الخميس 10 مارس 2016 03:03 ص

أعرف أن نية الدكتور «نبيل العربي» كانت قد استقرت منذ وقت غير قصير على الاعتذار عن الاستمرار لفترة ثانية في موقعه كأمين عام للجامعة العربية وأنه فاتح بعض المسؤولين العرب في الأمر.

أعرف أيضاً أنه فكر عديد المرات في أن يتقدم بطلب إعفائه من المنصب. منعه عن فعل ذلك ما يمنع الكثيرين في مثل ظروفه الشخصية وظروف العمل الذي التزم أداءه وآماله التي عقدها على تطوير ميثاق الجامعة.

كنت أحد من توقعوا أنه عندما تحين الساعة، ساعة التجديد للأمين العام القائم أو الترشيح للقادم، فلن يكون في معظم عواصم العرب من يهتم حقيقة بالموضوع.

لم أكن أتنبأ، كنت فقط أراقب وأستمع وأسجل تفاصيل السلوك العربي على جميع مستوياته منذ أن وقع الزلزال، وأقصد ثورات ما عرف بالربيع العربي.

لم يكن خافياً، ولا هو خاف الآن، أن جهوداً هائلة انصبت على هدف وأد الثورات وهي في المهد انتفاضات.

لم يكن خافياً أيضا ولا هو خاف الآن أن «الأرض العربية» كما عرفناها قبل حلول الربيع العربي تغيرت، لا خلاف على أنها تشققت تحت أقدام قيادات حاكمة، وأن «شيئاً» ما جديد أو «أشياء» تنبت من داخل الشقوق.

لن نبكي على أطلال أو نجتر غضباً وأحزاناً حين نعترف بأن الأرض العربية كانت جاهزة للتشقق، وأن الربيع، جاء ناعماً أو عاصفاً، كان سيؤدي إلى ما أدى إليه بالفعل أو أقل قليلاً أو أكثر كثيراً.

كنا قد توقفنا منذ زمن عن التفكير في صلاح أو فساد نظام إقليمي أطلقنا عليه ببعض التجاوز وكثير من الطموح تعبير «النظام الإقليمي العربي». عشنا الفترة السابقة على نشوب الربيع شهوداً على تجربة نظام إقليمي يتفسخ بإرادة طبقته الحاكمة وتحت وقع حملات مكثفة من داخل الإقليم ومن خارجه تبشر أو تنذر بقرب قيام نظام بديل، وصفوه تارة بالإسلامي وتارة أخرى بالشرق أوسطي وتارة ثالثة بالنظام الفسيفسائي وتارة بتجمع الكونفدراليات أو الفدراليات العربية، وفجأة بدأنا نسمع بالنظام الإقليمي «السني».

سمعنا عن تهيؤات واجتهادات عديدة لا رابط بين أكثرها. الشيء اللافت هو ما لم نسمعه.

لم نسمع خلال سنوات تشقق الأرض تحت أقدام الطبقات الحاكمة عن فكرة أو اجتهاد يطرح مشروعاً لنظام عربي جديد، أو يعرض نسخة منقحة للنظام العربي القائم، أو حتى تهيؤات عن نظام مركب من «نظم إقليمية عربية» فرعية.

لم نسمع والمؤكد أنها لم تطرح والأسباب عديدة ومعروفة.

أحد هذه الأسباب وأهمها من وجهة نظري شخصياً، كان ولا يزال خلو الساحة الأكاديمية والسياسية العربية من «تكامليين» عرب بعد أن نجحت الطبقة الحاكمة والبيروقراطية العربية في كل عاصمة ومؤسسة عربية خلال السنوات العشرين وربما الثلاثين الماضية، في اجتثاث جذور التكامل العربي. اختفى، أو كاد يختفي، أدب التكامل والاندماج.

صرنا نخشى عواقب أن يتسلل إلى سطور ما نكتبه عبارة «أمة عربية واحدة». حضرت في السنوات الأخيرة أكثر من ندوة ضمت سياسيين وأكاديميين ومفكرين، ظهر فيها واضحاً ضعف حجة متحدث أو آخر تحدث عن قيم العروبة والوحدة العربية وتردد الأغلبية في الدفاع عنها، اندثر المفكرون التكامليون العرب، ومن لم يسمح لنفسه بالاندثار أصابه الإحباط أو راح يدرس تجارب تكامليين في أقاليم أخرى ويزود التكامليين فيها بمساهمات الآباء المؤسسين لفكر التكامل والاندماج العربي.

الحديث عن ضعف الأمل في صحوة قريبة لجامعة الدول العربية، هو حديث عن ضعف الأمل في صحوة قريبة للنظام الإقليمي العربي بأسره، صحوة في الفكر المؤسسي له، وفي صلاحية مؤسساته جميعاً وليس فقط في صلاحية الجامعة العربية. أعجز أحيانا عن فهم الدعوة إلى القبول بالأمر الواقع والبناء فوقه.

وفي محاولات متواصلة للفهم عرضت مع آخرين فكرة استدعاء أكبر عدد ممكن من البيروقراطيين العرب، ومطالبتهم بصياغة التكليف الذي يمكن أن يصدر عن القمة العربية القادمة للأمين العام الجديد متضمنا قائمة بترتيب جديد للقضايا التي يجب عليه أن يهتم بها قبل غيرها.

تصورت أننا من خلال ردود هؤلاء البيروقراطيين والمفكرين وبخاصة النافذون منهم في دوائر صنع السياسة في بلادهم، قد يكون ممكناً لنا أن نتعرف الى بعض ملامح مستقبل النظام الإقليمي الذي يتمنون ويسعون إليه.

في ظني، وأرجو أن يخيب هذا الظن، أنه لن يكون بين بنود التكليف بند يتعلق بإنشاء قوة «عربية» موحدة لحماية أمن الإقليم.

لن تكون العروبة صفة مشروطة لقوات الأمن «الإقليمي»، بمعنى آخر لن يكون من حق الأمين العام قيادة هذه القوة أو أن تعمل تحت إشراف أجهزة جامعة الدول العربية. في ظني أيضاً، وأرجو أن يخيب هذا الظن أيضا، أن لن يكون بين بنود التكليف بند ينص على ضرورة تعديل ميثاق الجامعة العربية بما يسمح بدرجة أعلى وأقوى من الإندماج في نواحي العمل العربي المشترك، مثل انتقال رؤوس الأموال والعمالة وإقامة المشروعات المشتركة.

لن يكون هناك في التكليف شرط التزام الأمين العام أو الجامعة العربية بصيانة حقوق الإنسان العربي والدفاع عنها والتدخل فعلياً لكشف الظلم والقمع باعتبارهما مسؤولين مباشرة عن سلامة الاستقرار والأمن الإقليمي.

ما زال هناك في عالمنا العربي من يحلم بأن الفرصة لم تختف تماماً.

هناك من يعتقد أن الخلل تفاقم بحيث أصبح واجباً على القمة العربية القادمة تكليف الأمين العام ودعوة كبار رجال ونساء القانون الدولي إعادة النظر في قاعدة التصويت في مجلس الجامعة بكل مستوياته حتى القمة، بحيث تصدر القرارات متناسبة مع التفاوت في أحجام الدول الأعضاء وثرواتها.

لدينا في عالم اليوم ما يجعلنا أكثر وعياً بالمشكلات والأزمات التي يمكن أن يتسبب فيها اختلال التوازن أو حتى الإحساس به في العلاقات بين الحكومات وكذلك بين الشعوب.

نظرة واحدة إلى الأخطار التي صارت تهدد مشروع الوحدة الأوروبية تكفي، فيما أظن، لإقناع القمة العربية القادمة بأهمية البحث عن صيغة تصحيح للاختلال القائم حالياً في قواعد التصويت في الجامعة العربية.

أظن، وأرجو مرة أخرى أن يخيب ظني، أن الأمين العام القادم لن يجد من يكلفه بالعمل الجاد لإعادة قضية فلسطين إلى موقعها بين أولويات النظام الإقليمي العربي، وبالتحديد بين أسبقيات العمل العربي المشترك.

سوف تحاول معظم الأنظمة العربية الحاكمة ما أمكنها إبقاء فلسطين بماضيها وواقعها ومستقبلها بعيدة عن مواقع اتخاذ القرار في الجامعة العربية وبعيدة جداً عن أسماع الرأي العام العربي، ولتبقى محصورة ومحاصرة داخل بيوت الحكم في كل عاصمة عربية.

المستفيد الأكبر من هذا الاختيار هو «إسرائيل» وأصحاب الدعوة إلى تصفية النظام الإقليمي العربي فكرة وعملاً وأملاً.

أظن أيضاً أنه لن يجد من يطالبه بتأكيد صيغة العروبة أساساً لعمله وشرطاً لضمان مكانته واستقلاليته، بل أخشى أن يجد من يطالبه يوميا بتأكيد صفة مذهبية معينة للنظام وللجامعة.

أقول لا أمل في الرجاء أن تخيب ظنوني.

المهمات الملقاة على عاتق القمة القادمة ثقيلة ونتائجها حيوية ومصيرية للإقليم كله بعربه وعجمه، ولمستقبل توازن القوى فيه، ولمصير جامعة الدول العربية فيما تبقى لها من عمر.

القمة إذاً انعقدت فهي تنعقد في إقليم ما زال يموج بانفعالات الثورة وفي ظروف متقلبة وشعوب مضطربة ومتربصة وأوضاع دولية وإقليمية متوترة وأحوال اقتصادية متأزمة.

المصدر | الشروق المصرية