الأحد 20 مارس 2016 02:03 ص

تتميز دول الخليج العربي بأن أنظمتها السياسية غالبا ما تمزج بين الدين والدولة في سياستها الخارجية. تستضيف السعودية اثنين من أقدس المواقع الإسلامية، وتنبع قوة الأسرة الحاكمة من صفقة صنعها أسلافها مع جماعة دينية سنية أصولية. إيران هي أكبر دولة شيعية في العالم وهي تدعم الجماعات الشيعية في جميع أنحاء المنطقة منذ الثورة الإيرانية في عام 1979. أبدى كلا الطرفين قدرا كبيرا من اللامسؤولية في الاستخدام التكتيكي والاستراتيجي للإسلام من أجل تعزيز سياساتهما الخارجية وتعزيز الدعم السياسي المحلي.

وبين هذه القوى تتواجد دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي دولة صغيرة غنية بالنفط والغاز. منذ حصولها على الاستقلال عن المملكة المتحدة في عام 1971، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كعنصر فاعل مؤثر في الشرق الأوسط، وهي عنصر أقل اهتماما بالجغرافيا السياسية الطائفية. بدلا من ذلك فإن الإمارات العربية المتحدة غالبا ما تدعم الجماعات القومية وتسعى جاهدة لفرض الفصل بين الدين المؤسسي والسياسة، على حد سواء في الداخل والخارج.

صناع القرار الإماراتيون لديهم إيمان عميق بأهمية الفصل بين الدين والدولة في العالم العربي. وهم يرون دروسا تحذيرية من صعود الإسلام السياسي داخل دولة الإمارات العربية المتحدة. ينظر حكام الإمارات إلى الإخوان المسلمين على أنهم مجموعة دولية تسعى تدريجيا إلى بسط نفوذ لا يمحى وممارسة الضغط على الطبقة السياسية باستخدام الإسلام نفسه. جماعة الإخوان، وفق ما يقول المفكرون في دولة الإمارات العربية المتحدة، يستفيدون من عدم المساواة المالية من أجل جمع المؤيدين وحشدهم.

في هذا الخط من التفكير، فإن الإماراتيين يعتقدون أن الإخوان المسلمين يسعون وراء أهدافهم الخاصة، وأنهم لا يحترمون الحدود الوطنية وأنهم يؤججون التطرف ببطء في المجتمع. وهكذا ركزت استجابة الإمارات على مواجهة الإسلاميين الذين يسعون إلى استغلال الدين لأهدافهم الخاصة، ووضع بديل للحكم في منطقة الشرق الأوسط.

في نفس الوقت، ومن أجل تعزيز نفوذها، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تتطلع لتصبح حليفا قابلا للاعتماد عليه من قبل الولايات المتحدة. وعليه فإنها تجنب الخلط بين الدين والسياسة، بالإضافة إلى تركيز الرسائل السياسية الممولة جيدا والمهنية في واشنطن العاصمة. هذا النهج، سوف يكون من الصعب ترويجه داخل الإمارات، خصوصا وأن القوى الإقليمية الأخرى تكثف استخدامها الخاص للإسلام في السياسة الخارجية.

الاختلافات الاستراتيجية

ويتم التحكم في السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة من قبل أبوظبي، عاصمة الاتحاد الإماراتي المكون من 7 إمارات. في أبوظبي، فإن ولي عهد أبو ظبي والقائد العام للقوات المسلحة في البلاد «محمد بن زايد آل نهيان» والدائرة المقربة منه هم من يتولون تحديد النغمة العامة للبلاد. وقد ساهمت كل الشخصيات القيادية في المجموعة في الدعم الثقافي والعملي لهذه السياسات الجيفرسونية (نسبة إلى توماس جيفرسون، من الآباء المؤسسين للولايات المتحدة)، والمواقف التي شهدناها بوضوح منذ بداية الربيع العربي.

في أوائل عام 2011، وعلى وجه التحديد في ليبيا، قدمت كل من دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر الدعم النشط للربيع العربي. ولعبت كلا الدولتين دورا محوريا في عملية الناتو الموحدة التي هدفت إلى الدفاع عن المعارضة الليبية ضد الرئيس «معمر القذافي». قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة ستة طائرات من طراز« إف 16 » وستة طائرات «ميراج 2000» للمساعدة في فرض منطقة حظر الطيران في ليبيا، ولإثبات أن عملية الناتو في ليبيا ليست مجرد حالة أخرى من التحالفات الغربية التي تهدف إلى قصف دول عربية. 

وعلى الرغم من أن قطر والإمارات العربية المتحدة قد بدأتا على نفس الصفحة من ليبيا فإنهما سرعان ما اختلفت مواقفهما. قدمت قطر التمويل والتدريب والعتاد العسكري، والدعم السياسي للإسلاميين الثوريين. وقد شمل ذلك دعم «عبد الكريم بلحاج»، وهو زعيم ميليشيا سابقة مرتبطة بتنظيم القاعدة قرر التخلي عن ماضيه لتأسيس مجموعة جديدة وحزب سياسي تحت اسمن الوطن، والذي بدأ مع الربيع العربي. في المقابل، فإن دولة الإمارات قد اختارت تقديم الدعم للجماعات المناهضة للإسلاميين. وقد تألفت هذه الجماعات من الحركات القومية مثل الزنتان، وكتائب القعقاع. وبالمثل، برزت الإمارات العربية المتحدة باعتبارها الداعم الأهم للجنرال «خليفة حفتر» بحلول ربيع عام 2014. و«حفتر» هو قائد عسكري ليبي سابق يدعي أنه يريد إنقاذ الدولة من سيطرة الإسلاميين بعد سقوط نظام «القذافي».

تستخدم دولة الإمارات العربية المتحدة طائراتها وقواتها الخاصة بالتعاون مع مصر لمساعدة الجماعات الموالية لها خلال القتال ضد الإسلاميين في طرابلس ودرنة.

الافتراق بين الإمارات وقطر ظهر بشكل أكثر وضوحا في مصر. بعد الربيع العربي، فإن السعوديين والإماراتيين قد شعروا بالرعب نتيجة صعود الإخوان المسلمين إلى السلطة. وبعد انقلاب يوليو/تموز 2013 الذي أطاح  بالرئيس المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، «محمد مرسي»، من منصبه، فإن دول البحرين، الكويت، المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة قد أيدت بقوة حركة الجيش للإطاحة بالإسلاميين. قامت قناة الجزيرة ووسائل الإعلام القطرية بانتقاد حكومة «السيسي» بشدة كما قامت بإعادة الأموال التي منحتها للدولة في عهد حكومة «مرسي». قامت دولة الإمارات العربية المتحدة، جنبا إلى جنب مع غيرها من دول الخليج بالتدخل لسد الفجوة المالية.

وبعد عدة سنوات من تدني مستوى الصراع بين دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر وأبو ظبي، وبحلول مارس/أذار 2014، فقد نجح ولي العهد الإماراتي في إقناع السعودية أن قطر تحتاج إلى كبح جماحها. قامت كل من البحرين والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في وقت لاحق بسحب سفرائهم من الدوحة من أجل إجبار قطر على مراجعة علاقاتها مع جماعة الإخوان المسلمين. خلال الأيام التالية، أشارت مصادر صحفية إلى أن المملكة العربية السعودية كانت تدرس إغلاق المنفذ البري الوحيد مع قطر الذي تمر من خلاله أكثر من ربع قيمة صادرات البلاد. بعد تسعة أشهر من الضغط، وبسبب مخاوف السعودية من حدوث انقسام داخل دول مجلس التعاون الخليجي، اعتبر مجلس التعاون والقيادة في قطر أن الدوحة قد قدمت ما يكفي من التنازلات. بحلول ديسمبر/ كانون الأول عام 2014، عاد السفراء إلى قطر، والتقى دول مجلس التعاون الخليجي في القمة السنوية التي كان مقررا عقدها في الدوحة. ومع ذلك فإن القمة قد عقدت لمدة يوم واحد بدلا من يومين كما غاب عنها ثلاثة من الزعماء الخليجيين.

وخلال ربيع عام 2015، واصلت الإمارات إشراك نفسها في الصراعات الإقليمية. على وجه الخصوص، انضمت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى المملكة العربية السعودية وائتلاف من دول المنطقة إلى الحرب في اليمن التي اتضح أنها أكبر وأكثر تعقيدا مما توقع المحللون. تتشارك دولة الإمارات العربية المتحدة مع السعودية أهدافها في اليمن، وعلى رأسها منع الحوثيين من السيطرة، واستخدام صواريخ «سكود» التي استولوا عليها من الحكومة اليمنية. كما سعى التحالف أيضا لمنع الحوثيين، الذين يتمتعون ببعض الدعم من إيران، من ترسيخ سلطتهم في الدولة اليمنية ومنعهم من التحول إلى إصدار من حزب الله، الميليشيا اللبنانية واسعة النفوذ المدعومة من إيران، في شبه الجزيرة العربية. الارتباط الديني هنا لا يقل أهمية عن المبررات الجيوسياسية. تعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة الانتماء الزيدي نظيرا للتشيع الذي يشكل أساس الدعم الإيراني للحوثيين، وعلى الرغم من أن هذه النظرة تعد مبسطة من الناحية اللاهوتية، إلا أنها تتماشى مع المنهجية «الجيفرسونية» في السياسة الإماراتية. وعلى هذا النحو، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة قد أبت دعمها للرئيس اليمني «عبد ربه منصور هادي» بوصفه زعيما وطنيا.

في أماكن أخرى في الشرق الأوسط، حافظت الإمارات العربية المتحدة على «خط جيفرسون» في حربها ضد «الدولة الإسلامية». وقد شاركت الطائرات الإماراتية في الضربات الجوية لقوات التحالف ضد أهداف تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا من عام 2014 حتى الوقت الحاضر. في الحرب الأهلية السورية نفسها، يلاحظ الغياب النسبي للدور الإماراتي ويرجع ذلك إلى ترددها في دعم أي من الفصائل الإسلامية من أجل أن تكون لها كلمة في الصراع.

عندما يتعلق الأمر بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، انتهجت دولة الإمارات العربية المتحدة نهج «جيفرسون» على نطاق واسع أيضا. تتمتع الإمارات بعلاقات وثيقة مع الزعيم السابق لفرع جازان من حركة فتح، «محمد دحلان». فتح هي حركة سياسية فلسطينية علمانية، ويعرف «دحلان» عموما بمواقفه المناهضة للإسلاميين فضلا عن تقديمه المشورة لولي عهد أبو ظبي بشأن إنشاء جهاز الأمن الداخلي. استعداد «دحلان» للعمل بشكل وثيق مع الإسرائيلين هو أهم أسباب سقوطه على الساحة السياسية الفلسطينية، ولكنه كان له تأثير واضح على الإماراتيين. في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، أعلنت (إسرائيل) أنها بصدد تأسيس مكتب دبلوماسي رسمي في أبو ظبي. و على الرغم من أن المكتب سيكون له منزلة أدنى من سفارة أو قنصلية، فقد كان المكتب الإسرائيلي في الوكالة الدولية للطاقة المتجددة خطوة هامة بالنسبة إلى كلا الطرفين.

التفاوت الاجتماعي

تعد أبو ظبي هي الإمارة الأكبر والأكثر ثراء في دولة الإمارات العربية المتحدة، مع تباين صارخ في الثروة بينها وبين سائر الإمارات. يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الإمارة أكثر من 70 ألف دولار سنويا، في حين أنه في ثلاث إمارات أخرى هي الفجيرة، رأس الخيمة، وأم القيوين، فإن هذا الرقم يقل كثيرا عن 20 ألف دولار. وفي ظل هذه الهوامش الاقتصادية والاجتماعية الواضحة، غالبا ما تزدهر جماعة الإخوان المسلمين في العقود الأخيرة في الشرق الأوسط. القلق من أن الربيع العربي قد يمتد إلى الإمارات في عام 2011 قد دفع أبوظبي إلى الاستجابة عبر حزم المساعدات والاستثمار والقروض السكنية، وزيادة المعاشات التقاعدية للعسكريين، ودعم المواد الغذائية بقيمة عدة مليارات من الدولارات. وقد هدفت كل هذه المبادرات في المقام الأول إلى مساعدة الإمارات الشمالية على التعامل مع الضغوط المالية التي قد تسمح بانتشار الإسلام السياسي. 

ولكن هناك اختلافات أكثر جوهرية بين الإمارات الغنية والفقيرة داخل دولة الإمارات العربية المتحدة. طوال تاريخ البلاد، اتجهت الإمارات الشمالية إلى أن تكون أكثر تحفظا سياسيا ودينيا من أبوظبي. تأسس تجمع دعوة الإصلاح، فرع جماعة الإخوان المسلمين، في دبي في عام 1974 ولكنه كان أكثر نفوذا في الإمارات الشمالية. تولى أعضاء منتمون لتجمع الإصلاح في إمارة رأس الخيمة مناصب وزارية في التعليم والعمل والشؤون الاجتماعية والعدل، والشؤون الإسلامية، والأوقاف خلال السبعينات والثمانينات.   

التصورات حول زيادة نفوذ الإصلاح في هذه الوزارات يبدو أنها قد أثارت قلق أبو ظبي ودبي. في أواخر الثمانينيات، فرضت دبي على الخطباء أن يقدموا نسخا مسبقة من خطبهم. وقد سعت أبو ظبي في الوقت نفسه إلى توحيد جميع الإمارات تحت قيادتها، كما بدأت أيضا في تطويق أنشطة تجمع الإصلاح. بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري السابق «حسني مبارك» من قبل مجموعة إسلامية متطرفة في عام 1995، فقد اضطر بعض أعضاء الإصلاح إلى التقاعد من وظائف وزارية كما تم ترحيل أعضاء بارزين من الإخوان العاملين في قطاع التعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة.

ولكن التنافس الداخلي بين الإمارات المختلفة مثل عقبة في وجه حملة أبو ظبي ودبي على تجمع الإصلاح. وكما يلاحظ «كورتني فرير» في أطروحته بعنوان «دراسة تطور جماعة الإخوان المسلمين في الخليج»، فإن الشيخ «صقر القاسمي» زعيم إمارة رأس الخيمة بين عامي 1948 و2010 قد حمى جمعية الإصلاح حيث كان يعتقد أنها قوة للخير. طوال هذا الوقت، كانت أبو ظبي ترى أنها تنتهج نهجا تفاوضيا مع تجمع الإصلاح وأنها لم تضطر إلى التصعيد سوى في مواجهة تعنت الجماعة. في نهاية المطاف، فإن أبو ظبي قد أرادت أن تقوم جمعية الإصلاح بإعادة طرح هويتها مرة أخرى مع نبذ أي ارتباط لها مع جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة، أو أن تحذو ببساطة حذو شقيقتها في قطر والتي أعلنت حل نفسها في عام 1999. ولكن تجمع الإصلاح قد رفض الرضوخ لذلك ما أسهم في نهاية الأمر في تصاعد التوترات. 

وقد جاءت هجمات 11 سبتمبر/أيلول التي تورط فيها اثنان من الإمارات العربية المتحدة أحدهما من إمارة رأس الخيمة والآخر من الفجيرة لتؤكد أمام أبوظبي مخاطر السماح لمثل هذه المجموعات بالعمل وخلق مناخ لظهور التطرف. اعتقلت الحكومة مئات الأعضاء في جمعية دعوة الإصلاح وأقصتهم غيرهم من مختلف الوزارات بهدف الحد من نفوذهم. في هذه الحملة، ظهر ولي عهد أبوظبي «محمد بن زايد» بوصفه الشخصية الوطنية التي قادت المناقشات التي دارت في عام 2003 لإقناع الإصلاح بالحد من أنشطته المحلية. كان المنطق الذي يقف خلف نهج «بن زايد» يقول بأنه «إذا لم تكن المجموعة تهدف إلى القيام بأنشطة تخريبية سياسيا فإن ذلك لن يتطلب منها مقدرة تنظيمية مستقلة». هذه المحادثات لم تسفر عن شيء، وفي النهاية تم فصل المئات من أعضاء الجمعية من مؤسسات الدولة البيروقراطية في عام 2006، ومع ذلك فإن الجمعية لا تزال ترفض التراجع.

تغيرت الأمور مع الربيع العربي الذي أدى إلى رد فعل من جزئين في أبو ظبي. جنبا إلى جنب مع حزم المساعدات التي استهدفت الإمارات الشمالية، فإن الحكومة قد قادت حملة أمنية أكثر شراسة ضد جمعية الإصلاح، حيث تم إلقاء القبض على المئات وحكم عليهم بالسجن وتم حل جمعية الإصلاح رسميا وصنفت جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية. بالإضافة إلى ذلك، تم حظر مجموعة كبيرة من الجهات الفاعلة في المجتمع المدني وتم رفض تجديد تصاريح التشغيل الخاصة ببعضها الآخر. كثير من هذه المجموعات، مثل مركز الخليج للأبحاث وحتى مركز «كونراد أديناور» الألماني لم تكن ذات توجهات إسلامية إلا أنا وقعت في مرمى النيران. كما تم فرض قيود على حرية التعبير حيث حاولت الحكومة أن تحمي نفسها خوفا من اندلاع أي اضطرابات مرتبطة بالربيع العربي.

في النهاية، لم تحدث اضطرابات مماثلة لتلك التي شهدتها بلدان الربيع العربي في الإمارات. ولكن هيمنة الإسلاميين على الساحة السياسية في أعقاب الربيع العربي قد كرست فرضية العمل بين النخبة في أبو ظبي والتي تغلب عليها انعدام الثقة في الإسلاميين. ترى النخبة في أبو ظبي أن الإسلاميين هم مجموعة من الانتهازيين الذين يسعون إلى فرض سيطرتهم على السلطة. يكفي النظر إلى الكوارث التي حلت بليبيا وسوريا واليمن، وإلى حد أقل مصر، لمعرفة ما هي المشاكل تظهر عندما تظهر هذه المجموعات من وجهة نظر أبوظبي. كان هذا هو الدرس الرئيسي الذي استفادته أبوظبي من الربيع العربي، والذي بنت عليه سياستها المحلية والدولية منذ ذلك الحين.

خلافات في الرأي

على الرغم من أن الولايات المتحدة قد تمتعت بتنسيق واسع مع المملكة العربية السعودية لعشرات السنين فإن هذا التحالف قد تعرض لاهتزازات بسبب نهج الرياض الجديد في السياسة.

نهج «جيفرسون» الذي تتبعه الإمارات العربية المتحدة، على النقيض من ذلك، يعكس المبادئ الأمريكية للحكم ، ويمكن أن يؤدي في الواقع إلى تحالف أكثر دواما بين البلدين. موقف الإمارات تجاه الإسلام يعد وكأنه موسيقى في آذان واشنطن. هناك نظريان مختلفتان حول الإسلام السياسي وعلاقته بالتطرف، ترى أولاهما أن الجماعات الأكثر اعتدالا مثل الإخوان المسلمين تعمل كحزام نقال نحو الأفكار الأكثر تطرفا، أما النظرية الثانية فترى أنها تعمل بمثابة حاجز ضد التطرف. تتبنى الإمارات النظرية الأولى بشكل واضح وهي تسعى إلى تقديم هذه الرؤية بلباقة إلى الولايات المتحدة. هناك مشروع قانون 2016 في مجلس النواب الأمريكي الذي يدعو إلى تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية. من غير المرجح أن يتم تمرير المشروع ، ولكن ذلك يدل على أن هناك جهات متنفذة في «الكابيتول هيل» تتخذ نهجا مماثلا. 

يدلل ذلك أيضا على نجاح النهج الدبلوماسي للإمارات العربية المتحدة تجاه الولايات المتحدة. في وسط هذا الضغط، يبرز دور سفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى الولايات المتحدة، «يوسف العتيبة». حافظت دولة الإمارات العربية المتحدة أيضا على أنشطة جماعات الضغط التي تساعد في تشكيل وإيصال الرسائل الأساسية حول البلاد. ونتيجة لذلك، فقد حظيت دولة الإمارات العربية المتحدة بتغطية إخبارية إيجابية تصف البلاد كحليف حكيم ومسؤول في منطقة الخليج. وقد دفعت جماعات الضغط هذه أيضا إلى تصيف قطر باعتبارها داعم للحركات الإسلامية وعلى أساس كونها حليف غير مؤكد لواشنطن.

أصبحت الإمارات العربية المتحدة أيضا واحدة من أكبر الجهات الداعمة للأنشطة الخيرية في العاصمة الأمريكية، واستثمرت مليارات الدولارات في الصناعات الأمريكية. وقد افتتحت حرم جامعة نيويورك في أبو ظبي، وأطلقت مؤسسة بحثية تحظى باحترام، تدعى المعهد العربي لدول الخليج. كما زادت من استثماراتها التقليدية في أنشطة الضغط مثل رعاية سباقات الفورميولا 1 في أبو ظبي، من أجل تصدير انطباع لصناع القرار الرئيسيين حول كون دولة الإمارات العربية المتحدة هي بلد عصري جذاب، وكي تضفي مصداقية على ادعاءاتها بأن جماعة الإخوان المسلمين تمثل خطرا.

وبصرف النظر عن نهجها الخطابي المعادي للإسلاميين، فقد استطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة أن تعزز مصداقيتها باعتبارها شريك عربي للولايات المتحدة قادر على حمل بعض العبء في الحفاظ على أمن الخليج. أرسلت الإمارات العربية المتحدة قواتها للمشاركة في قوة المساعدة الأمنية الدولية التابعة للناتو في أفغانستان، وشاركت في عملية الناتو الجوية في ليبيا كما انضمت إلى قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» وشاركت بقواتها في عملية عسكرية محفوفة بالمخاطر بصحبة المملكة العربية السعودية في اليمن. عندما يتعلق الأمر بالأمن الإقليمي، فإن الإمارات العربية المتحدة تتدخل بنشاط وتلوث أيديها استجابة للنداءات الأمريكية والخليجية لتحمل نصيبها العادل.

الفصل وليس العلمانية

وعلى الرغم من الانسجام العام للسياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة مع الولايات المتحدة الأمريكية فإن هناك عدة تناقضات رئيسية بينهما.

دولة الإمارات العربية المتحدة تحارب الأسلمة، ولكنها لا تريد أن تصبح دولة علمانية. وينبغي النظر إلى بناء مسجد عملاق باسم الشيخ زايد في أبوظبي في سياق تأكيد حكومة البلاد على مركزية الإسلام في دولة الإمارات العربية المتحدة. الإمارات أيضا هي قوة صغيرة تسعى على نحو متزايد لتصبح لاعبا رئيسيا. لا يمكن أن يكون هذا التوتر أكثر بروزا بقدر ظهوره في العلاقة مع المملكة العربية السعودية. تأسست حكومة الرياض على اتفاق لتقاسم السلطة واضح ودائم بين القوى الدينية والسياسية، والتي لا تجد الإمارات العربية المتحدة أي فرصة في محاولة تغييره.

وقد قبلت الإمارات العربية المتحدة التعايش مع هذه التناقضات لثلاثة أسباب رئيسية. أولها أن المملكة العربية السعودية هي دولة كبيرة مع عدد سكان كثيف وجيش ضخم. إضافة إلى ذلك، فإنها تعمل كخادم للحرمين الشريفين، وبالتالي فإن الإمارات العربية المتحدة ليست في أي موقف يسمح لها بانتقاد الأهلية السياسية للملكة العربية السعودية. ثانيا، فإنه في الوقت الذي تواصل فيه دولة الإمارات اتباع مبادئ «جيفرسون» للسياسة فإنها لا زال مسكونة بهواجس تشكيل الدولة في أعقاب ثورة، في حين أن المملكة العربية السعودية هي مستقرة نسبيا وقوية، وغنية، وهناك احتمال ضئيل لثورة خلالها يمكنها انتزاع الدين من الحمض النووي للدولة. وثالثا فإن النخب في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة يتشاركون الاتفاق بشأن القضايا الرئيسية. هم متفقون على أن الحوثيين في اليمن بحاجة إلى وقفهم، كما أنهم يرون أن أسئلة الحكم الديني تمثل أسئلة ثانوية ضمن إطار المخاوف الأمنية الأكثر إلحاحا في المنطقة.

ولكن حتى مع تعاون الرياض وأبوظبي في اليمن فإن أساليبهما تبدو متباعدة. تستخدم البلدان قوات بالوكالة لمكافحة الحوثيين. ولكن دولة الإمارات العربية المتحدة تميل إلى استخدام القبائل والعلاقات العائلية إضافة إلى استقدام المرتزقة من أمريكا الجنوبية، بينما يميل السعوديون إلى توظيف علاقتهم مع التجمع اليمني للإصلاح، فرع جماعة الإخوان المسلمين في اليمن. مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد صنفت المملكة العربية السعودية كجماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية في شهر مارس/أذار عام 2014. ومع ذلك، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك «سلمان»، الذي اعتلى العرش في يناير/ كانون الثاني عام 2015، فقد أعادت الرياض علاقاتها مع أفرع الجماعة في اليمن وأماكن أخرى. ويبقى أن ننتظر لنرى إلى أي مدى سوف يكون تسامح الإمارات العربية المتحدة مع هذا النهج. ويشير التاريخ الحديث أن دولة الإمارات العربية المتحدة سوف تكون كارهة للسماح للمجموعات مثل التجمع اليمني للإصلاح لاتخاذ دور فعال في أي اتفاقات لتقاسم السلطة في مرحلة ما بعد الصراع.

الصعوبات التي تواجهها الإمارات العربية المتحدة في اليمن تؤكد التحديات الأوسع نطاقا فيما يتعلق بتعزيز الحكم العلماني في المنطقة. في جميع أنحاء الشرق الأوسط، فإن الخطاب الديني يهيمن بشكل واضح على الدوائر السياسية والعامة. المجموعات الوطنية التي تدعمها دولة الإمارات العربية المتحدة ضد هذا المد الأوسع ليست منتجات للدعم الخارجي، إلا أنها لا تحظى بالشعبية الكافية داخل العالم العربي. ومهما كانت الفوائض المالية التي تتمتع بها دولة الإمارات العربية المتحدة، فإنها يستحيل أن تستمر في تقديم الدعم لهم إلى الأبد خصوصا مع انخفاض أسعار النفط إلى مستويات قياسية. تدرك أبو ظبي بالطبع هذه التحديات بوضوح. وهي تدرك أنها تسبح ضد التيار في منطقة الشرق الأوسط، وأن التراجع عن العلاقات بين الدين والسياسة في المنطقة يعني كشف المواقف الفلسفية الراسخة والتخلي عنها.

تبدو القيادة الإماراتية بحاجة إلى مقاومة حماسها لتطبيق مبادئ «جيفرسون» للدولة إذا لم تكن تمتلك ما يكفي من الأدلة على التعنت العقائدي الذي تشتكي دوما أنه يميز الإسلام السياسي. بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة في تبني مساحات أكثر رمادية حول هذه المسألة عندما لم تعارض علنا تمكين المملكة العربية السعودية لقادة التجمع اليمني للإصلاح في مدينة تعز اليمنية. إذا كانت دولة الإمارات العربية المتحدة سوف تواصل حملة «سيزيف» لفصل الدين عن السياسة في الشرق الأوسط، فإن عليها أن تتخذ مسارا دقيقا بين الديمقراطية والعلمانية.