلى مؤتمر في الرياض أجمعت فيه على القبول بالتفاوض من أجل حل سياسي. قبل شهر من المفاوضات شرع الروس في غارات لاغتيالات مستهدفة للقادة العسكريين المعارضين، وأبرزهم زهران علوش قائد «جيش الإسلام». وعشية المفاوضات أصرّت روسيا على وجوب اقناع المعارضة بأنها ذاهبة إلى جنيف للبحث في صيغة «حكومة وحدة وطنية»، تحت مظلة النظام ورئيسه. وقد تولّى وزير الخارجية جون كيري عملية «الاقناع» هذه، إلا أن المعارضة رفضت أي تفاوض في ظل حصارات التجويع والقصف العشوائي المكثّف واستمرار احتجاز عشرات آلاف المعتقلين. لكن الجانب الروسي ردّ على ذلك بغطاء جوي غير مسبوق لاجتياحات واسعة لمناطق المعارضة، فعُلّقت المفاوضات وأصبح مصيرها مجهولاً.

وهكذا، لم يعد هناك أي غموض بشأن خطة روسيا: إعادة سيطرة النظام على مناطق فقدها منذ أواسط 2012، وفرض مسار آخر لمحاربة «داعش» بالاعتماد على قوات النظام جزئياً وآلاف المقاتلين من الميليشيات الموالية لإيران. أي أن روسيا في سبيلها إلى «حل» مشكلة القوات البرّية التي واجهها «التحالف» بعدما أخفقت واشنطن في تدريب المعارضة وتسليحها لمقاتلة «داعش» من دون مقاتلة النظام. لكن هذا «التحالف» شكّل أخيراً قوة «عربية - كردية»، وسمّاها «قوات سوريا الديموقراطية»، للقيام بهذه المهمة. وهي تتكون بنسبة تسعين في المئة من «وحدات حماية الشعب» التابعة لحزب «الاتحاد الديموقراطي الكردي ومقاتلين من الرقّة ومناطق اخرى. لكن حزب "الاتحاد" يعمل لإقامة اقليم كردي، ومعروف بأنه على علاقة مع النظام وايران وحصل على أسلحة من الاميركيين وأخيراً أقام علاقة وتنسيقاً مع الروس. أما الوجوه «المعارضة»، التي دخلت على الخط لإعطاء صفة «عربية» لهذه القوة، فتبيّن أيضاً أنها على علاقة مع النظام وإيران.

كيف يمكن هذه الصيغة أن تعمل؟ وكيف يمكن أن تطمئن الدول الأخرى إلى أن ضرب «داعش» لن ينشر الإرهاب أبعد من سوريا والعراق؟ وهل يُراد استخدام هذا التنظيم ذريعة لسحق الشعب السوري ولتغطية مشاريع التقسيم التي طفت على سطح التجاذب والجدل الدوليين؟ من الواضح أن روسيا خرجت عملياً عن إطار إجماع «لقاءات فيينا»، بل وظّفت هذه اللقاءات لامتصاص الاعتراضات على تدخلها في سوريا، وإظهار دورها كأنه في خدمة السلام الإقليمي. الأكيد أن "الحرب على داعش"، كما تبدو الآن، لن تنتهي فصولها، فالتربص الإيراني بالمناطق التي تمّ أو سيتمّ تحريرها في العراق وسوريا يؤسس إلى مرحلة تالية من المواجهات.