الاثنين 20 أكتوبر 2014 03:10 ص

وصلنا الحدود وسلمنا أربعة جوازات سفر – بلغاري وأمريكي وأردني وبحريني – وبادَرَنا الشرطي بالسؤال: «من البحرينيُ معكم في السيارة»؟ أجبتُ: «إنه أنا»، ولوحتُ له بيدي من المقعد الخلفي. كنتُ أرتدي قبعة مسطّحة وقميصًا خفيفًا بدون أكمامٍ، ولم يكن شعري مُرتّبًا. ابتعد الشُرطي حاملاً جوازات سفرنا، واصطنعت ابتسامة وأنا أقول: «يبدوا أنّي سأحصل على معاملة خاصة كوني من دول مجلس التعاون الخليجي».

عاد الشرطي أدراجه وقال: «هل من الممكن أن أتحدث إلى المرأة البحرينية؟» عندها صار لدي اقتناع أنه سيطلب مني العودة سريعًا وبمفردي، تحركت للأمام ليتمكن من رؤيتي وقلت له مرحبًا. بادرني بسؤالٍ: «من أنتِ»؛ وهو الأمر الذي أصابني بالدهشة حيث أن الجواز في يده، فقابلته بسؤال: «معذرة؛ ماذا تعني؟» ثم أجبت: «اسمي روان وأعمل في دُبيّ..وجواز سفري بيدك!».

عاد ليتساءل: «حقًا؛ أنا أقصد سؤالي بمعناه: من أنتِ؟ وما هو عملك في دُبي؟ وبصفتك امرأة من مجلس التعاون الخليجي فما الذي تحاولين القيام به بعبور هذه الحدود؟».

سريعًا بدأت أتغلب على دهشتي، وأجبت عليه واثقةً بكلمات تبدد أي غموض. أوضحت له أني كنت في جولة مع زملائي وأصدقائي. نحن في العقد الثالث من أعمارنا، ونعمل في دُبي، وقررنا الذهاب خلال عُطلة نهاية الأسبوع في جولة إلى سلطنة عُمان.

وعاد ليتساءل بنبرة قوية حملت معنى السخرية:«من أين جئتم؟»، أجبتُ عليه: «تعني الآن؟ لقد جئنا بسيارتنا من دُبي»، ويبدوا أنّ رباطة جأشي أمامه قهرت ازدراءه الذي كان في طيّات أسئلته ما جعله يقول بعصبية وكأنه يشمت فينا: «حسنًا..أديروا سيارتكم وعودوا أدراجكم إلى حيث أتيتم، وبالنسبة للمرأة الخليجية لن أستطيع أن أسمح لها بالمرور عبر الحدود بدون أوراق من محرمٍ ذكرٍ تسمح لها بالمرور. هذا هو القانون».

استجمعت هدوئي سريعًا، واستعادت اتزاني بعد هذه الصدمة، وناقشته بأنه ليس القانون، ولمحتُ السخرية تتزايد في عينيه مع كل كلمة تخرج من لساني. ذكرتُ له أنه سمح لصديقة سعودية تسافر ضمن مجموعتنا بالمرور على الرغم من أنها قدمت جواز سفرها السعودي في الوقت الذي تحمل آخرًا أمريكيًا؛ وذلك منذ أن حصلت على تأشيرة تسمح لها حرية التنقل بين دول مجلس التعاون.

ردّه كان سريعًا وبأسلوب أكثر سخطًا. «حسنًا؛ ربما لم تكن في سيارة مملوءةٍ بالرجال؟ أنتِ واحدة منّا .. خليجية.. لا يمكنني أن أسمح لك بالمرور. لماذا لا يوجد غيرك سيدة في السيارة؟» كان استياؤه «أني واحدة منهم» وطلب منّا ثانيةً أن نعود من حيث أتينا.

انتظرنا على جانب لنفتح طريقًا لعبور السيارات خلفنا. أخبرت أصدقائي أني سأنزل من السيارة وأذهب للحديث معه. خلعتُ قبعة رأسي، ورتبتُ شعري، وأغلقت أزرار سترتي على الرغم من حرارة الشمس المتوهجة. وخلال سيري لمسافة طويلة صوب الحدود عقدت العزم على أن أبقى هادئةً وودودة مهما كانت كلماته، وقلت لنفسي أن هذا الشرطي تعلّم ”حماية“ النساء اللاتي أنا منهن. كنتُ أرتب الأفكار في رأسي لأتحدث إليه أنّي لست بحاجة لحماية، ولم أُدرك أني المرأة الوحيدة في سيارة جميع ركابها من الرجال حتى لفت هو نظري للأمر. أليس ما أراده هو حمايتي؟ أنا سأحاول أن أقنعه أني كنت آمنة، وأسيطر على الوضع، سأطمئنه وأؤكد له.

بدأت: «مرحبًا..معذرة..تحياتي»، أجاب: «نعم؟ أعتقد أني طلبت منك المغادرة».

«أردتُ فقط ان أستسفر منك ع القانون الذي أشرت إليه. لم أسمع عن قانون يطالب بأوراقٍ من محرمٍ لكي أُسافر إلا إذا كنت مُتجهة إلى السعودية. أسافرُ كثيرًا للعمل داخل دول مجلس التعاون الخليجي ولم يُطلب ذلك مني قطّ»؛ هكذا كانت الكلمات ردًا عليه.

عاد ليطلب مني جواز سفري للمرة الثانية، فتحه وقرأه، وعاد ليتهكم ثانية: «لماذا كل هذه الأختام في جواز سفرك»؟ أجبته: «أسافر للعمل. أنا أعمل كمستشارة، وبعض عملائنا بالخارج. وأسافر أيضًا للتدريب الوظيفي والدراسة». سألني وابتسامته الساخرة التي وصلت ذروتها في ضحكة مكتومة تكشف أسنانه: «وهل (تستشيري) الرجال الذين معكي بالسيارة» فأجبته: «لا، هم زملائي».

وبعد أربع ساعاتٍ تالية قضيناها – لم تتوقف السخرية من مراقبة الحدود وتسلية المارّة والفضول والأوامر المعتاد حتى تخرج من خط مراقبة الحدود – وصلنا إلى مقصدنا في ثلاث دقائق.

في الخليج؛ وبشكلٍ خطيرٍ وضعوا المرأة الخليجية على قمة هرم لا يُمكن الوصول إليه. والخطورة تكمن في هذه العقلية التي وضعتها في هذه المكانة؛ لأن النساء من السهل في أوقات كثيرة سحبهنّ إلى قاع الهرم بواسطة مفاهيم الأبوة؛ بمعنى أن كل رجلٍ – في أي لحظة – قد يتقمص دور الأب ويتحدث عن الخزي والعار.

 الرجل الخليجي يتعلم كيف يُكرمُ المرأة ويحافظ على دعائم التحيّز الجنسي السويّ (في إشارة إلى العلاقة الجنسية الشرعية). المرأة الخليجية تتعلم كيف تبدو جميلة وبعيدة المنال وقوية لكن صامتة. ربما تجلس أمام الناس وتتفادى عيون الرجال وتشاهد ما يقوله الناس عنك لأنك لا تريد أن تُسحب بعيدًا عن قمة الهرم أو تنزل لمستوى أقل. المرأة في دول مجلس التعاون الخليجي – حتى مع القوانين التي تسمح لها بنفس حقوق الرجل الخليجي – ليس عندها بنية أساسية اجتماعية لتجني مزايا مُتساوية من القوانين التي تسمح لها بالسفر والدراسة والعمل.

لا أطالب الرجال والنساء الخليجيين أن يعانقوا ”الحداثة“، أو يمزقن حجابهن على الملأ في غضب، أو يتحدثن بصوت عالٍ، أو يكشفن عن أجسادهن. أرفض تغذية فكرة المرأة الخليجية المضطهدة، وأرفض تجاهل الحب والاحترام للنساء المحتشمات في مجتمعهن، وأرفض إنكار دعائم الشفقة والقوة والجمال والكرامة والروحانية التي تجسّدها. الحالة الاجتماعية-الدينية ظلت مصدرًا طويلاً من العزة للعديد من النساء الخليجيات.

وأنا أيضًا لا أساهم في وضع المرأة الخليجية على قمة الهرم الاجتماعي – حيث تجمع في آن واحد بين تركيز الأنظار عليها والتوقير من جانب والاستياء منها بسبب أي فعل في جانبٍ آخر – وهو ما يُعدّ تخلُّفًا. هذا النوع من التمكين الذي تحتاجه المرأة الخليجية هو تطوير المعايير الاجتماعية لاستكمال التوسع في المساحات الاقتصادية والاجتماعية التي اكتسبتها.

وفي النهاية؛ فإن قبول المجتمع الخليجي لهوية المرأة الخليجية القائمة حاليًا والمزايا الراهنة بمثابة حسمٍ لنجاح القوانين السياسة والاقتصادية التي تعطيها الفرصة لتقود سيارتها بنفسها وتعمل وتترشح للبرلمان. دعنا لا نرتكن على دراسات هارفارد ومناقشات المنتدى الاقتصادي العالمي التي تخبرنا أننا نخطو خطوات جادة تقربنا من المعايير القانونية الغربية للمرأة. (بقية العالم ينظر إلينا نظرة أقل من ذلك).

نحن بحاجة لتفقد نظامنا الاجتماعي الخاص، والتعرف على الفجوات التي تمنع المرأة من تحقيق حياة سعيدة وشاملة، وكسر استياء النساء أصحاب الإرادة، ووضع إطارات قانونية للنساء ليبدأن هزيمة الهرمية المجتمعية. في الوقت الذي تبدأ فيه الإطارات القانونية أخذ مسارها الصحيح، مع النساء اللاتي يشكلن حوالي 40-45% من القوة العاملة وحوالي 10% من مقاعد البرلمان في أكثر مناطق دول مجلس التعاون ليبرالية – مثل الكويت والبحرين – فإن النساء البحرينيات حصلن على الحق في الاحتفاظ بجنسيتهن في حالة إنجاب أطفال من أزواج لا يحملون الجنسية البحرينية، وأصبحت هنادي الهندي أول طيار سعودي، ويبقى القول أن نقص العدالة الاجتماعية للمرأة يبقى عائقًا.

العديد من التجارب مع النقطة الحدودية الإماراتية التي ذكرتها كانت شخصية – عشتُها بنفسي – وهي أبعد ما تكون عن حدث فردي؛ فلا يوجد نظام اجتماعي يسمح بممارسة الأبوية التعسفية تجاه المرأة. نحن بحاجة لمعرفة أنها ليس فقط من حق المرأة أن تعبر الحدود قانونًا لكن أيضًا التمييز على أساس الجنس بشكلٍ عشوائي مستترًا بنقاشات فاشية بدعوى الحماية على الحدود هو أمرٌ غير قانوني.

بصفتنا خليجيين؛ فإننا بحاجة لمعرفة تتضمن الحقوق الجوهرية للمرأة الخليجية الباحثة عن السعادة، ويجب أن ندافع عن وكالتها الاجتماعية. حق المرأة الخليجية في حياة تحددها إرادتها هو أمر سرقه الترقب الاجتماعي للحفاظ عليها باعتبارها كنز – عندما تختار أن تُغطي رأسها أو تحوّل بصرها فيتعين ألا يكون بسبب خوفٍ من فقدان سمعتها الطيبة، لكن لتقدير شخصي للاحتشام وسخرية من تفاهة دنيوية. بوضع المرأة الخليجية في غير موضعها كـ”كنزٍ وطني“ فإننا نمنحها ”الامتيازات“ التي تقول حكوماتنا إنها تنفذها على الورق.

اقرأ أيضاً

«رايتس ووتش» تستنكر تهميش المرأة السعودية في المجالات الرياضية

السعودية تعديل شروط التعرف على المرأة عند تقدمها لطلب «الهوية»

الشورى السعودي يحذف مادة حقوق المرأة من الخطة الوطنية

أميرات أم فقيرات .. الطريق الطويل لحقوق المرأة السعودية

حكومة الكويت: لا يوجد مانع من تولي المرأة منصب القضاء

ثروة سيدات الأعمال القطريات ترتفع إلى 10 مليار دولار بنهاية العام

وزير الاقتصاد الإماراتي: الإمارات الأولى عالميا في احترام المرأة

وظائف نسائية في «السجون» السعودية براتب 3 آلاف ريال .. وقرارت وزارية تدعم عمل المرأة عن بعد

الحياة والمرح .. والتغيير البطيء في السعودية

الانتخابات البلدية السعودية: قيد الناخبات وتسجيل المرشحات في مراكز نسائية مستقلة

التعليم: هل هو المفتاح لتمكين المرأة في المملكة العربية السعودية؟

«بلومبرج»: السعوديات تغزون سوق العمل بأعداد قياسية.. والفضل للملك «عبدالله»

«بلدي»: تجربة وطنية رائدة

سهيلة زين العابدين حماد: المواطَنة الكاملة للسعوديات

المصدر | روان ماكي، هافينغتون بوست