الأحد 2 أغسطس 2015 03:08 ص

ورد في الأخبار مؤخرا من المملكة العربية السعودية أن الشرطة الدينية صورت فيلما وهي توجه اللوم إلى امرأة محجبة بشكل كامل لعدم ارتداء القفازات، وفتوى لرجل دين ضد النساء اللواتي يشاهدن مباريات كرة القدم لمنعهن من التحديق في أفخاذ الرجال، صدر حكم بحق امرأة بالجلد 70 جلدة بتهمة إهانة زوجها على تطبيق المحادثة الشهير المعروف باسم الواتس آب.

وفي الوقت نفسه، أصدرت وزارة التعليم السعودية إحصاءات تبين أن النساء يشكلن ما يقرب من 52%  من خريجي الجامعات داخل المملكة، في حين يدرس أكثر من أكثر من 35 ألف أنثى سعودية في الخارج في عام 2014. أكثر من النصف يخترن الدراسة في الولايات المتحدة، حيث يحضرن إلى قاعات جامعات مثل واشنطن دي سي وجامعة جورج تاون، وكلهن طموح. وفي المقابل، تجد هناك قمة التناقض، من حيث أن الأمة التي ترعى النساء للحصول على درجة الدكتوراه، وحتى في الخارج، لم تسمح لهن بعد بقيادة السيارات في بلدهن.

وفي الوقت الذي تعرف فيه المملكة العربية السعودية في الغرب، وفي أجزاء كثيرة من العالم العربي، باعتبارها واحدة من أكثر الدول قمعا في العالم تجاه المرأة، فإن هذا التناقض يوحي بأن الأمر بالغ التعقيد أكثر مما تبدو عليه الأمور. أحد التفسيرات للتعليم باعتباره نقطة مضيئة تغطي جزءا من سجل حقوق الإنسان المظلم هو القيمة العالية للعلم من الناحية التقليدية في كل من الثقافة الإسلامية والعربية. «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد» و «اطلبوا العلم ولو في أماكن بعيدة مثل الصين» هي من بين الأقوال التي تنسب إلى النبي وشائعة التداول.

لكن على الرغم من الأسس الدينية الراسخة، فإن تعليم المرأة في المملكة العربية السعودية ظاهرة جديدة نسبيا. في عام 1970، بلغت معدلات محو الأمية للنساء 2% فقط. وجاء الزخم لتوسيع تعليم المرأة في منتصف السبعينيات بعد الطفرة النفطية، مع القلق من أن الأعداد المتزايدة من الرجال السعوديين الذين يدرسون في الخارج يتزوجون الأجانب لتجنب الاضطرار لزوجات غير متعلمات. وبعد أربعة عقود، تفتخر المملكة العربية السعودية الآن بأنها أعلى معدل تعليم بين الإناث من حيث الإلمام بالقراءة والكتابة حيث بلغ النسبة  91% (مقابل 97% للرجال)، ويزعم المسؤولون السعوديون بأنه تم القضاء على الأمية بشكل كامل تقريبا بين الأجيال الشابة من النساء.

وقد استفاد الرجال في المملكة العربية السعودية طويلا من جداول وخطط الدراسة في الخارج، والتي أعدتها الحكومة، ولكن عندما جاء الملك «عبد الله» إلى السلطة في عام 2005، قال انه سينفذ برنامجا للمنح الدراسية في الخارج للمرة الأولى على النساء. ويقال إن النساء يشكلن 20% على الأقل من المستفيدين من المنح، ويشير النقاد إلى الحواجز بين النساء وبين البرنامج، كما الطالبات يُطلب منهن ليس فقط الحصول على إذن من أسرهم، ولكن أيضا وجود ولي الأمر أثناء دراستهم، وفي الممارسة العملية، يمكن لهذا أن يؤدي إلى أن طالبة تبلغ من العمر 30 عاما تعيش في الولايات المتحدة، بينما يرافقها شاب يبلغ من العمر 18 عاما «كولي أمرها». ويشير آخرون إلى أصول برنامج المنح الدراسية باعتباره مبادرة تبادل ثقافي في أعقاب الكشف عن أن غالبية الخاطفين عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانوا من السعودية.

أحد المعلقين البارزين، هي الكاتبة السعودية «مضاوي الرشيد»، ترى أن أعدادا متزايدة من النساء يتقدمن لمنح الدراسة في الخارج لمجرد الحصول على وظيفة «سفير»، لتكون المهمة المنوطة هي تغيير التصورات الغربية عن المرأة في السعودية، وبالتالي مهمة تخفيف الضغط بشأن تغيير حقيقي داخل المملكة. ومع ذلك، ربما يجادل كثيرون في موضوع التقدم الذي طرأ على تعليم المرأة في عهد الملك «عبد الله». وشملت الإنجازات البارزة الأخرى فتح أول جامعة مختلطة في السعودية، وجامعة الملك «عبد الله» للعلوم والتقنية، بالقرب من مدينة جدة الساحلية، في عام 2009، وأكبر جامعة للإناث فقط في العالم، وجامعة الأميرة «نورة بنت عبد الرحمن»، في العاصمة الأكثر تحفظا الرياض.

فهل تقود هذه المكاسب في عملية تعليم المرأة إلى تغيير أوسع نطاقا؟ إن أي اتجاه يطالب بتغيير موضع الشك المتعلق بالارتفاع في مستويات تعليم الإناث لا تتم ترجمته إلى المشاركة في القوى العاملة على نطاق واسع في المملكة العربية السعودية. وفي حين أن نفس الاتجاهات ملحوظة أيضا في عدد قليل من البلدان المتوسطة الدخل في المنطقة، مثل الأردن، فإن المملكة العربية السعودية في المرتبة الأدنى بين البلدان ذات الدخل المرتفع من حيث المشاركة الاقتصادية للإناث والفرص التي تتاح لهن. نسبة مشاركة القوى العاملة النسائية في المملكة يبلغ 20%، أي أقل من نصف العدد في الكويت المجاورة أو الإمارات العربية المتحدة. ولكن لا بد من القول أنه تم إحراز تقدم، فقد تضاعفت معدلات مشاركة المرأة ثلاثة أضعاف في الواقع على مدى العقود القليلة الماضية، ودخل النساء إلى أنواع جديدة من المهن، بدءًا من الرياضيين الأولمبيين إلى صرافي السوبر ماركت.

وفي الواقع فإن الناشطة السعودية «سمر فتاني» أثنت على الملك الراحل «عبد الله» بتوسيع فرص عمل المرأة خارج قطاعي التعليم والطب لتشمل مجالات مثل الخدمات المصرفية وتكنولوجيا المعلومات، والهندسة المعمارية والعلوم. وفي الشهر الماضي قالت وزارة العمل إن المرأة السعودية يمكنها أن تعمل كطاهية في فندق «طالما أن بيئة عملها خالية من الرجال».

وبوجه عام، لاحظت منظمات حقوق الإنسان أن جهود الحكومة لجلب المزيد من النساء إلى قوة العمل كانت في كثير من الأحيان غامضة، ولم ترق إلى مستوى الأهداف، أو تعثرت نتيجة ممارسات القوى المحافظة. المعركة الشرسة بين الحكومة والمتشددين من رجال الدين بشأن مسألة تبدو تافهة تتحدث عن ما إذا كان يمكن للمرأة أن تعمل كمساعد في متجر داخل محلات بيع الملابس الداخلية تظهر إلى أي مدى تستمر مثل هذه القضايا. وعلاوة على ذلك؛ ينبغي ألا يفترض أن جميع النساء السعوديات المتعلمات تعليما عاليا تردن العمل. ولكن كونها ربة بيت متعلمة نعيش أسلوب حياة مشروعة بشكل تام ومن اختيارها، تماما كما هو الحال في الغرب. ولكن بشكل عام هناك أدلة غير مؤكدة قوية تشير إلى أن الكثير من الخريجات السعوديات لا يردن المشاركة في القوى العاملة المدفوعة، ولكنهن يناضلن من أجل إيجاد فرص مطابقة لمؤهلاتهن.

إلى أي مدى ينبغي تشجيع صانعي السياسات للانخراط مع المملكة في مسألة تحسين سجلها المتعلق بمجال حقوق الإنسان من خلال التقدم الهائل في تعليم المرأة وفتح تدريجي لفرص العمل؟ هل سوف يتبع العاهل السعودي الجديد الملك «سلمان» ما فعله الملك الراحل في هذا المجال؟ تشير دلائل مبكرة إلى أن الزعيم السعودي الجديد لن يكون على نفس منوال سلفه فيما يتعلق بإصلاحات المرأة. ويواصل الملك «سلمان» المضي قدما بحذر في الحقوق الانتخابية للمرأة، في ظل ما هو مقرر من السماح للنساء بالتصويت للمرة الأولى في وقت لاحق من هذا العام، على الرغم من أن ذلك يشمل فقط  الانتخابات البلدية. كما تمت الإشارة إلى  تغييرات بخصوص رفع بعض القيود المفروضة على الحركة النسائية. ومع إطلاق حملة حكومية جديدة تسمى «جواز سفرك، هويتك» في جدة، قال المدير العام لمكتب الجوازات في المملكة إن القواعد المفروضة على النساء تحت سن الــ 45 تقضي بأن تبرز إذن ولي الأمر الذكر بخصوص سفرها، مع قواعد جديدة من المرجح أن تركز على سبب السفر بدلا من العمر.

وفي حين أن تفاصيل الإصلاحات القادمة غامضة، فإن حقيقة مراجعة حصول المرأة على إذن من وليها بالسفر هي خطوة هامة.

يشير العديد من المراقبين إلى أن الحكومة السعودية على ما يبدو أكثر تقدمية في القطاعات المتعلقة بالسكان في البلاد، وعلى هذا النحو فقد واجهت رد فعل قوي في بعض الأوساط بشأن سياساتها على عمل المرأة وتعليمها. لهذا السبب، فإن الملك «سلمان» من المرجح ألا يقلب أي إصلاحات للملك «عبد الل»ه، كما أنه من غير المرجح أن يقوم بتسريعها أيضا. وفي الوقت الذي تحوم فيه البطالة في أوساط الشباب السعودي فقط تحت 30٪، فإن هناك ضغط سياسي ثقيل على الحكومة للحفاظ على وصول الذكور إلى وظائف بدلا من تشجيع أعداد كبيرة من النساء للانضمام إلى القوى العاملة.

وفي نفس الوقت، تقف النساء للاستفادة من سياسة «السعودة»، وهو ما يعني أن الشركات العاملة في المملكة العربية السعودية من المتوقع على نحو متزايد أن تقوم بخطوات توظيف وتدريب للسكان المحليين بدلا من الاعتماد على العمالة الوافدة، وخاصة بالنسبة للمواقع التي تتطلب مهارات أعلى. وبالتالي هناك أسباب أخرى بجانب حقوق المرأة لتعزيز مشاركة القوى العاملة النسائية، مثل التنمية والاهتمامات التي تشغل الأمة، فضلا عن الطلب القوي بخصوص عمل المرأة السعودية في بعض القطاعات (على سبيل المثال، الزبائن من النساء يفضلون شراء الملابس الداخلية من محلات يعمل بها النساء بدلا من الوافدين الذكور). ولكن ما إذا كانت التحركات لتوظيف النساء مدفوعة باعتبارات طلب صاحب العمل أو حقوق الإنسان، فإن المعارضة المحافظة لدخول المرأة إلى سوق العمل لا تزال قوية.

إن التأثير على المجتمع السعودي من جيل جديد من النساء المتعلمات تعليما عاليا، الكثير منهن لم تذهب جداتهن إلى مدارس البتة، ما زال لم يشعر أحد به بعد. ويبدو التغيير التدريجي لا مفر منه. وكما أخبرني سعودي يدرس في واشنطن دي سي: «أعتقد أن المرأة أكثر طموحا في بلادنا من الرجال. لدينا الكثير من الاشياء للقيام بها ... لا يوجد لدينا العديد من الخيارات، وهكذا نريد فتح آفاق أخرى جديدة».

اقرأ أيضاً

المرأة السعودية في سوق العمل: ضحية القوانين التمييزية ونظام ولي الأمر

معضلة السعوديين: النساء في سوق العمل

«الوليد بن طلال» ينتقد عدم مشاركة المرأة السعودية في المسابقات الرياضية

«الشورى السعودي» يتهم «الخدمة المدنية» بظلم المرأة في التوظيف

حماية "الكنز الوطني" في الخليج: الصراع بين المعايير الاجتماعية وديناميكية المرأة الخليجية

المعلم الممتهن المثقف هو المدخل

مجلس الشورى السعودي يوافق على إجراء تعديلات لمواد الأحوال المدنية للمرأة

العمل السعودية: توصية بإنشاء مصانع «نسائية» وتعديل مواعيد الدوام

3851 امرأة بسجون المملكة بينهن 175 سعودية

التعليم السعودية: إنهاء الخدمة لمروجي الفكر المتطرف والفصل لمنتقدي سياسة الدولة

ارتفاع عدد المحاميات السعوديات إلى 67

محاكمة 26 امرأة بتهمة الإرهاب في السعودية

تعيين العالمة السعودية «حياة سندي» خبيرة أممية بالتنمية المستدامة

عولمة التعليم العالي العربي

«تغريد» و«عهود».. أول محاميتين سعوديتين بالحدود الشمالية

مركز الملك «سلمان» الاجتماعي يطلق مبادرة لتطوير قدرات المرأة السعودية

«الشورى» السعودي يطالب بتعيين «مفتيات»