السبت 4 يونيو 2016 02:06 ص

هو ليس موسما للطعام، ولكن موائد الطعام باتت جزءا أساسيا ومكونا رئيسيا لأجواء الشهر الكريم في الدول العربية.

وعلى الرغم من أن وجبتي السحور والإفطار مقدستان عند العرب، إلا أن طبيعة الطعام المقدم في الوجبتين يختلف بين منطقة وأخرى.

فمصر تختلف على جاراتها العليا السودان ودول أفريقا، كما تختلف عن جيرانها من الغرب من دول شمال أفريقيا، وتختلف ثالثة عن دول الشمال التي تحدها مع قطاع غزة.

في هذا التقرير.. نستعرض طقوس الطعام في رمضان في الدول العربية المختلفة:

مصر

البداية مع مصر، والذي يبقى بها «الفول المدمس»، هو سر وجبة السحور، حيث يقال عنه في الأوساط الشعبية إنه «مسمار البطن»، بمعنى أنه قادر على سد الجوع، وإعطائك الطاقة اللازمة أثناء الصيام.

وينتشر باعة الفول في كل مكان، بصوتهم المميّز الذي يحث الناس على الشراء قائلين: «إن خلص الفول.. أنا مش مسؤول».

والمائدة الرمضانية، دائما ما تكون غنية جدا ومتنوعة، حيث يبدأ الناس بالإفطار بالتمر والرطب، مع شرب اللبن وقمر الدين والخروب ومشروب «الخشاف»، وقد يحلو للبعض أن يشرب العصائر الطازجة كالبرتقال أو المانجو أو الشمام.

كما لا تخلو مقدمة الطعام من مشروبين أساسيين هما «العرقسوس»، و«التمر الهندي». 

أما مائدة الطعام، فتكون غالبا من أكثر من صنف، الملوخية والشوربة والخضار المشكلة، والمكرونة بالبشاميل والمحاشي، والدجاج المشوي أو بعض المشويات كالكباب والكفتة.

وتتنافس النساء مع بعضهن في تحضير الإفطار، وتبادل العزومات والولائم مع الأهل والأقارب. 

كما أن كثير من الموائد المصرية يزينها المعجنات طوال شهر رمضان، وبخاصة البيتزا وبعض المعكرونات بأنواعها، سواء كانت العادية أو البشمل، والبطاطس على اعتبارها طبق يقدم بجوار هذه المعجنات.

كما أن الكثيرات يحبذن أكل بعض الطيور بعينها، مثل: البط والأوز، والحمام والأسماك؛ ولذلك تنشغل مائدة الطعام في بعض الأيام في رمضان بمثل هذه الطيور.

وبعد الانتهاء من الإفطار، تبقى الحلويات المميزة أساسية في رمضان، كالكنافة والقطايف والبقلاوة، والمهلّبية، وأم علي، وبلح الشام.

واستمرت الكنافة، سلطانة متوجة على عرش أطعمة شهر رمضان يحبها الصغار والكبار والرجال والنساء والفقراء والأغنياء.

المغرب العربي

وإلى الغرب، نجد أن لأهل المغرب العربي، عادات غذائية خاصة، حافظوا عليها لقرون وجعلوا من استحضارها خلال رمضان، تكريما لهذا الشهر، وشكلا من أشكال التعبير عن تعظيهم لهذه المناسبة الدينية.

فعلى الرغم من شهرة المطبخ المغربي بأكلات رمضانية مميزة كحلوى «الشباكية» التي تعد خصيصا في رمضان، و«البريوات» المعروفة في الشرق الأوسط باسم «السمبوسة»، وحساء «الحريرة» التي لا بد للصائمين أن يستفتحوا بها إفطارهم، إلا أن لكل منطقة أسلوبها المتفرد في إعداد هذه الأطباق، وإيقاعها الفريد الذي تجزي أحيائها وأسواقها على وقعه ساعات يوم الصوم، وسمر ما بعد الإفطار.

و«الشباكية»، تصنع بعجينة «تشبك» قطعها بطريقة خاصة وتقلى بالزيت لتغمر بعدها في العسل وتعد إحدى أشهر أطباق رمضان التي يتناول المغاربة مع حساء «الحريرة» الذي يتألف من الحمص والعدس والبقدونس والطماطم، فيما يعد «البريوات»، نوع من الحلويات محشية باللوز وفي بعض الأحيان بصلصة سمك أو دجاج. 

كما أنه من أشهر أكلات المغرب العربي، حلوى «المخرقة»، التي يجري إعدادها خصيصا في رمضان، و«البغرير» وهو نفسه «القطايف» لكن بحجم أكبر، ولا يتم حشوه، بل يكتفي أهل المغرب لعربي بصب قليل من الزبدة والعسل عليه، فضلا عن «المسمن»، ويقابله «الفطير المشلتت» بمصر.

فيما لا تزال حلوى «الزلابيا» الأكثر شهرة على موائد السمر الرمضاني، لدى العائلات التونسية لأصالتها، وتجذرها في عمق العادات الغذائية.

كما يحتفظ الأمازيغ، في الصحراء الأفريقية الممتمدة من مصر وحتى موريتانيا، بأكلاتهم الشعبية، خلال شهر رمضان، فلا تجد يوما على موائد الإفطار ويخلو من حساء «أسكنار» (الذرة)، وحساء «تبركوكسين» (مزيج من الشعير والدجاج)، ويتم إعدادها من غلال محلية، تطهى فوق نار الحطب أو الفحم، ويضاف إليها زيت الأركان أو زيت الزيتون، كما يحضر «تزارت إقورن» (التين المجفف)، مائدة الإفطار أيضًا، بشكل دائم.

كما أن خبز «أغروم نتادونت»، المحشو، فهو ضيف دائم على الموائد، أما التمر فلا يشترى في الغالب، وإنما يعطى مجانا في هذا الشهر لمن لا يملكون نخيلا.

وفي ليلة السابع والعشرين من رمضان، يقتني الأمازيغ بكثرة الدجاج، ويعدون، في المدن والحواضر، وجبات تتنوع ما بين «تقسريت» (الدجاج بالطاجين أو بالكسكس البلدي) كالتي تعد خلال حفلات أعراسهم، وغالبا ما تكون الوجبة مرفوقة بـ«بوفكوس» (التين الأسود المجفف) والبيض البلدي والسمن البلدي وبعض الخضر.

الشام

المطبخ الشامي، متفرد بين المطابخ العربية، حيث تحرص سيّدة المنزل على تلوين مائدتها الرمضانية، بصنوفٍ شتى، من مفردات المطبخ، وفقاً لما هو متاح، والتي ربما باتت أكثر تأقلماً مع المستجدات الاقتصادية.

أما قائمة الأطعمة على مائدة الإفطار، فتتراوح بين أكثر المأكولات شعبيةً، وفخامةً، بدءاً من المقبلات والعصائر، مروراً بالطبق الرئيسي، ووصولاً إلى حلويات رمضان.

ومن بين خمسة عشر نوعاً على الأقل من أنواع المقبلات الأكثر تداولاً في المطبخ الشامي، يعتبر طبق الفول (بالحمض والثوم، أو الطحينة) من الأصناف التي تفتتح مائدة الإفطار، بالتناوب مع نوعٍ من أنواع الفتّات التقليدية، وأكثرها شهرة في «التسقية»، وهي فتّة الحمص بالسمنة، أو بالزيت.

أما أنواع الحساء، فأكثرها شعبيةً في الشام، شوربة «العدس» (المطبوخة من العدس المقشور، ومرق اللحم، أو العظام)، وعادة ما يتم تناولها بصورة أساسية مع «دراويش» الكبّة المقلية، إلا أن حضور الشوربة يتراجع في شهر رمضان خلال فصل الصيف، لصالح العصائر، وما أكثر أنواعها.

وما زال «العرقسوس» بشعبيته لدى الشاميين، يليه منقوع «التمر الهندي» مع ماء الورد، و«قمر الدين» (رقائق المشمش المجفف)، والليمون بالنعناع. 

ويزيد تنوع قائمة الأطباق الرئيسية، وتحضر المحاشي بأنواعها على المائدة الرمضانية، وخصوصاً الكوسا، والباذنجان، وورق العنب المعروف بـ«اليبرق»، والملوخية (بالدجاج أو اللحم)، وأنواع من الطعام شديدة الخصوصية بالشام، كـ«الكواج» (الذي يتألف من البطاطا المقطعة، مع الكوسا والباذنجان، والطماطم واللحم المفروم)، ويمكن أن يتغير اسم الأكلة إلى «الطبّاخ روحه» (إذا أضيف إليها الثوم والنعنع، وقطع اللحم الكبيرة، وتتغير في هذه الحالة طريقة الطهي أيضاً.) 

وهناك أيضاً أنواع من الطعام التي تطبخ باللبن الرائب، مثل «الشاكرية» (لحم الخروف المسلوق، يخلط مرقه مع اللبن، على النار، وتضاف إليه قطع اللحم)، و«الكوسا بلبن» (كوسا محشي باللحم المفروم، يقلى بالزيت، ثم يطبخ مع اللبن)، و«الكبّة اللبنانية» الشهيرة (دراويش كبّة صغيرة، تطبخ باللبن)، و«الشيش برك» (عجين محشي باللحم المفروم، يشكّل على شكل قبّعات صغيرة أو أصداف، يتم طبخها باللبن).

وتتسع قائمة الأطباق الرئيسية في رمضان على امتداد الشهر الفضيل، لتشمل أيضاً «الفريكة» بالدجاج أو اللحم (وهي نوع من القمح المشوي، المطبوخ بمرق اللحم، أو الدجاج)، والأرز بالفول، أو البازيلاء.

وتعتبر «الأوزي» من بدائع ابتكارات المطبخ الشامي، (وهي عبارة عن صرر من رقائق العجين، يتم حشوها بالأرز المطبوخ مع البازلاء، وقطع اللحم، وتشوى في الفرن).

وعندما يحين وقت التحلية، ثمّة أنواعٌ خاصة من الحلويات الرمضانية، ومن بينها رقائق من العجين على شكل أرغفة خبر، تقلى بالزيت وتحلى بدبس العنب، أو التمر، وتسمى هذه الرقائق بـ«الناعم»، ويضرب فيها المثل بهشاشتها، وعادة ما يكون بيعها في الأسواق مصحوباً مع نداءات الباعة: «وقعت ولا رماك الهوى يا ناعم».

أما «المعروك» أيضاً، فيعتبر من بين أحد أشهر أنواع الحلوى الرمضانية، وهو عبارة عن خبز حلو، قد يكون محشواً بالزبيب وجوز الهند، أو التمر، أو الشوكولا.

وللقشطة النصيب الأكبر من الحلويات الشعبية الرمضانية في الشام، ومن بينها «النموّرة»: (وهي رقائق البقلاوة المحشية بالقشطة)، و«النهش» (رقائق عجين البقلاوة، تخبز على شكل أرغفة، وتحشى بالقشطة الباردة)، وهناك أيضاً «الغريبة بالقشطة».

السودان ودول أفريقيا

وفي جنوب الوطن العربي، حيث السودان والصومال، مع آذان المغرب اعتاد الصائمون على شرب «الآبريه» ويُعرف منه (الحلو والمر)، وهو شراب يروي الظمآن، ويقضي على العطش الذي تسببه تلك المناطق المرتفعة الحرارة.

و«الآبريه» كما يصفه أهل تلك البلاد، عبارة عن ذرة تنقع بالماء حتى تنبت جذورها، ثم تُعرَّض لأشعة الشمس حتى تجفَّ، ثم تطحن مع البهارات، وتعجن وتوضع على هيئة طبقات في الفرن حتى تنضج.

ويستعد الناس عادة لتحضير هذا الشراب قبل رمضان بأشهر، فإذا جاء الشهر الفضيل تقوم النساء بنقع «الآبريه» بالماء فترة حتى يصبح لونه أحمر، ويفطر عليه الصائمون، فيشعرون بالري والارتواء بعد العطش والظمأ طوال النهار.

ومن الأشربة المشهورة، شراب يُصنع من رقائق دقيق الذرة البيضاء، حيث تطهى على ‏النار، ويُعمل منها مشروب أبيض يُعرف بـ«الآبري الأبيض»، له خاصية الإرواء والإشباع، إضافة إلى شراب ‏المانجو، والبرتقال، والكركدي، ‏وقمر الدين، ونحو ذلك. 

أما المائدة الرمضانية، فتتم على بسط من سعف النخيل مستطيلة الشكل، يصطف الناس حولها صفين متواجهين.

ويبدأ الإفطار بتناول التمر ثم «البليلة»، وهي عبارة عن الحِمّص المخلوط مع أنواع أخرى من البقول المسلوقة، ومضاف إليها التمر. وهو طعام لا غنى عنه عند الفطور.

ثم يتبع ذلك تناول عصير الليمون، إذا كان الجو حارًا، أو الشوربة، إذا كان الجو بارداً.

وتلي ذلك الوجبات العادية، وأشهرها «الويكة»، وهي نوع من البامية، مع العصيدة، وهناك أيضًا طعام يسمى ملاح الروب، وهو عبارة عن لبن رائب ممزوج بقليل من الفول السوداني، وطعام يسمى «القرَّاصة».

ويُعدُّ طبق «العصيدة»، من الوجبات التقليدية، ويتكون ‏من خليط عجين الذرة المطهي، ويؤكل مع طبيخ «التقلية»، ذات اللون الأحمر، ومكوناته ‏تتألف من «البامية»، الجافة المطحونة وتسمى «الويكة» مع اللحمة المفرومة.

وبعد تناول طعام الإفطار، يحتسي الصائمون شراب الشاي والقهوة.