الثلاثاء 2 فبراير 2016 08:02 ص

لم تنجح السياسة التي تتبعها المملكة حالياً نحو لبنان؛ لأن القوى المعتدلة هناك في انهيار مستمر. ولم تكن سياسة المملكة طائفيةً، بل بحثت عن حماية (الدولة) في مواجهة وجود «حزب الله» بسياسته الطائفية، وتوسّعه بدعم إيراني سيؤدي إلى تمزيق لبنان مثلما تمّ في العراق، إذ استفادت إيران من الغياب السعودي الذي أهمل القواسم المشتركة والعميقة بين البلدين.

الحلّ الوحيد للبنان هو تقديم المملكة سياسة جديدة تختلف عن (السياسة الشخصية)؛ بمعنى: إعادة علاقاتها بشكل أوسع مع المكوِّن السنّي إلى ما كانت عليه منذ الاستقلال اللبناني؛ فتكوين علاقة محددة مع عائلة واحدة لم تعد واقعية ومجدية.

يسأل بعض المتابعين: ماذا جرى للعلاقة المميّزة والتاريخية التي تعود إلى أكثر من نصف قرن من الزمن بين المملكة والعائلات اللبنانية البارزة والمؤثرة التي يعترف بها المجتمع السنّي هناك، التي بدأت تحديداً منذ عهد المؤسّس الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه؛ مثل: آل الصلح، وآل سلام، وآل كرامي، والحص، وغيرهم؟

عندما نذكر لبنان يتبادر إلى الذهن فوراً الزعيم رفيق الحريري -رحمه الله- الرجل العظيم الذي فدى لبنان بحياته، وقدم كل ما يملك في سبيل تحسين الوضع الداخلي والخارجي لبلده، وكان اغتياله من أكبر الخسائر للداخل اللبناني والمجتمع العربي؛ إذ فقد الاتزان الذي كانت تراه المملكة والدول العربية الصديقة للبنان، وخسر لبنان كثيراً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

حاول رفيق الحريري تطبيق اتفاق الطائف، ولكن إقصاء قادة من الطوائف الأخرى الذين يملكون علاقات مميزة مع المملكة، مثل السيد حسين الحسيني، الذي ينحدر من عائلة بارزة في المجتمع الشيعي، وغيره من قادة الطوائف الأخرى منعه من ذلك.

في المقابل، نجح محور الشر، المكوّن من إيران ومجرم سورية وأعوانهم في لبنان، في منع إقامة الدولة بتكوين ميليشيا تتحكّم في القيادة بشكل مقزّز وطائفي بحت.

يجب على المملكة أن تحافظ على العلاقة المميّزة مع آل الحريري، وأن تدعم حضور سعد الحريري في المشهد اللبناني، إضافة إلى تأكيد العلاقات المميزة مع مسيحيي لبنان منذ استقلاله، وإعادتها بشكل مباشر مع قادة الطائفة المسيحية من دون وسطاء؛ فالتاريخ يشهد بأن العائلات المسيحية؛ مثل: آل شمعون، وفرنجية، وجميّل، وخوري، وسكاف وقفت سابقاً مع المملكة على مستوى الأصعدة كافة، عندما وجد تواصل مباشر من دون وسطاء بينهم وبين قادة المملكة.

الأكثر حساسية حالياً هو علاقة المملكة مع الشيعة في لبنان، خصوصاً بعد (شبه) سيطرة ميليشيا حزب الله على أصوات الشيعة الظاهرة في الإعلام الخارجي اللبناني؛ فما لا يعلمه بعض المتابعين أن هناك عائلات شيعية لها وزنها وثقلها وقوّتها في الشارع اللبناني سبق أن كان لها تواصل مباشر مع قادة المملكة، نذكر منها عائلات مثل: الحسيني، وشمس الدين، والأسعد، وغيرها، الذين تمّ تهميشهم سياسياً، وإخراجهم من المشهد اللبناني؛ بسبب رفضهم المشروع الفارسي الطائفي في لبنان، وإيمانهم بالعروبة ومشروع إقامة (الدولة)، وعدم توافر دعم سياسي خارجي لهم.

يجب أن تتم إعادة العلاقة المباشرة مع تلك العائلات الشيعية، التي لها تاريخ وباع طويلان في تكوين لبنان؛ للوقوف أمام المشروع الفارسي في لبنان، وتفادي حرب أهلية يُسمع قرع طبولها أكثر من أي وقت مضى. كما يجب إعادة العلاقة المباشرة مع قائد الطائفة الدرزية الأبرز وليد جنبلاط؛ لما له من وزن وشعبية جارفة في المجتمع الدرزي، إضافة إلى آل إرسلان التي ربطتهم علاقة طيبة مع المملكة.

تتوافر حالياً في لبنان قيادات سياسية تستطيع المملكة أن تثق بها، وتقوي علاقتها معها؛ مثل: رئيس الوزراء الحالي تمام صائب سلام، ووزير الداخلية نهاد المشنوق، ورئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة؛ فجهودهما المبذولة للحفاظ على (الدولة) في لبنان تواجهها كتل سياسية تطمح إلى الإطاحة بواقع (الدولة) لأسباب لا تخفى على أحد؛ إذ تطمح تلك الكتل إلى استمرار حالة عدم الاستقرار، وإبقاء وجود ميليشيا ومناطق خارج سيطرة قوى الأمن اللبنانية.

يتحدث بعض المتابعين في المملكة ودول الخليج عن مقاطعة لبنان؛ بسبب توجه وزارة الخارجية اللبنانية المناهض للقرارات العربية. أستطيع تفهم ذلك تماماً، لكن في المقابل علينا أن نستوعب أن (الدولة) اللبنانية ضعيفة؛ ثم يجب تأمين الدعم العربي لأصحاب الخطاب الوطني والمعتدل؛ لأجل مواجهة المشروع الفارسي في لبنان.

* مَن لبّى نداء الحكومة اليمنية، ودعمها بتحالف عربي لمواجهة العبث الفارسي، يستطيع أن يُعيد لبنان إلى مفهوم (الدولة).

** د. نواف عبيد أكاديمي وكاتب سعودي.