الاثنين 6 يونيو 2016 11:06 م

الاقتصاد السعودي هو الأكبر والأهم عربياً، وهو واحد من بين أضخم 20 اقتصاداً في العالم، فضلاً عن أن السعودية تتربع على عرش أكبر منتجي النفط في العالم، ولذلك فإن أي حركة يشهدها اقتصاد المملكة أو تجري فيه تنطوي دوماً على أهمية استثنائية، سواء بالنسبة للعرب أو العالم، فيما تأتي «رؤية السعودية 2030» التي تم تبنيها مؤخراً لتكون واحدة من بين أهم محطات التحول الاقتصادي في تاريخ السعودية.

الخطة التي تبنتها السعودية قبل أسابيع تعتبر مشروعاً طموحاً يهدف لصناعة اقتصاد طبيعي يمثل النفطُ جزءاً منه فقط، وليس اقتصادا يقوم على النفط بشكل كامل، يصعد بصعوده ويهوي بهبوطه، لكن الرهان خلال السنوات المقبلة يظل على تنفيذ الخطة والقدرة على تحويلها من بنود على الورق إلى ثقافة مجتمع، خاصة وأننا نتحدث عن مجتمع اعتاد طيلة السنوات الماضية أن يعتمد على المعونات والمساعدات الحكومية والسلع المدعومة ويتعامل مع الدولة على أنها بمقام الأم والأب. 

من يقرأ البيانات والأرقام الاقتصادية المتعلقة بالسعودية يُدرك بأن التغيير حاجة ملحة، وأن ما كان يصلح في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لا يمكن أن يظل صالحاً للعقود المقبلة، ولذلك فالسعودية مقبلة على ثورة اقتصادية ضرورية لا غنى عنها ولا مناص.

في السعودية يوجد اليوم 11 مليون شخص يعمل، بينهم مليون سيدة فقط، و4 ملايين مواطن سعودي، و6 ملايين عامل وافد من الخارج، وخلال 15 عاماً فقط سيكون المجتمع السعودي قد أنتج 4.5 ملايين مواطن مؤهل وجاهز لدخول سوق العمل، أي أن إمكانات المملكة من الأيدي العاملة المؤهلة ستتضاعف تماماً خلال عقد ونصف العقد من الزمان فقط، وهؤلاء يمكن أن يصطفوا في طوابير البطالة إذا لم يتغير الاقتصاد السعودي شكلاً ومضموناً، وإذا لم يشهد تحولاً هيكلياً وثورياً وجذرياً.

يعود الفضل في هذه التوقعات إلى موجة الإقبال على التعليم والتأهيل في السعودية، حيث أصبحت الجاليات السعودية هي الأكبر في الجامعات الأجنبية، أما الجامعات المحلية فتستقطب هي الأخرى أعداداً كبيرة من الطلاب والطالبات، في الوقت الذي تعتبر فيه السعودية مجتمعا فتيا منتجا، أغلبه من الشباب.

وبينما تتأهب السعودية لقدوم جيش من العاملين المؤهلين وطالبي الوظائف خلال السنوات المقبلة، فإن أسواق النفط والطاقة العالمية تشهد هي الأخرى تحولات إستراتيجية لا تصب في صالح منتجي النفط، فالولايات المتحدة (أكبر مستهلكي النفط في العالم) تشهد –ومعها كندا – طفرة نفط صخري غير مسبوقة، وهي الطفرة التي ساعدت الأمريكيين على الحد من وارداتهم وزيادة صادراتهم من النفط، للاستفادة من الأسعار المرتفعة، الأمر الذي أدى الى هبوط الأسعار.

وفيما تتجه أمريكا – التي تلتهم ثلث نفط العالم- إلى مصادر نفطية بديلة، فإن التكنولوجيا في العالم انشغلت طوال السنوات الماضية في البحث عن «طاقة بديلة» و»طاقة نظيفة» وطاقة رخيصة، ليكتشف العالم فجأة أن مبيعات السيارات الكهربائية تسجل طفرة غير مسبوقة وغير متوقعة، وفي حال استمرت على حالها فهذا يعني أن الطلب على وقود السيارات والمواصلات سوف يهوي بصورة حادة خلال سنوات قليلة.

وبحسب دراسة صدرت مؤخراً عن منظمة «أفير فرانس» الفرنسية فإن مبيعات السيارات الكهربائية في العالم قفزت خلال عام 2015 بنسبة 80٪ مقارنة بما كانت عليه عام 2014، أما المعلومة المرعبة التي كشفتها المنظمة الفرنسية فهي أن عدد السيارات الكهربائية في العالم ارتفع 11 مرة خلال أربع سنوات، أما في الصين وهي ثاني أكبر اقتصاد عالمي، وثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم فتضاعفت فيها السيارات الكهربائية 41 مرة خلال أربع سنوات فقط، وتحديداً منذ عام 2011 وحتى عام 2015.

المؤشرات الاقتصادية داخل السعودية وخارجها، تؤكد على أن استمرار الاعتماد على النفط وحده سيؤدي الى كارثة محققة خلال السنوات المقبلة، وبأسرع من أي توقعات سابقة، الأمر الذي يعني في النهاية أن «رؤية السعودية 2030» هي ثورة اقتصادية ضرورية الحدوث، لكن الرهان اليوم يظل على تنفيذها وعلى مدى فهمها، في الوقت الذي يُفاجئنا رئيس تحرير صحيفة محترمة في السعودية بقوله، «إن «رؤية 2030» يعني أن تنفيذها يستغرق بين 20 إلى 30 سنة!» أي أنه لا زال لم يفهم العنوان حتى الان أصلاً، فضلاً عن عدم فهمه للمضمون والتفاصيل!

٭ محمد عايش كاتب فلسطيني

المصدر | القدس العربي