الأحد 30 نوفمبر 2014 12:11 ص

«كلوديا جولدين» - الأستاذ في جامعة «هارفارد» - ليست مجرد خبيرة في مجال عمل المرأة، وإنما هي واحدة من أبرز خبراء الاقتصاد في الولايات المتحدة، وواحدة ممن أسهموا في استقلال المرأة في المجتمع الأمريكي. لذا كان من غير المعتاد أن تجد السيدة «جولدن» الآن ترتدي العباءة خلال تواجدها بالمملكة العربية السعودية؛ والسبب هو أنها تجتمع مع مسئولين حكوميين داخل فنادق فخمة لا توفر إلا مقاعد للرجال فقط، وتمنع النساء من استخدام حمامات السباحة الموجودة بها.

وكانت رحلتها جزء من جهد تقوم به مجموعة من أكاديميين بارزين قبلوا العمل على مشروع مع الحكومة السعودية لمساعدة النساء السعوديات على التغلب على العقبات التي تمنعهن من الحصول على وظيفة دون المساس بالاعتبارات الثقافية السعودية. وبالنسبة للأساتذة - النساء اللاتي أجرين أبحاثًا بشأن نضال المرأة للمضي قدمًا في قوة العمل الأمريكية - فإن الوضع أكثر من مجرد صدمة ثقافية، وهو يمثل فرصة لأخذ خطوة إلى الوراء في الوقت المناسب.

وقد ساعدت احتياطيات النفط في المملكة العربية السعودية على جعلها واحدة من أغنى الدول في منطقة الخليج. وفي الوقت نفسه، فإن الأمة الإسلامية تميل إلى الطابع المحافظ على المستوى الاجتماعي الذي يفرض مواقف وقيود معينة على النساء تشمل منعهم من القيادة.

السيدة «جولدن» - والتي كتبت أبحاثًا أكاديمية مثل «من القاع إلى القمة: تاريخ موجز لثورة هادئة حوّلت عمل المرأة» - تحوّل الآن تركيزها من أمة تمتلك أعلى معدلات النساء العاملات في العالم - الولايات المتحدة - إلى أخرى على النقيض تمامًا - المملكة العربية السعودية. وخلال هذا المشوار تحاول هي وآخرون فهم كيف يمكن للمرأة السعودية أن تتغلب على العوائق التي تحول دون عملها داخل السياق الثقافي للبلاد.

ووصفت «جولدين» رحلتها في السعودية بـ«الشاقة» مُضيفة: «أساعد كوكبًا آخر، لكن ليس لدي شيء أفعله تجاه ثقافاتهم. أنا أقبل تلك الثقافة». مُبينة أن حلولها ستكون في إطار التوافق مع تلك الثقافة وعدم المساس بثوابتها.

وتحدثت أيضًا عن المعاملة الطيبة التي لاقتها هي وزملائها في العاصمة الرياض، بالإضافة إلى سعادتها بلقاء وزير العمل السعودي وتناولهما عشاء عمل سويًا.

ويبلغ عدد سكان المملكة نحو 20 مليون مواطن يُضاف إليهم عدّة ملايين أجانب جاءوا للإقامة أو العمل. لكن عدد النساء العاملات كان حتى العام الماضي حوالي 680 ألف امرأة، أو أقل من 11% من عدد النساء، فيما يبلغ عدد الرجال العاملين نحو 4 ملايين سعودي، أو 60% منهم بحسب الأرقام الرسمية.

الوضع الافتراضي

ومن جانبها؛ قالت «مها طيبة» - مستشارة وزير العمل - إن الحكومة السعودية تأمل مضاعفة عدد النساء العاملات في غضون السنوات القليلة المقبلة. وتتضمن السياسات الرامية إلى تحقيق هذا الهدف فتح دور حضانة بالقرب من مواقع العمل، وتوفير فرص عمل للمرأة في قطاعات مثل الصحة والصناعات التحويلية وتكنولوجيا المعلومات. 

وتابعت «تنظر المرأة السعودية إلى البقاء في البيت على أنه الخيار الوحيد المتاح أمامها في السابق وفي الوقت الراهن. وتحرص برامجنا في الوزارة على تغيير خيار البقاء في البيت ليكون واحدًا من بين خيارات أخرى يمكن أن تحقق ما ترنوا إليه المرأة السعودية». (في الصورة: مها طيبة، مستشار وزارة العمل في المملكة العربية السعودية، قالت: النساء ينظرون إلى البقاء في المنزل باعتباره الوضع الافتراضي، نيويورك تايمز)

ووقّعت وزارة العمل السعودية اتفاقية مع كلية «كيندي» للإدارة الحكومية في جامعة «هارفارد» للعمل على زيادة فرص العمل للمرأة، ضمن مشروع أوسع يهدف إلى تشغيل الأيدي العاملة السعودية من الجنسين في بلد طال اعتماده على العمالة الأجنبية في القطاع الخاص بشكل رئيسي.

ومن جانبها؛ قالت «جينفر بيك» - أستاذة الاقتصاد في كلية «سوارثمور» الأمريكية التي تعمل مع كلية «كيندي» ضمن هذا المشروع - إنه «مشروع لم يسبق له مثيل في الكم والكيف والطموح».

تلك الجهود التي من شأنها خلق فرص عمل للمرأة السعودية سيكون لها آثار قوية على المجتمع السعودي حيث من المتوقع أن يزداد الجدل بين العناصر التقليدية للمملكة. لكن «باتريشيا كورتس» - أستاذة السياسة العامة والقانون في جامعة «بوسطن» وعضو فريق الأكاديميين الأمريكيين - رأت أنه في حال انضمام الكثير من النساء لسوق العمل فإن المواقف السائدة عن المرأة يمكن أن تتغير تدريجيًا، مثلما حدث في الولايات المتحدة قبل عقود عندما بدأت النساء يتوجهن إلى العمل بأعداد كبيرة. وأضافت «كورتس»: «التغييرات التي حدثت في سوق العمل الأمريكية أحدثت تغييرات في المعايير أو المعتقدات».

خبرة سوق العمل

وتُظهر الأرقام أن نحو ثلث من تخرجن من الجامعات ويحملن درجة الماجستير يتحدثن عن عدم تمكنهن من إيجاد فرصة عمل مناسبة، وأن الكثير من السعوديات المتعلمات وصلن لحالة من الإحباط لأنهن لا يقدرن على توظيف المعرفة والمهارات التي اكتسبنها من دراستهن في العمل.

وعلّق «ستيفن هرتوج» - أستاذ السياسة المقارنة في كلية لندن للاقتصاد والذي يعمل مع كلية «كيندي ضمن المشروع السعودي - إن المرأة السعودية «أفضل تعليمًا من الرجل، ولكنها تفتقر إلى الخبرة في سوق العمل، ولا تعرف كيف تتحرك للحصول على وظيفة».

وعن طبيعة المشروع قالت «روهيني باندي» - الاقتصادية بكلية «كيندي والتي تتولى قيادة المشروع – إن وزارة العمل السعودية وكلية «كيندي» للإدارة الحكومية يعكفان على تحليل البيانات الخاصة بسوق العمل السعودية للتوصل إلى حلول تضع المرأة المناسبة في الوظيفة المناسبة.

ويضم المشروع بين أفراد طاقمه «ماريان برتراند» الخبيرة الاقتصادية بجامعة «شيكاغو». ويُعد هذا المشروع استثنائيًا لباحثين مثل السيدة «جولدين» وغيرها من زملائها الذين قضوا حياتهم العملية يسعون إلى العودة بالتاريخ للوراء لإحداث نوعٍ من التغيير؛ حيث تقول «جولدين»: «أنا لا أتعامل مع شيء في الوقت الراهن، لكني أتعامل مع أشياء من عقود مضت. نحن في الولايات المتحدة لدينا هذه الإجابات في المسح السكاني الحالي للإحصاء الرسمي».

أصداء الصراعات الاقتصادية والسياسية الأمريكية واضحة في عمل الباحثين الذين يعملون على المشروع. على سبيل المثال فإن السيدة «جولدين» وشركائها في البحث يعملون على كيفية تقييم خطة الحكومة لتوظيف المزيد من النساء السعوديات في وظائف البيع بالتجزئة في المتاجر التي تبيع الملابس الداخلية والعطور والملابس النسائية. وهذا بمثابة تحدي بالغ التعقيد.

بعض النساء في المملكة العربية السعودية عازفات عن قبول هذا العمل الذي يُنظر إليه على أنه من الوظائف المخصصة للأجانب. ولكن المشكلة الأكبر تكمن في الحصول على العمل أو الخروج له.

ووضع مسئولون سعوديون برنامجًا تجريبيًا  لدعم تكاليف نقل سيارات الأجرة للنساء اللاتي يحصلن على وظائف جديدة في مراكز التسوق في الرياض على أمل تعميمه لاحقًا لزيادة عدد السعوديات المنضمات لسوق العمل، ولكن تكلفة توسيع هذا البرنامج يمكن أن تكون مكلفة جدًا حيث إن المسئولين الحكوميين ربما أيضًا يُنشئون نظام نقل عام.

وعلقت «جولدين»: «هذا يعيدنا إلى الفصل الذي كان في الجنوب».

وقام بضع عشرات من النساء العام الماضي بتشغيل السيارات في الأماكن العامة في الرياض، وهي الخطوة التي تم الاحتفال بها في أكتوبر/تشرين الأول بالتزامن مع تظاهرات سنوية وحملة على وسائل التواصل الاجتماعية.

وتقول السيدة «جولدن» إنها معتادة على إطلاق برامج منفصلة تحظى بالموضوعية ومألوفة في الأوساط الأكاديمية، ولكن العمل على المرأة السعودية يقع على حدود «النضال» في إشارة إلى عمل الناشطين، وهي الفكرة التي تحتاج السعودية أن تتصالح معها.

واختتمت «جولدن» كلامها «يمكن أن يُنظر إلى هذا الأمر على هذا النحو، لكن لم يكن لدينا تفاعلات مع النساء اللاتي يريدن وظائف، فقط مع الناس الذين جاءوا إلى هنا من بقاع شتى أو أعضاء في الحكومة. وبقدر ما هو دور ناشط، إلا أن الوضع هنا يبدوا غريبًا».

 

المصدر | ديون سيرسينوف، نيويورك تايمز