الأحد 13 مارس 2016 04:03 ص

من الإصدارات المهمة الجديدة التي نُشرت إلكترونياً في واشنطن كراسّان. يناقش الأول موضوع «الإسلامية في عصر داعش»، ويراجع الثاني الحقل المعرفي والبحثي المرتبط بدراسات الحركات الإسلامية بعنوان «تطوير مناهج دراسات الحركات الإسلامية»، وكلا المشروعين خلاصة أوراق وأبحاث قدّمها خبراء وباحثون لمشروع دراسة الشرق الأوسط الذي يديره مارك لينش، الأستاذ في جامعة جورج واشنطن.

لا يمرّ يوم إلاّ وأقرأ عن مؤتمرات وندوات وورشات عمل، وأحياناً كثيرة أتلقى دعوات للمشاركة في إحدى هذه الفعاليات الأكاديمية الغربية التي تتناول شؤون المنطقة والتحولات التي تجري، ما يناقش الحركات الإسلامية والتحولات الجارية، ما يتطرّق إلى إعادة فهم للربيع العربي وما تلاه، ما يحاول فهم صعود الداعشية وتفكيكها وتحليلها.

سيقفز أحدهم ليقول إنّها «أبحاث استشراقية» تهدف إلى خدمة المصالح الغربية في المنطقة، وتقديم المعرفة اللازمة لصانع القرار هناك، بما يكشف عن نقاط الضعف والقوة والمناطق الرخوة سياسياً واجتماعياً وثقافياً في عالمنا العربي. حسناً، دعوني أجاري هذا القول، على ما فيه من تعميم واختزال واستهتار في التعامل مع الجهود البحثية الهائلة هناك، لأوافق عليه مبدئياً، لكنني، في النهاية، لا أعرف إلى أين سيصل من يقول ذلك؟ ففي النهاية، هي أبحاث معرفية وجهود علمية متراكمة وكبيرة، يطلع عليها السياسيون، عندما يريدون صناعة القرار تجاهنا. في المقابل، أين أبحاثنا نحن لفهم ما يجري في بلادنا، إذا كنّا لا نثق مرّة أخرى بتلك الدراسات؟ أين هو استشراقنا المعرفي الداخلي؟

لا نعدم الجهود العلمية والبحثية، ونخبة من الباحثين والأكاديميين الجادّين، وبعض المؤتمرات العلمية التي تحاول فهم ما يجري عملياً ومنهجياً. لكنّ تلك الفئة المحدودة تسبح ضد التيار عموماً. فلم تؤثّر حالة الاستقطاب والتجاذبات الحالية في المنطقة العربية على مختلف المستويات، سني- شيعي، علماني- إسلامي، مع الربيع- الثورة المضادة، فقط على الأحوال السياسية والاجتماعية والثقافية عموماً، بل حتى على البحث العلمي والخبرات الأكاديمية التي لم تجد طريقاً لمصالحها الشخصية ولمسايرة التيار الجارف، إلا الانحراف عن مهمتها في التحليل والفهم والتنبؤ (وظائف البحث العلمي) لتجد باحثين وخبراء وأساتذة جامعيين يلعبون دور الزمار لمن يدفع؟

المسؤول العربي لا يعتقد، فقط، أنّه عبقري وفوق البحث العلمي والمعرفي، ويملك فهم السياسة والمجتمع والاقتصاد، من دون أن يقرأ سطراً في كتب علمية منهجية، أو من دون وجود فرق من الخبراء والباحثين والأكاديميين يزوّدنه بما يخدم القرار، أو يستعين بالجامعات التي تخرّج ملايين الطلاب، وفيها آلاف الأساتذة في العلوم السياسية والاجتماعية والإنسانية عموماً، بل هو لا يريد أن يسمع صوتاً مختلفاً يقول: ما يحدث خطأ، أو هنالك بدائل وخيارات أخرى، بالنسبة له البحث العلمي الذي يأتي بنتائج مختلفة بمثابة جريمة أو خيانة، وربما يصنّف بأنّه «ارتباط بأجندات خارجية».

لذلك، فشلنا في فهم أنفسنا وما يجري حولنا؟ وإلى الآن لا نجد جهوداً بحثيةً جماعيةً معتبرةً في الإجابة على السؤال الأكثر أهمية: لماذا وصلنا إلى هذه المتاهة التاريخية المرعبة؟ وكيف خرج داعش؟ ولماذا انتشر هذا الفيروس؟ وما هي المتغيرات التي تصنع الظاهرة؟ والطريف أنّ نظرية المؤامرة الكونية، وتفسير كل شيء بوصفه مخططاً غربياً، وتبرئة الذات ليست مقصورة على شريحةٍ اجتماعيةٍ واسعةٍ من الشعوب، بل حتى الحكومات والمسؤولين، فهم، لشدة خوفهم وجهلهم بما يحدث، يفسرون كل ما يحدث حولهم بالمؤامرة؟

لا توجد مؤامرة أكبر من مؤامرة الجهل الذي أصبح سلطة حاكمة في العالم العربي، ومن مؤامرة غياب البحث العلمي، وتجييره لصالح السلطات والحكومات، ومن مؤامرة آلاف الجامعات التي لا تنتج معرفةً عميقةً مفيدةً لنفهم ما يجري حولنا.

فلنصنّف ما يحدث بأنّه مؤامرة خارجية؟ ألا يستحق ذلك أن نفهم المؤامرة ونفكّكها ونحللها، حتى لا نقع في حبائلها، كما يحدث الآن، أين البحوث والدراسات التي تكشف لنا ذلك؟ والسؤال الأهم في ظل الانقسامات الحادّة في مجتمعاتنا ودولنا: من يتآمر على من؟

المصدر | العربي الجديد