الجمعة 15 أبريل 2016 04:04 ص

أهداني الصديق الشيخ الدكتور سلمان العودة بعضا من إنتاجه الفكري، ووقع اختياري على البدء في الاطلاع على ذلك الإنتاج الغزير بكتاب عنوانه (زنزانة) وراحت بي الظنون قبل الاطلاع أن الكاتب أراد أن يتحدث عن "زنزانته". سبحت في مؤلفه المعني، لكني وجدت نفسي "في بحر لجي من الأحداث يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض" لم يصعب على شيخي الدكتور سلمان العودة أن يكسر تلك الأمواج وأن يسوق السحب بعيدا عن ظنوني، وأن يضيء الطرق المظلمة.

* * *

وقفت معه عند تحرير المرأة قال محدثه: (لست أنا) كلما تخيلت صور بائعات الهوى نفرت من الإناث! رد عليه شيخنا: كلما تذكرت أن بناتي الأربع ينتمين إلى الجنس نفسه الذي تنتمي إليه مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة وفاطمة وعائشة، شعرت بالفخر، وأحسست بجميل النعمة، وقرأت سر التكريم.

ويمضي يقول بعض المجتمعات الغربية تسعى إلى تحطيم أنوثة المرأة، وبعض المجتمعات العربية تسعى إلى تحطيم إنسانيتها بالكامل، فالمرأة التي تتعرض للظلم تفقد أنوثتها لأنها تفقد أعز خصائصها، الشعور بالحب والأمان.

شيخنا سلمان حفظه الله، شخَّص حال المرأة العربية بكل سهولة وجلاء بلا تكلف وسؤالي: ألم يدرك أولئك المتزمتون المتشددون المشككون في المرأة العربية وقدرتها وعفافها وكبرياؤها أنها قادرة على مواجهة المصاعب إذا ألمت بها. اعطوا المرأة مكانتها وحريتها فإنها قادرة على الإبداع والعطاء للأمة والوطن.

* * *

يبحر بي كتاب "زنزانة" في بحره اللجي ليرسو بي ومن معي على ميناء عنوانه "مواطن من دون هوية" يقول "صبي درج هنا لا يعرف جغرافيات أخرى، وتهجّى أول حروف لثغته الأولى على هذه الأرض، وتعرف على الحياة والدنيا والدين والعادات والتقاليد بواسطة جيرانه ومساكنيه. صدحت حنجرته الطرية بنشيد (وطني) كان يظنه يعبر عنه.، ....، أبوه (حسن) يغادر المكان بعد أربعين عاما ليعود إلى (تشاد) الترحيل كان في انتظاره بسبب مشاجرة عابرة مع (مواطن) دون حكم قضائي.

يستمر فقيهنا الدكتور سلمان العودة في القول: "الـ(بدون) ظاهرة خاصة في بلاد أوسع الله لها في الرزق، استعصى حلها بسبب عادات التفكير، وما أفرزته من أنظمة لم تخضع للتغيير، ولم تضع مخاطر المستقبل في حسابها، وقد تضيق نفوس أقوام بها وكأن شريكهم في العيش ينهب رزقهم، وهو إنما يأكل ما كُتب له، ويسهم بعرقه وجهده في عمل قد يأنف منه غيره!".

* * *

يؤكد شيخنا "أنه من الخطأ الاستراتيجي بحق الأجيال أن تظل هذه المسألة الشائكة، التي تمس الملايين من دون حلول جادة وناجزة ومنصفة، وأن يكون الحل الأوحد الفعال هو الترحيل أي الإبعاد ليذهب هؤلاء إلى بلاد ليست بلادهم، فبلادهم الحقيقية هي التي ولدوا ونشأوا وتعلموا فيها وشعروا بالولاء والانتماء اليها. وصدق رسول الله محمد عليه السلام إذ يقول "(ابغوني ضُعفاءكُم فإنما تُرزقون وتنصرون بضعفائكم)" "البخاري".

دول الخليج العربية تبرز فيها مشكلة الـ(بدون) كمأساة إنسانية في مجتمعات حباها الله بثروات عظيمة قادرة على ابتكار الحلول وتنفيذها.

المتابع لوسائل الإعلام الخليجية بأنواعها المختلفة يجد أن هناك حملة على الجاليات العربية على وجه التحديد وفي بعض الحالات على الـ(بدون) وهذا في تقديري موقف فيه الكثير من التجني إذا عممنا، وعلينا أن فرز ولا نعمم في حالة النقد. أجيال عربية ولدت وتعلمت وترعرت في ربوع الخليج العربي وغنوا وحفظوا مع أطفالنا أنا شيدنا الوطنية، وحتى في ملاعبنا الرياضية نجد أن معظم المشجعين وأكثرهم حماسا لفرقنا الرياضية هم من المقيمين ومولودون في هذه البلدان.

لقد خسرت دول مجلس التعاون الخليجي وما برحت تخسر في عدم استقطاب علماء وأطباء ومهندسين وأساتذة جامعات وخبراء عسكريين من اللاجئين العراقيين والسوريين واستفادت منهم دول أخرى على رأسها إيران. علينا أن نحسن الخيار ولا نخاف ولا نندم.

آخر القول: آناشد كل قادة دول مجلس التعاون في الخليج العربي أن يعيدوا النظر في تعاملهم مع المقيمين العرب، واستقطاب النخب من المهاجرين العراقيين والسوريين والفلسطينيين ومنحهم حق المواطنة أو الإقامة الدائمة فانهم إضافة لنا وليسوا عبئا علينا.

* د. محمد صالح المسفر أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر - الدوحة.

المصدر | الشرق القطرية