الخميس 10 مارس 2016 09:03 ص

من تهجير المواطن من الفضاء العام وإخضاعه للتعقب الدائم وتعريضه للتهديد المستمر بالعقاب الذى بدأت به فى صيف 2013، تنتقل اليوم السلطوية الحاكمة فى مصر إلى الإلغاء الكامل لوجود المواطن كفرد له حقوق وحريات دستورية، من بينها الحق فى الحصول على المعلومات من مصادر مختلفة وحرية اعتناق الأفكار دون قيود وحرية التعبير عن الرأى دون خوف.

فى البدء كان تهجير المواطن المتمسك بحقوقه وحرياته من الفضاء العام، واستبداله بالرعية الممتثلة لإرادة الحكم والقابلة للاستدعاء فى لحظات بعينها، إن لتأييد الحاكم أو لإنتاج مشاهد قبول شعبى زائف فى مواسم الاستفتاءات والانتخابات أو لحشد «الجماهير» ضرورية الحضور لصناعة هيستيريا الانتقام الجماعى من المصنفين كأعداء وخونة ومتآمرين.

فى البدء كان تهجير المواطن المتمسك بفرديته واستبداله بالرعية الذى يجرد من هويته الفردية فى سياق الحشود والجماهير المتحولة إلى قطيع للصوت الواحد والرأى الواحد، أما الأدوات فكانت قوانين ذات طبيعة سلطوية واستثنائية صريحة كقانون التظاهر وممارسات قمعية متكررة من سلب حرية أعداد كبيرة من المصريات والمصريين وانتهاك حقوق المسلوبة حريتهم (سجن العقرب نموذجا) إلى التعذيب والاختفاء القسرى والقتل خارج القانون.

فى البدء كان تهجير المواطن من الفضاء العام، متبوعا بمقايضته على حقوقه وحرياته وفرديته بوعود استعادة الأمن والقضاء على الإرهاب وتحسين ظروفه المعيشية ومجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. فى البدء كان ابتلاع العديد من المصريات والمصريين لطعم المقايضة السلطوية «تخلوا عن حقوقكم وحرياتكم نظير الأمن والخبز» بعد إرهاق السنوات التى تلت يناير 2011، وانتظروا الخلاص ممن خلع عليه خدمة السلاطين صفات البطولة وساقه لهم من يخشون الحرية كحاكم الضرورة الوطنية.

أما اليوم، وعلى وقع المعاناة المعيشية المتصاعدة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التى باتت تحاصر الناس من كل جانب، لم يعد كافيا أن يهجر المواطن من الفضاء العام أو أن يهدد بالتعقب والعقاب حال تمسكه بممارسة حقوقه وحرياته. فالسلطوية الحاكمة تدرك حقيقة أن المواطن الذى هجر من الفضاء العام هجرها هى أيضا، وفقد الثقة فى وعود «الإنجازات القادمة» التى يطلقها الخطاب الرسمى دون توقف.

وتخلص من هيستيريا الانتقام الجماعى والتبرير الزائف لقمع غير الممتثلين للحكم والحاكم، وتجاوز حواجز إنكار وجود المظالم والانتهاكات.

ولأن المواطن المصرى «يتطهر» من أوهام أن التخلى عن الحق والحرية سيأتى بالأمن والخبز، ومن الأوهام الأخرى المرتبطة بكون الصمت على الظلم كفيل بغل أياديه عن الذات وعن الأهل، أضحت السلطوية الحاكمة فى أمس الاحتياج لأدوات إضافية هدفها إلغاء وجود المواطن لكى تواصل إخضاع الناس وتواصل السيطرة على المجتمع والدولة.

فى هذا السياق تحديدا، تندرج مساعى الحكم مناشدة الناس إرفاق الصبر على المعاناة المعيشية المتصاعدة والأزمات المتراكمة وتغليب الثقة على المحاسبة والترويج لما يشبه العلاقة الأسرية بين الحاكم والمواطن (أهلى وناسى) والتى تلزم بالتأييد والتأييد فقط.

وجوهر هذه المساعى، ولأنها تشى بنظرة لقضايا الحكم وشئون الناس لا تختلف كثيرا عن نظرة شيخ القبيلة للمطلوب من أفرادها ولا عن نظرة الجماعة الدينية المغلقة لأعضائها المتوقع منهم السمع والطاعة، جوهرها هو إلغاء كامل لوجود المواطن الذى يجرد من حق بناء الرأى والتقييم والمحاسبة حتى وإن مارس الحق هذا دون إفصاح أو تعبير علنى.

* عمرو حمزاوي أستاذ مساعد العلوم السياسة بجامعة القاهرة وعضو سابق بمجلس الشعب المنتخب، 2011.

المصدر | الشروق المصرية