الخميس 25 فبراير 2016 04:02 ص

لم يسبق للمملكة العربية السعودية أن أوقفت مساعدة أو جمّدت هبة قدمتها إلى أي دولة عربية مأزومة، لكنها فعلت ذلك مع لبنان بعدما تأكّد لها أن الهدف المنشود من تلك المساعدة، وهو دعم الدولة بتعزيز قدرات الجيش وقوى الأمن الداخلي في مكافحة الإرهاب والدفاع عن الأمن والاستقرار، لن يتحقق.

والسبب، كما أوضحه مجلس الوزراء السعودي، هو «مصادرة ما يسمّى «حزب الله» لإرادة الدولة، وما دام هذا «الحزب» ميليشيا موازية للجيش ومتفوّقة عليه بسلاحها وترسانتها الصاروخية فقد عنى ذلك أنه يصادر أيضاً إرادة الجيش، على نحو ما تفعل ميليشيات «الحشد الشعبي» في العراق.

كانت دول أخرى عربية خليجية وأجنبية تشارك السعودية تقويمها للحال التي بلغها لبنان في انسياق حكومته الراهنة للترهيب الذي يمارسه «حزب الله» لوضع لبنان في خدمة أجندة إيران ومشروعها للهيمنة الإقليمية.

لكن هذه الدول كانت ولا تزال مدركة أن في لبنان قوى أخرى إسلامية ومسيحية ترفض هذا المشروع، وأن التركيبة اللبنانية لا تمكّن أي طرف من السيطرة على البلد حتى لو كان مسلّحاً.

لذلك كان هناك حرصٌ دولي - عربي دائم على تشجيع سياسة «النأي بالنفس» تخفيفاً لتداعيات الأزمة السورية على لبنان، وعلى تغليب التوافق لإحباط استغلالات إيران والنظام السوري للانقسامات اللبنانية، كما هو حاصل في تعطيل «حزب الله» انتخاب رئيس للجمهورية واستخدام الفراغ الرئاسي لتوجيه الحكومة ومجلس النواب أو تعطيلهما أيضاً.

لكن مواقف منفردة اتخذها وزير الخارجية اللبناني منحازاً إلى جانب إيران، بحكم تحالف حزبه مع «حزب الله»، استدعى ردّاً حاسماً من الرياض. فمنذ الصبيحة الأولى لـ«عاصفة الحزم»، ولدى مشاركته في اجتماع وزراء الخارجية العرب قبيل قمة شرم الشيخ بعد ساعات قليلة على بدء ضربات «التحالف العربي» في اليمن، راح «جبران باسيل» يتذاكى في صياغة موقف لبناني متحفظ، وكأنه تلقى تعليمات من جهة حزبية وليس من حكومته.

ومن الواضح أنه يصوغ مواقفه بحسابات محلية خاصة، وإلا لما كان بالغا في شذوذه عن التضامن والإجماع العربيين اللذين كان لبنان من أشدّ المتمسكين بهما.

لذلك لم يكن عدم تأييده لقرارين صادرين عن مجلس الجامعة العربية ومنظمة التعاون الاسلامي لإدانة التهجم على السفارة السعودية واحراقها في طهران، مجرد تحفّظ لحماية «الوحدة الوطنية اللبنانية» كما قال الوزير، وانما خطوة سياسية تعمّد بها اختراق الاجماع العربي لمصلحة إيران.

ولذلك، أيضاً، لم يكن ممكناً أن تمرّر السعودية هذا الموقف كأنه لم يكن، حتى مع ادراكها قدم الروابط بينها وبين لبنان. وجاء تأييد دولة الإمارات، كذلك البحرين، للقرار السعودي ليوضح أكثر أن ظروف مواجهة التحديات الاقليمية قد تغيّرت. فدول الخليج التي تعاملت دائماً مع لبنان بدافع الغيرة الأخوية لم تعد مستعدة لقبول جحود بعض أبنائه تجاهها.

حاول مجلس الوزراء اللبناني التعامل مع الأزمة المستجدّة مع السعودية ودول الخليج، لكن بيانه الذي شدّد على «تمسكنا بالإجماع العربي» أكّد عملياً ما قصدته المملكة حين أشارت إلى «مصادرة ما يسمّى حزب الله لإرادة الدولة»، بدليل النقاش الساخن والخلاف داخل الحكومة على مفهوم الإجماع العربي. لكن، في أي حال، ينبغي ألا يبلغ الجفاء السعودي - الخليجي حدّ إضعاف مناوئي المشروع الإيراني وتعجيزهم عن مواجهته في لبنان.

المصدر | الاتحاد الظبيانية