الأربعاء 6 أبريل 2016 04:04 ص

عبر العشرين سنة الماضية فوجئ المواطن في الأرض العربية كلها، بتدفق سيل متصاعد ومتنوع من برامج ومؤسسات وشبكات التعليم المقبلة على الأخص من الغرب في البداية، ولكن المقبلة من الشرق أيضا في الآونة الأخيرة.

إنه هجوم يشمل كل مراحل التعليم، ممتدا من الروضة إلى الدراسات الجامعية العليا. ولا يوجد فقط في دول العسر الاقتصادي، حيث لا تستطيع الدولة تحمل عبء وتكاليف التعليم المتنامي في الكم والتنوع، وإنما يوجد أيضا، وبقوة، في دول اليسر والفوائض المالية.

إن جزءا كبيرا من سبب اتساع هذه الظاهرة وانتشارها المبهر بدأ بتوقيع الحكومات العربية على اتفاقات التجارة الحرة، ومن ضمنها حرية التجارة في الخدمات، بما فيها خدمات التعليم، تلك الاتفاقات التي فرضتها قوى العولمة الرأسمالية النيولبرالية على العالم النامي من خلال جبروت وابتزازات منظمة التجارة العالمية.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، ففي حين أن دولا مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا رفضت أن تشمل اتفاقية حرية تجارة الخدمات حقل التعليم في بلديهما، واعتبرتا التعليم شأنا وطنيا سياديا لا يترك للأغراب ولا لتأثيرات الخارج، فإن الدول العربية كالعادة انصاعت للأمر بدون تحفظ وفتحت الأبواب للخارج.

هذا رغم أن الحكومات العربية تدرك جيدا أن اختلاط الخارج بالداخل، في حقل حساس ومعقد كحقل التعليم، سيخلق ألف إشكالية في مجتمعات تتصف بضعف الرقابة الرسمية وبانتشار المحسوبية والفساد وبالاستهتار بالقوانين. لضخامة وتعقد الموضوع دعنا نقصر الحديث اليوم على التعليم العالي.

ولنبدأ بالتأكيد على أن أغلب برامج ومؤسسات التعليم الخارجية غلبت على تأسيسها وتنظيمها الصبغة التجارية الربحية، سواء من خلال شراكاتهم مع تجار محليين ومع جامعات خاصة ربحية، أو من خلال تسهيلات كثيرة قدمتها الحكومات لتقلل من مصاريف تلك المؤسسات وتجذبها للمجيء، أو من خلال تشجيع ودعم مباشر وغير مباشر من قبل حكومات وبعض منظمات بلدان تلك المؤسسات، لتساهم في تغيير ثقافة المنطقة العربية، من أجل تسهيل مهمات المشروع الصهيوني، وإدماج بلاد العرب ذهنيا وسلوكيا في ثقافة العولمة الاستهلاكية المسطحة، وتهيئة البعض للانخراط في موجة هجرة العقول العربية إلى الخارج، والقيام بأبحاث ظاهرها البراءة وباطنها خدمة مؤسسات الاستخبارات، أو مؤسسات واضعي استراتيجيات تأجيج الصراعات والانقسامات في بلاد العرب المستباحة.

ليس الموضوع رفض الانفتاح على الآخر والتعلم منه ومن منجزاته الكثيرة، والتعاون معه بندية في شتى حقول المعرفة، فهذا ما لا يمكن أن يخطر على البال. وإنما نحن هنا معنيون بالآتي:

أولا ـ تسليع (من السلعة) التعليم العالي بقصد إدارته على شاكلة المؤسسات التجارية وتداول أسهمه في البورصات المالية وتحقيق أرباح متصاعدة للمساهمين. من هنا ظهور شركات إعلام لتسويقه، وشركات دولية لتمويله، ودخول بعض شركات الإلكترونيات والسيارات في أسواقه، والحبل على الجرار، إذ قد نرى في المستقبل جامعات تملكها سلسلة مطاعم الوجبات السريعة. ولن يطول الزمن لنصل إلى أن يصبح ذلك التعليم تعليما لنخب الغنى واليسر، عسيرا على قدرات الملايين من محدودي الدخل، وليكون التعليم أداة من أدوات اللامساواة، بعد أن كان في الماضي القريب أداة من أدوات الصهر والحراك الاجتماعي.

ثانيا ـ هناك إشكالات أكاديمية وثقافية بالغة الخطورة. ولقد كتب الكثير عن إشكالية إعطاء الأولوية للغات الأجنبية واستعمالها كوسيط لتدريس أغلب المواد العلمية التخصصية، بل وكثير من مقررات العلوم الاجتماعية والإنسانية والتاريخية والأدبية. وبالطبع فإن ذلك يتم على حساب اللغة العربية، الوعاء الفكري لثقافة العرب، الذي يؤدي إلى انفصال كثير من طلبة تلك الجامعات عن منابع ومصادر ثقافة أمتهم، والذي بدوره يؤدي إلى ضعف في الهوية الوطنية والقومية العروبية.

وينطبق الأمر على محتويات المواد الاجتماعية والإنسانية التي غالبا ما تكون حول فكر وتاريخ وقضايا ومناهج مجتمعات الدول التي تنتمي لها تلك الجامعات الأجنبية، وبالطبع بإهمال واضح لفكر وتاريخ وتراث وقضايا أمة الطالب العربية، مما يزيد في مذبحة الثقافة العربية في فكر ووجدان الطلاب العرب المتخرجين من تلك الجامعات وفي عيشهم بعد ذلك في غربة ثقافية مفجعة.

نحن أمام موجة من عولمة التعليم العالي العربي الذي قد يؤدي إلى فقدان الأمن الثقافي العربي، ليضاف إلى فقدان الأمن العسكري والغذائي والاقتصادي والسياسي في أرض العرب المستباحة.

ما تحتاج حكومات أمة العرب أن تعيه، قبل فوات الأوان، هو أن الجامعات هي أهم مصدر لتخريج علماء المستقبل في الحقول التي تهم الأمة وترتبط بحاجاتها التنموية الحقيقية، وهي من أهم المؤسسات للقيام بالدراسات والبحوث المرتبطة بقضايا المجتمعات العربية الحالية والمستقبلية، وهي في طليعة المؤسسات المعنية بتجديد ثقافة الأمة لإخراجها من تخلفها الثقافي التاريخي، وهي المصدر الأهم لإعداد قوى عاملة رفيعة التدريب والقدرة على استعمال المعرفة في قيادة المؤسسات والشركات، وهي بالتالي أهم مؤسسة لبناء المستقبل.

فإذا سلمت تلك الحكومات وظيفة التعليم العالي ليقوم بها الخارج، فهل تضمن أن تقوم مؤسسات الخارج بتلك المهمات الجسيمة التي ذكرنا، وبالطريقة والمقدار والالتزام الذي يخدم مجتمعاتها وثقافتها ومستقبل أجيالها؟

نخلص إلى أن نطرح السؤال التالي: متى ستعقد قمة عربية تخصص لدراسة أوضاع التعليم العالي وأوضاع البحث في الوطن العربي، من خلال نظرة قومية تكاملية وتعاونية وتنسيقية فيما بين الجامعات العربية، ومن أجل إيقاف تسليم التعليم العالي للخارج؟

اليوم، والحكومات العربية ترى أمامها مقدار الدمار والفواجع التي نتجت عن تسليم حقول السياسة والاقتصاد والأمن إلى الخارج، هل ستتعلم الدرس بالنسبة لحقل التعليم؟

٭ د.علي محمد فخرو - مفكر وسياسي بحريني

المصدر | القدس العربي