الثلاثاء 12 أبريل 2016 03:04 ص

نعني بالفكر العربي الفكر الذي تمخض عن اليقظة العربية منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر،وما زال هذا الفكر يمثل مرجعية للمثقفين والمفكرين العرب حتى يومنا هذا. ويشار له في الأدبيات السياسية، كأهم معلم من معالم عصر التنوير العربي.

انقسم هذا الفكر بين موقفين: اتجاه افتتن بعصر الأنوار الأوروبي، وما تبعه من تحولات اجتماعية وتاريخية كبرى، تمثلت في نشوء دولة العقد الاجتماعي، وتداول السلطة، وقيام الدول الحديثة بأركانها الثلاثة: التشريعية والقضائية والتنفيذية.

وقد طالب دعاته بالقطع التام مع الماضي وتبني المشروع الحداثي الأوروبي، المستند الى العلم والمعرفة والتقانة، ودولة الحق والقانون، وربما يعتبر شبلي شميل وفرح أنطون من أهم الشخصيات التي نظرت لهذا الاتجاه.

أما الاتجاه الآخر، فتراثي يرفض الواقع القائم ويناهض الاستبداد، ولكنه يرى بالتشبث بالموروث الحضاري الإسلامي، طريقاً لبلوغ النهضة، ويرى في مفهوم النهضة يقظة بعد بيات طويل وأنها والحالة هذه هي استمرار للموروث ليس في مرحلة ترديه بل في لحظة نهوضه وتجلياته وما قدمه للبشرية في عصره الذهبي.

منذ ذلك التاريخ، تناوب الموقفان الحضور الجلي، في دورات متعاقبة، يحكم هذا الحضور، طبيعة اللحظة وتجاذباتها، وتأثيرات السياسة الدولية والإقليمية في الواقع العربي.

كانت الغلبة في لحظة التأسيس لحركة اليقظة العربية، للجانب الحداثي، المتطلع للنموذج الغربي السياسي، ولفكر عصر الأنوار الأوروبي والمرحلة التي أعقبته: روسو ولوك ومونتيسيكو وهوبز وهيغل وماركس، وفيورباخ ودورخايم وديكارت وفيبر وغيرهم من المفكرين.

وكانت غلبة هذا الاتجاه في حينه، قد جاءت في سياق موضوعي وتاريخي. فقد انطلق عصر اليقظة، منذ بدايته مناهضاً للاستبداد العثماني، وتأثر أقطابه بالثورتين الفرنسية والانجليزية، وبالدستور الأمريكي، وأملوا أن يتوج كفاحهم بقيام نظم سياسية، تحاكي الأنظمة الوضعية التي سادت بالغرب، وبشكل خاص فيما بات يعرف في حينه بعاصمة النور باريس.

وحين حدثت الحرب العالمية الأولى، لم يتردد دعاة الحداثة، عن الالتحاق بالحلفاء. واندلعت الثورة العربية، على قاعدة الالتحاق بفرنسا وبريطانيا، على أمل أن يشهد ما بعده، قيام الدولة العربية المستقلة الموحدة، في مشرق الوطن العربي.

لكن نتائج الحرب، التي انتهت بهزيمة العثمانيين، وانتصار الحلفاء أبرزت حملة نموذج العصرنة والحداثة، كقوى استعمارية باطشة. وهنا كان أول مكمن للخلل في رؤية قادة عصر التنوير. فالقيم التي حملوها كانت من صنع تاريخ مرحلة نشوء الدول القومية، على قاعدة مبادئ الثورة الفرنسية، وهي قيم أسهمت في قيام النظم الديمقراطية، ودولة العقد الاجتماعي.

الحداثة هي مرحلة سابقة على الاستعمار، وهي مرحلة انتهت بكسر الحواجز الجمركية وتأسيس الدول الأوروبية، على قاعدة عنصر اللغة والجغرافيا المشتركة للناطقين بها، لكن كسر تلك الحواجز لم يكن كافياً بعد انتصار الثورة الصناعية، وحاجة الطبقة الرأسمالية النهمة، إلى المواد الخام، وإلى أسواق أكبر.

لقد استدعت حاجة السوق إلى الانتقال من الحداثة، إلى ما بعدها، وما واجهته حركة التنوير العربية، لم تكن الحداثة في نسختها الأصلية، نسخة الحرية والإخاء والمساواة، نسخة الدول التي نشأت في السوق، بل مرحلة أخرى مغايرة كليا عما سبقها، هي مرحلة ما بعد الحداثة المتسمة بالتمدد واكتساب أسواق جديدة، ساعد عليها الاكتشافات العملية، واكتشاف طرق بحرية جديدة، بمعنى أن ما واجهته حركة اليقظة العربية، بعد هزيمة العثمانيين، هو عالم ما بعد الحداثة، وليس مرحلة الحداثة.

لقد غيّبت طبيعة الهجمة الاستعمارية على المنطقة التمييز بين الحداثة، كسبيل لتأسيس دولة الحق والقانون، وما بعدها كوسيلة للاستلاب والنهب والهيمنة. وقد أسهمت لحظة الغضب والانفعال، في ترجيح كفة التوجه الآخر لعصر التنوير: التوجه التراثي، المستند الى العودة إلى التراث، واستثماره كبوصلة للنهضة الجديدة.

ولم يكن صدفة أن يكون الأزهر الشريف، هو منطلق هذا التوجه، وأن تكون أرض الكنانة قاعدته. فالأزهر هو مدرسة دينية، بتاريخ عريق، وقد شهد المصريون بأم أعينهم، كيف سحقت الدبابات البريطانية، حلمهم في الاستقلال في ثورة 1919، ولم تكن مؤسسة الأزهر بعيدة عن المشاركة في تلك الثورة.

وهكذا رأينا الإعلان عن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين بالإسماعيلية، على ضفاف قناة السويس قبل مضي عقد على فشل ثورة 1919، ولم يكن غريبا أن يكون حزب الوفد رائد الليبرالية، والملتزم بعناصر الدولة العصرية ونهج الحداثة، في مصر هو أول ضحايا هذه الجماعة.

عجز الحداثيون، عن استيعاب طبيعة لحظة المواجهة مع الاستعمار الغربي، وغيبوا المعطيات الإيجابية للحداثة، ولم يتمكنوا من صياغة مبنى فلسفي، يعمل على توطين عناصرها في الواقع العربي. ويشتق طريقاً خاصاً يضعها موضع التنفيذ. وقد هيأ غياب الخلق والإبداع لقوى الموروث، ممثلة في جماعة الإخوان لاكتساح الشارع.

اختار التراثيون، الجانب المتكلس من التراث، واستبعدوا ما هو إيجابي فيه، واعتمدوا تقديس النصوص، وواصلوا مهنة التقليد، التي كانت سبباً في السبات الطويل الذي عاشته الأمة، منذ سقوط بغداد على يد هولاكو. فكانت خسارة الأمة لإرث عظيم مثله الفارابي وابن رشد وابن سيناء وابن النفيس، وكثير غيرهم من الأفذاذ العظام الذين وضعوا لبنات راسخة في حضارتنا العربية.

المصدر | الخليج - الشارقة